خدمات بث الفيديو... سوق صاعدة تُثقل كاهل المشتركين بارتفاع أسعارها

21 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 15:18 (توقيت القدس)
حجم سوق خدمات بث الفيديو من عام 2018 إلى عام 2024 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أعلنت "ديزني+" عن زيادة في أسعار خططها في أكتوبر 2025، مما أثار قلق الأسر ذات الميزانيات المحدودة، ودفعها للتفكير في خيارات مثل الخطط مع إعلانات أو حزم مشتركة لتقليل التكاليف.
- شهد سوق خدمات بث الفيديو نمواً كبيراً، حيث ارتفعت قيمته من 58.5 مليار دولار في 2018 إلى 233.1 مليار دولار في 2024، مع توقعات بالوصول إلى 2.49 تريليون دولار بحلول 2032، مما يعكس تحولاً في عادات المشاهدة.
- تباينت ردود الفعل على زيادة الأسعار بين الغضب والبحث عن حلول بديلة، مثل الاشتراك في خطط مع إعلانات أو التنقل بين المنصات، مع احتمال إلغاء أو تعديل الاشتراكات.

في ليلة قبل بدء الأسبوع، تصل رسالة إلى بريد رب الأسرة من "ديزني +" (خدمة بث فيديو حسب الطلب في الولايات المتحدة) تعلن تعديلاً في الأسعار بدءاً من أكتوبر/تشرين الأول 2025، ليتحول سعر "الخطة مع إعلانات" إلى 11.99 دولاراً شهرياً، و"الخطة بلا إعلانات" (بريميوم) إلى 18.99 دولاراً شهرياً، بينما الاشتراك السنوي أصبح 189.99 دولاراً. كان رب الأسرة يظن أن الزيادة ستأتي لاحقاً، لكن التاريخ محدّد في الرسالة، والخصم القديم الذي كان يعوّل عليه اختفى من صفحة المساعدة، والأرقام أصبحت نهائية وواضحة ولا مجال للتفاوض.
خلال دقائق تحولت خدمات البث عند رب الأسرة من ترف بسيط للعائلة في نهاية اليوم إلى بند يحتاج قراراً مدروساً داخل البيت، فكل دولار يعني تغيير في خطط الميزانية، وبالتالي تصبح أسئلة التقشف مشروعة، هل ننزل إلى خطة الإعلانات ونقبل بالفواصل التجارية؟ هل نضم الخدمة مع حزمة مع "هولو" (خدمة بث وسائط في الولايات المتحدة مملوكة لشركة ديزني ستريمينغ) لتقليل الكلفة؟ أم نلغي الاشتراك مؤقتاً ونجرّب شهراً على منصة أخرى بحثاً عن عرض أفضل بسعر مناسبٍ للميزانية المثقلة؟ وبين نقاش ميزانية الشهر وطلبات الأبناء وقائمة المسلسلات المؤجلة والمباريات الواعدة، تتبدل العلاقة مع البث من عادة يومية إلى معادلة مالية يجب حلها قبل بداية الأسبوع.

حجم السوق

حسب "بيزنيس أوف آب" (منصة إعلامية ومعلوماتية رائدة في قطاع التطبيقات العالمي) في تقريرها الصادر في 10 سبتمبر/أيلول 2025 فإنّ حجم سوق خدمات بث الفيديو تتصاعد طردياً، إذ ارتفعت من 58.5 مليار دولار عام 2018 إلى 233.1 مليار دولار في 2024، وتتصدر نتفليكس المنصات من حيث الانتشار بـ 301.6 مشترك ثم "جيوستار" الهندية بـ 280 مليون مشترك، فديزني بكامل منصاتها بـ 207 ملايين مشترك، ثم أمازون بمنصاتها مجتمعة بـ 205 ملايين مشترك، وتأتي "أي تشيي" الصينية بـ 128.9 مليون مشترك، ما يعني أن بث الفيديو المدفوع أصبح الآن أكثر شعبية من الكابل أو البث التقليدي، وحسب "إيكسبلودينغ توبيك" (منصة لرصد وتحليل الاتجاهات الصاعدة والمواضيع التي تشهد نمواً مفاجئاً) في تقريرها الصادر في 23 يونيو/حزيران الماضي فإنّ قيمة سوق خدمات بث الفيديو حالياً بلغت أكثر من 670 مليار دولار، وتوقعت أن يستمر نموه ليصل إلى أكثر من 2.49 تريليون دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 17.8%.

جدل السعر

في نقاش عام على منصة ريديت، كتب مستخدم غاضباً "يرفعون السعر مجدّداً، صار الأمر يشبه زيادة كل ستة أشهر"، فيرد آخر بنبرة أبرد "هي زيادة سنوية وليست كل نصف عام"، ثم يدخل ثالث بحل عملي أقرب إلى الحسابات المنزلية "لماذا أدفع 18.99 دولاراً لخطة منفردة بلا إعلانات بينما الحزمة مع هولو بلا إعلانات تقارب هذا السعر؟"، يبين هذا النوع من النقاشات توجّهات الإنفاق داخل البيوت، فعندما تتقارب كلفة الخطة المنفردة مع حزمة تجمع "ديزني+" و"هولو" يميل الناس إلى التجميع بدلاً من الإلغاء، لأنّ الحزمة تعطي محتوى أوسع بسعر أقل، ومع ضغط الميزانية يصبح القرار اقتصادياً قبل أن يكون ترفيهياً.

الصورة
حجم سوق خدمات بث الفيديو من عام 2018 إلى عام 2024 (العربي الجديد)
حجم سوق خدمات بث الفيديو من عام 2018 إلى عام 2024 (العربي الجديد)

كلفة التغيير

لكن النزول إلى خطة الإعلانات ليس بلا كلفة على التجربة. يروي مشترك، بعد انتقاله إلى الخطة الأقل تكلفة، إنه يصادف فترتين من الإعلانات تستغرقان نحو دقيقتين كل 5 إلى 7 دقائق من العرض، فتقطع الإيقاع وتضيع لحظة المشهد. ويضيف آخر أنه يشاهد الإعلان نفسه يتكرر إذا عاد إلى لقطة قبل موضع الفاصل. وحتى الخطة بلا إعلانات لم تعد مطلقة في كل الحالات، فصفحات المساعدة توضح أن بث المحتوى الحي أو المعاد من القنوات قد يتضمن فواصل تجارية، هكذا تصبح "قيمة الوقت" جزءاً من حساب الأسرة، لا السعر وحده.
وترسم الأرقام صورة أوضح لتغير العادات تحت ضغط الفاتورة، ففي المملكة المتحدة، ووفقاً لتقرير "الأمم الإعلامية 2025" الصادر عن أوفكوم (هيئة تنظيم الاتصالات والإعلام في المملكة المتحدة) في 30 يوليو/تموز 2025، فقد بلغت إيرادات الفيديو بالاشتراك 4.37 مليارات جنيه إسترليني في 2024، بزيادة بنسبة 10% على أساس سنوي، بينما تخطت إيرادات خدمات القنوات التلفزيونية عند الطلب حاجز المليار لتسجل 1.1 مليار جنيه بزيادة بنسبة 15%، وأصبحت تمثل ربع إيرادات إعلانات القنوات.

وفي الاتجاه نفسه، تُظهر قياسات "كانتر" (شركة دولية لأبحاث السوق في المملكة المتحدة) الصادرة في ذات التاريخ أن 37% من الاشتراكات الجديدة في بريطانيا في الربع الثاني عام 2025 ذهبت إلى خطط مدفوعة مع إعلانات، وهذه الخطط أصبحت موجودة في منزلَين من كل خمسة منازل ما نسبته 40%.
وحسب تقرير للأرباح صادر في 17 يوليو/تموز 2025عن الموقع الأميركي "إنفستوبيديا" المتخصّص في الاستثمار والتمويل فإنّ "نتفليكس" عزّزت هذا الاتجاه بإيرادات فصلية بلغت 11.08 مليار دولار في الربع الثاني عام 2025، بزيادة بنسبة تقارب 16% على أساس سنوي، مع رفع التوقعات السنوية إلى نطاق بين 44.8 و45.2 مليار دولار. وتوقع التقرير أن تتضاعف إيرادات الإعلانات، فضلاً عن أن خطة الإعلانات لديها بلغت 94 مليون مستخدم نشط شهرياً في مايو/أيار 2025.
وفي السياق نفسه، وحسب بيان نتائج شركة "ديزني" الصادر في 6 أغسطس/آب 2025، فإنّ قطاع البث المباشر لديها سجل إيرادات قدرها 6.176 مليارات دولار وأرباح تشغيلية 346 مليون دولار في الربع المالي الثالث عام 2025، وهو ما يعكس انتقال العائدات إلى نماذج هجينة تجمع بين الاشتراك والإعلانات.

مناورات البيت

وفي سياق آخر تتجه الأسرة إلى "نتفليكس" لمعرفة إن كان النزول إلى الإعلانات هناك أقل إزعاجاً مالياً. لكن الخبر غير السار حملته صفحة الأخبار للمنصة التي أكدت أن الأسعار رفعت في 21 يناير/كانون الثاني 2025، بحيث أصبحت الخطة مع الإعلانات بـ 7.99 دولارات شهرياً، و"قياسية بلا إعلانات" بـ 17.99 دولاراً، و"ممتازة" بـ 24.99 دولاراً، وفي المملكة المتحدة ارتفع سعر "القياسية بلا إعلانات" إلى 12.99 جنيهاً شهرياً في 7 فبراير/شباط 2025.
على المدى القصير قد يغري حل "إضافة عضو إضافي" من يعيش خارج المنزل، لكن التفاصيل تحدد المسار، لا يمكن إضافة عضو إضافي على الخطة مع إعلانات، ويستلزم الأمر خطة قياسية أو ممتازة، مع رسوم شهرية 6.99 دولارات للعضو مع إعلانات، أو 8.99 دولارات بلا إعلانات، ويجب تفعيل العضو الإضافي في البلد نفسه الذي أُنشئ فيه حساب صاحب الاشتراك، هكذا تتراكم الحسابات الصغيرة فوق الفاتورة الأصلية وتعود الأسرة إلى مفاضلة شهرية بين الباقات والطبقات.

ردّات غاضبة

على الجانب الشعبي تتوزع ردات الفعل بوضوح. يكتب بريطاني ساخط على منصة ريديت "19 جنيهاً شهرياً؟ هذا يشبه أسعار سكاي"، في إشارة إلى أن القيمة مقابل المال لم تعد مقنعة عند المقارنة مع سكاي (تلفزيون مدفوع في المملكة المتحدة). هنا تتحول الملاحظة الفردية إلى معيار قياس يومي داخل البيوت، كم أدفع مقابل ما أحصل عليه فعلاً؟ وفي نقاش آخر يظهر صوت أكثر تساهلاً لكنه مشروط "قد تبرر الزيادة مع البث الحي والألعاب، لكنّني أريد خطة أختار فيها ما أحتاجه فقط وأدفع أقل"، هذه الجملة تكشف مطلباً يتكرّر في التعليقات، تسعير مرن بمستويات واضحة يتيح حذف ما لا يستهلك، بدل دفع فاتورة كاملة لخدمات لا تُستخدم.
ثم يبرز تيار عملي يفضّل الحركة السريعة بين المنصات "أشترك لأشاهد ثم ألغي مباشرة"، يقول أحدهم بعد إعلان الزيادة "ألغيت اشتراكي مع الزيادة السابقة، ولن أعود ما لم يتغيّر شيء". وبالتالي الأمر لم يعد غضب عابر بقدر ما هو إدارة لمحفظة بث منزلية تُعاد موازنتها شهراً بشهر، إذ يصبح قرار البقاء أو المغادرة أداة ضغط اقتصادية لا تقل تأثيراً عن الشكوى نفسها.

بث بإنفاق أعلى

وتأتي الأرقام لتشد على هذا المزاج، فحسب استطلاع شركة "يوغوف" البريطانية الصادر في 23 سبتمبر/أيلول 2025، فإنّ 66% ممن تخلوا عن خدمة بث في الأشهر الستة الماضية أرجعوا السبب لارتفاع السعر، كما أفاد الاستطلاع بأن 31% اشتركوا بسبب التجارب المجانية و22% بدافع سياسات الاسترداد والإلغاء المرنة. في وقت قدرت شركة "أنتينا" (شركة أبحاث اشتراكات في الولايات المتحدة) في 5 سبتمبر/أيلول الماضي متوسط معدل الخروج الشهري لفئة البث المميز عند نحو 4% في يونيو/حزيران 2025، ما يعني أن كثيراً من المشتركين لا يغادرون نهائياً بل يناورون بين المنصات والطبقات.
ووسط هذا الارتباك يخرج الصوت الموسيقي "سبوتيفاي" (خدمة بث موسيقى) هذه الأخيرة لم تشذّ عن القاعدة ورفعت أسعار في الولايات المتحدة في 3 يونيو/حزيران 2024، الاشتراك الفردي أصبح بـ 11.99 دولاراً شهرياً، والثنائي 16.99 دولاراً، والعائلي 19.99 دولاراً. تبدو "خطة العائلة" مجدية فتجميع ستة حسابات تحت سقف واحد يكلف 19.99 دولاراً، لكن على الواقع يبدأ المنزل في موازنة الفاتورة مع ما يُستخدم فعلاً من مزايا.
وتنعكس هذه الحسابات في تعليقات الناس، مشترك بريطاني يشتكي من قفزة "العائلي" من 16.99 إلى 19.99 دولاراً شهرياً، ويصفها بأنها كبيرة على ميزانية شهر مضغوط، بينما يرد آخر بنبرة أكثر تساهلاً قائلاً إن زيادة يورو واحد شهرياً خارج أميركا "لا تستحق كل هذا الجدل وأن المشكلة في أمور أخرى لا في السعر نفسه". وثالث يُقر بأنه رغم انزعاجه من الزيادة فإنه لا يفكر في الإلغاء لأن أفراد العائلة يعتمدون الخدمة يومياً، كما ظهرت أصوات تُبرر الزيادات بأنها "تماشٍ مع التضخم" على امتداد السنوات الماضية. المشهد في خلاصته مجرد شكوى من دون قيمة مضافة، ومطالبة بميزة واضحة لتبرير السعر، ثم دفاع اقتصادي يربط الزيادة بتغيرات الكلفة العامة. هكذا توزعت الآراء بين من يرى الزيادة عبئاً مباشراً، ومن يقبلها بشرط قيمة أوضح، ومن يبقي الاشتراك لأنه صار عادةً يومية.

مراجعة الميزانية

وحين يكتمل المشهد، لا يعود السعر وحده القصة، فتقرير "ديلويت" (أكبر شركة خدمات مهنية في العالم) المعنون بـ "اتجاهات الوسائط الرقمية 2025" المنشور في 25 مارس/آذار 2025، كشف أن متوسط إنفاق المشتركين على أربع خدمات بث مدفوعة بلغ 69 دولاراً شهرياً بارتفاع 13% على أساس سنوي، بينما 60% قالوا إن زيادة بخمسة دولارات قد تدفعهم لإلغاء خدمتهم المفضلة، و47% يرون أنهم يدفعون أكثر مما ينبغي، هي أرقام تفسر لماذا يتجه كثيرون إلى المناورة بين الخطط والباقات أو الهبوط إلى الإعلانات طلباً لقيمة أفضل.
هكذا تلخص الوضع مع منصات البث، اللجوء إلى الحيل الصغيرة موزعة بين تخفيض خدمة لتخفيف الفاتورة أو إضافة عضو بتكلفة أقل من اللجوء لفتح حساب ثانٍ، أو تقسيم العام إلى مواسم بحيث يحدّد لكل منصة فترة معينة من العام، لكن مع كل إشعار تغيير في الأسعار تعيد الأسر مراجعة ميزانيتها بحثاً عن أقل كلفة ممكنة دون فقدان ما يلزم من محتوى.

المساهمون