استمع إلى الملخص
- يعتمد مؤشر الخوف والطمع على سبعة مكونات مثل تقلب السوق وحجم التداول، ويُظهر تقلبات كبيرة في سوق العملات المشفرة، مما يدفع المتداولين لاتخاذ قرارات متناقضة.
- يُعتبر المؤشر أداة تكميلية بجانب التحليل الفني والأساسي، ويعكس الحالة النفسية للمستثمرين، مما يبرز أهمية الوعي العاطفي في اتخاذ قرارات استثمارية.
في صباح رمادي فوق مانهاتن، كانت شاشات قاعة التداول تمطر أرقاماً حمراء، أسعار بيتكوين تهبط بشكل غير مألوف في الأسابيع الأخيرة، ومؤشرات "ستاندرد آند بورز" تتراجع بشكل مقلق، وعلى زاوية الشاشة الأرقام الطويلة لبيتكوين تتقلص، فلم يعد هناك وجود لستة أرقام، بينما في الزاوية الأخرى يرتفع رقم صغير من 19 إلى 24 خلال دقائق قليلة. هذا الرقم ليس سهماً ولا عملة، بل ما يسميه المتداولون "مؤشر الخوف" في وول ستريت، الذي قفز مؤخراً بنحو 15% في جلسة واحدة مع هبوط الأسهم، في أكبر قفزة له منذ أشهر.
مؤشر الخوف هو أحد الأدوات العملية المستخدمة لقياس مستوى هذه المشاعر في السوق وتأثيرها على اتجاهات الأسعار. ويعرض هذا المؤشر عادة رقما بين 0 و100، حيث يمثل كل رقم شدة المشاعر السائدة في السوق. بشكل عام، تُصنّف هذه الأرقام على النحو التالي: من 0 إلى 24 يشير إلى خوف شديد، ومن 25 إلى 44 يشير إلى الخوف، ومن 45 إلى 54 يشير إلى الحياد، ومن 55 إلى 74 يشير إلى الجشع، ومن 75 إلى 100 يشير إلى الجشع الشديد.
ويُحساب مؤشر الخوف والجشع بناء على سبعة مكونات مختلفة تدرس سلوك المستثمر من كثب. تشمل هذه المكونات عوامل مثل تقلب السوق وحجم التداول وعمليات البحث على الإنترنت المتعلقة بالسوق، وتعكس هذه التحليلات بدقة الحالة العاطفية المهيمنة على السوق. وبشكل عام، يُعد مؤشر الخوف والطمع مقياساً متقدماً لتقييم "معنويات السوق"، وصمم خصيصاً لقياس درجة تأثير الانفعالات السائدة على ديناميكيات الأسواق المالية. وعلى الرغم من أنه لا يمثل أداة مالية قابلة للتداول المباشر، فإنه يُعتبر مؤشراً اقتصادياً مساعداً ذا أهمية استراتيجية لفهم سيكولوجية السوق الجماعية.
تشكّل الذعر
وفي لحظة تقلب المؤشر، لا يراقب المتداولون الأسعار فقط، بل يراقبون مزاج السوق نفسه، حالة ذعر جماعي يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى "عدوى" تجرّ الجميع للبيع. أحد المتداولين في العملات المشفرة بشكل دائم ويرمز لاسمه بـ"دان لتداول العملات المشفرة"، قال في منشور له على منصة إكس منتقداً نظرية الخوف عبر المؤشرات: "وصل مؤشر الخوف والجشع في العملات المشفرة إلى عشرة، وهو أدنى مستوى له منذ فبراير/شباط من هذا العام، ويتماشى مع انهيار بورصة العملات المشفرة، هذا المقياس غير عملي بأي حال من الأحوال. يمكن أن يبقى الجشع أشهراً بينما تستمر الأسواق في الارتفاع، تماماً كما يمكن أن يبقى عند مستويات الخوف مدة طويلة".
Crypto Fear & Greed Index hit 10, which is the lowest it has been since February this year and in line with the FTX implosion.
— Daan Crypto Trades (@DaanCrypto) November 17, 2025
This metric is in no way actionable. It can sit at greed for months while markets keep rallying, just as it can sit at the fear levels for a prolonged… pic.twitter.com/jXqYsNa40P
من الخوف إلى الطمع
مؤشر الخوف والطمع يظهر كأنه عدّاد سيارة من 0 إلى 100 مقسمة بين "خوف شديد" و"طمع شديد"، وأرقامه تساعد المتداولين على تقييم ما إذا كان السوق مقيّمة بأعلى أو بأقل من قيمته العادلة، وذلك استناداً إلى ردات الفعل العاطفية الجماعية وليس بالضرورة بناء على التقييمات الأساسية البحتة. كما أنه يوفر نافذة هامة لفهم سيكولوجية الجماهير، وهو مبني على سبعة مؤشرات فرعية تشمل زخم الأسعار، تقلبات السوق، الطلب على الملاذات الآمنة، ونشاط خيارات الشراء والبيع وغيرها. وقرب الصفر يعني أن الخوف يسيطر، وبالتالي هرولة المستثمرون نحو السندات والنقد. أما إذا إقترب من 100، فهنا الطمع يبلع ذروته، الكل يريد الشراء، حتى بأسعار مبالغ فيها.
يوم بلغ الخوف ذروته
في إحدى جلسات هذا العام، ومع تصاعد المخاوف من حرب تجارية عالمية جديدة، قفز مؤشر الخوف (VIX) إلى ما فوق 40 نقطة، وهو مستوى لا يظهر عادة إلا في أزمات حقيقية. تقارير إخبارية أشارت إلى أنه اقترب من أعلى مستوى له منذ أشهر، بينما هوت المؤشرات الأميركية وتراجع العائد على سندات الخزانة مع اندفاع المستثمرين إلى الملاذ الآمن. في هذا الجو المتوتر، غرّد أحد المحللين على منصة إكس قائلًا: "نحن لا نشهد فقط بيعاً عادياً، بل حالة ذعر تؤكدها قفزة مؤشر الخوف". لم يذكر المؤشر إسم سهم واحد، لكنه لخص حالة نفسية جماعية، كل شخص ينظر إلى الشاشة ويخاف أن يتأخر عن قطار الهروب.
العملات المشفرة...الخوف تحت 10
في عالم العملات المشفرة، المشهد أكثر درامية، فقبل أيام، سجّل مؤشر الخوف والطمع للعملات المشفرة قراءة عند 10 نقاط من 100، أي في منطقة "الخوف الشديد" بحسب بيانات منصات مثل "Bitget" (منصة تداول عملات مشفرة مقرها سنغافورة) التي ترصد تطور المؤشر يوماً بيوم. فالمتداولون حتى وإن أعطوا الانطباع بأنهم لا يبالون بمؤشر الخوف، لكن تجدهم بين الفينة والأخرى يسرقون نظره إلى لوحة المؤشر علّها تكون سبباً في الربح. نظرية ترجمتها "آشي" في منشور لها على منصة إكس وهي تربط بين هبوط بيتكوين وهبوط المؤشر: "تأرجح سعر بيتكوين بين الخوف الشديد والاستسلام، حيث يتأرجح المتداولون بين الأمل والاستسلام. بعد انخفاضه إلى ما دون 93 ألف دولار، عادت بيتكوين إلى مستوى افتتاحها السنوي، ممحية معظم مكاسب عام 2025".
أحد المحللين البارزين في سوق العملات المشفرة، "ماثيو هايلاند"، في منشور له على منصة "إكس" أشار إلى أن مؤشر الخوف والطمع هبط إلى مستوى عشرة، وعلّق بأن الجو أقرب إلى "ذروة السوق الهابطة". التغريدة انتشرت بسرعة بين متداولي العملات المشفرة، البعض رأى فيها إشارة رعب وأن الأسوأ قادم، وآخرون اعتبروها فرصة شراء تاريخية، لأن الجميع خائف. هكذا يتحول رقم واحد إلى قصة متناقضة، الخوف عند شخص، والطمع عند شخص آخر يقرأ المؤشر نفسه.
كيف يُصنع مؤشر الخوف
خلف العداد البسيط توجد غرفة مليئة بالبيانات، في سوق الأسهم مؤشر الخوف والطمع يساوي تقريباً متوسطاً لسبعة مقاييس رئيسية وهي زخم الأسعار وقوتها واتساع السوق ونشاط خيارات البيع والشراء في بورصة ومؤشر التقلب VIX نفسه، مقياساً لخوف المستثمرين من هبوط حاد والطلب على الملاذ الآمن والطلب على السندات عالية المخاطر. وأشارت دراسات أكاديمية حديثة إلى أن هذا المزيج يقدم بالفعل إشارة إلى اتجاه السوق على المدى القصير، وأنه أصبح من الأدوات المنتشرة عالمياً لمتابعة ديناميات مشاعر المستثمرين. وفي سوق العملات المشفرة، تستخدم مقاييس مختلفة تعكس طبيعة السوق، منها تقلبات بيتكوين والزخم وأحجام التداول والمنشورات والتفاعلات في وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنة بيتكوين على السوق، فعند ارتفاع حصتها السوقية يعني أن المتداولين يهربون من العملات البديلة الأكثر خطورة، وأيضاً مقياس اتجاهات البحث على غوغل، فارتفاع عمليات البحث عن عبارات مثل "انهيار بيتكوين" غالباً ما يرافق موجات الخوف. وكل هذه المؤشرات تُحوّل إلى أرقام جزئية، ثم تُدمج في قراءة واحدة للمؤشر بين 0 و100.
Bitcoin is flirting with extreme fear as traders wrestle between hope and capitulation. After dipping under $93K, BTC has returned to its yearly open level wiping out most of 2025 gains.
— Ashi π² (❖,❖) "base.eth" (@1Ashi5) November 17, 2025
CME Futures Gap: $91.8K–$92.7K remains unfilled,
a magnet for short-term technical moves.… pic.twitter.com/Kxv0ng8iHp
متداول يحارب "عقلية القطيع"
في مكتب صغير في لندن، يتابع مدير محفظة استثمارية شاشة عليها ثلاثة أشياء: مخطط لمؤشر الأسهم، وجدول أرباح الشركات، وفي الزاوية مؤشر الخوف والطمع. يقول هذا المدير إنه لا يتخذ قراره بناء على المؤشر وحده، لكنه يستعمله خطَّ دفاع أول ضد الانجراف مع القطيع، فعندما يرى المؤشر يقترب من 80 إلى 90 (طمع شديد)، يبدأ في تخفيف المراكز الخطرة، ويزيد من التحوط عبر السندات أو النقد. أما عند اقتراب المؤشر من 10 إلى 20 (خوف شديد)، فلا يهرع للبيع، بل يبحث عن شركات قوية هبطت أكثر من اللازم.
هذه الفلسفة ليست جديدة، لخصها المستثمر الأميركي الشهير وورن بافيت في جملة أصبحت شعاراً للأسواق "كن خائفاً عندما يكون الآخرون جشعين، وجشعاً عندما يكون الآخرون خائفين". فمؤشر الخوف والطمع لا يخبره ماذا يشتري أو يبيع، لكنه يذكّره بسؤال واحد "هل أنا أتخذ قراري لأنني مقتنع، أم لأنني خائف من أن أكون مختلفاً عن الآخرين؟".
بعض المواقع المتخصصة في العملات المشفرة تحذر صراحة من استخدام المؤشر وحده، وتؤكد أنه مجرد أداة معنويات يجب أن تُدمج مع التحليل الفني والأساسي وبيانات الشبكة على سلاسل الكتل. ومع ذلك، ما زال كثيرون يتعاملون معه كأنه إشارة "اشتر" و"بع"، فينسون أن الخوف والطمع يمكن أن يظلا في مستويات قصوى أسابيع، بينما تواصل الأسعار الصعود أو الهبوط.
مؤشرات أخرى
مؤشر "موف" (MOVE) يُنظر إليه اليوم على نطاق واسع على أنه مؤشر الخوف في سوق السندات الأميركية، فهو يقيس تقلب سوق سندات الخزانة الأميركية تماماً كما يفعل مؤشر (VIX) مع خيارات الأسهم. لدرجة تلقيبه بـ"مؤشر الخوف لسوق السندات"، كما يتوقع نطاق سعري محتمل ليوم واحد. وسبق أن رافقت قفزته القوية في إبريل/نيسان 2025 قفزة في عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل فوق 5% لأول مرة منذ 2007، ما عُد إشارة واضحة إلى ارتفاع منسوب القلق من مخاطر الدين وأسعار الفائدة.
مؤشر "SKEW" يشبه مؤشر "VIX" ويقيس المخاطر الضمنية للعوائد المستقبلية التي تحقق سلوكاً شاذاً. وتشير قيمته البالغة 100 إلى أن سوق الخيارات تدرك مخاطر منخفضة للعوائد الشاذة، ووصف المؤشر بأنه "مؤشر البجعة السوداء" و"مقياس لخوف المستثمرين من الانهيارات المفاجئة".
مؤشر "Bull & Bear" هو مؤشر الصعود والهبوط الذي يقيس معنويات السوق من خلال تتبع التوازن بين ضغط الشراء (الثور) والبيع (الدب) للمساعدة في التنبؤ باحتمالية انعكاسات الاتجاه. ويمكن استخدامه لتحديد ما إذا كانت الثيران تدفع الأسعار للأعلى أم الدببة تدفعها للأسفل، حيث غالباً ما تُعتبر القراءات المتطرفة إشارات معاكسة.
Crypto Fear and Greed now at the most extreme fear level of this entire cycle
— Matthew Hyland (@MatthewHyland_) November 16, 2025
A path like this for #BTC Dominance would now be max pain https://t.co/Hg8p4VhE3v pic.twitter.com/rFuK67LjfV
هل مؤشر الخوف موثوق؟
يبقى مؤشر الخوف أداة عملية لقياس معنويات السوق السائدة، ما يساعد المتداولين على فهم أجواء السوق. لكنه ليس موثوقاً لدرجة الكمال، ويجب استخدامه فقط أداةً تكميليةً إلى جانب أساليب تحليل السوق الأخرى. ففي الأسواق المالية، وخاصةً في سوق العملات المشفرة، تؤثر عواطف المستثمرين والمتداولين بشكل كبير على تقلبات الأسعار، ويمكن لهذه العواطف أن تلعب دوراً رئيسياً في اتجاهات السوق وقراراتها. وفي مثل هذه الحالات، يمكن لمؤشر الخوف مساعدة المتداولين على اتخاذ قرارات أكثر وعياً من خلال فهم هذه العواطف بشكل أفضل.
مرآة عاكسة
في نهاية اليوم، مؤشر الخوف، سواء كان "VIX" في وول ستريت أو مؤشرات الخوف والطمع للأسهم والعملات المشفرة، ليس نبوءة بمستقبل الأسعار، بل مرآة تعكس حاضرنا النفسي على الشاشة. هي تحكي قصة بشر يجلسون أمام الشاشات، يترددون بين جملتين متناقضتين: "خسرت كثيراً يجب أن أبيع الآن قبل أن ينهار كل شيء"، أو "صعد كثيراً لا أستطيع أن أظل متفرجاً، يجب أن أشتري فوراً". وبين هاتين اللحظتين، يعيش مؤشر الخوف والطمع، يتحرك صعوداً وهبوطاً مع كل خبر عاجل، وكل تغريدة مؤثرة، وكل قرار لمحافظ بنك مركزي. ومن يقرأه باعتباره قصة عن مزاج السوق، لا أمراً تنفيذاً فورياً، يملك فرصة أفضل ليبقى هادئاً في عالم لا يهدأ، وليتذكر دائماً أن أخطر ما في الأسواق ليس الإشارت، بل مشاعر من ينظر إليه.