بعد النسيج والصلب والجلود... حمى الإفلاس ترتفع في تركيا وتطاول شركات بلديات
استمع إلى الملخص
- أسباب الإفلاس: تعود إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، الركود الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية، بالإضافة إلى الفائدة المصرفية المرتفعة التي تزيد الأعباء المالية على الشركات.
- الحلول ودور الحكومة: تسعى الحكومة لدعم الشركات المتعثرة عبر منح مهلة قبل الإفلاس، مع ضرورة إعادة تقييم تكاليف الإنتاج ودعم الشركات الرائدة للحفاظ على الاقتصاد وتقليل البطالة.
أعلنت أمس الأحد شركات تركية جديدة إفلاسها، بعضها يعمل في قطاع الخدمات وتتبع للبلديات. وفشلت محاولات الحكومة حتى الآن في منح فرصة لشركات كبرى أعلنت إفلاسها من خلال تعيين لجنة مفوضين لدراسة أوضاعها المالية.
وأعلنت شركة "أنفا أنقرة ألتنبارك" التابعة لبلدية أنقرة إفلاسها، بعد ذوبان المبلغ التأسيسي كاملاً وغرقها بالخسائر، وتبعتها في اليوم نفسه شركة "إكميكجي" الرائدة منذ أكثر من ثمانية عقود في تجارة المكسرات، لتلتحقا بشركات تركية كبرى، كانت قد أعلنت إفلاسها الشهر الماضي، مثل شركة "أرويمك تشيليك"، وهي من أعرق شركات الصلب، وشركتي "ليدر جانسو نسيج" و"سيريس نسيج" لصناعة النسيج.
إفلاس شركة عريقة
وأعلنت شركة "إكميكجي أوغلو" المعروفة خارج تركية باسم "سينجاب"، والمؤسسة منذ عام 1942، عن تقديم طلب لإعلان الإفلاس بعد الأزمة الاقتصادية التي مرت بها، ليأتي رد المحكمة بتمديد مؤقت لمدة ثلاثة أشهر للشركة اعتباراً من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وتعيين لجنة من ثلاثة أشخاص لمراقبة عملية الإفلاس وتقييم نجاحها ووقف جميع الإجراءات القانونية ضدها، بما في ذلك جميع إجراءات التنفيذ والحجز الاحتياطي، والتعامل مع "الشيكات" التي أصدرتها الشركة، قبل قرار التمديد، من قبل المصارف تحت عبارة "في إطار الإفلاس"، وفق ما نشرت صحيفة "سوزجو" التركية.
شركة البلديات
وأثار خبر الإفلاس الذي طاول شركة "أنفا أنقرة ألتنبارك" التابعة لبلدية أنقرة الكبرى، وتدير عدداً من المرافق العامة والحدائق والمساحات الترفيهية في العاصمة التركية، بعض الغرابة، ففضلاً عن عراقتها، قلّما عانت من المنافسة، ناهيك عن كونها شركة خدمية وممولة من البلدية.
وأوردت وكالة "نيو تورك" المحلية، اليوم الاثنين، أن محكمة المحاسبات التركية كشفت من خلال تقريرها المالي لعام 2024 عن انهيار مالي واسع النطاق داخل شركة "أنفا"، كاشفة عن أن رأس مال الشركة "ذاب بالكامل"، وأن استمرارها بات غير ممكن من الناحية القانونية والمالية، بعد خسائر متراكمة تجاوزت 2.8 مليار ليرة تركية (66.4 مليون دولار) خلال ثلاث سنوات متتالية، ما يجعل الشركة عرضةً لما وصفه التقرير بـ"الإنهاء التلقائي"، وعدم قدرتها على الاستمرار، وفقاً لأحكام المادة 376 من القانون التجاري التركي.
وأكدت محكمة المحاسبات، وفقاً لما نقلته وكالة "نيو تورك"، أن "الشركة لم تعد قادرة على تغطية التزاماتها الضريبية والتأمينية في مواعيدها القانونية، وأن الرسوم والفوائد المترتبة عليها أُضيفت إلى بند الخسائر، مما فاقم الوضع المالي سوءاً، وأصبحت الشركة تعتمد كلياً على تمويل بلدية أنقرة الكبرى لتغطية نفقاتها التشغيلية والرواتب، في ظل غياب أي موارد مالية مستقرة أو عوائد تشغيلية كافية".
تسييس الإفلاس
وأشار الخبير التركي، علاء الدين شنكولر، إلى أن البعض ربما حاول تسيّس إفلاس شركة "أنفا" والقول إن الشركة تتبع لبلدية تديرها المعارضة، ما وضعها موضع رقابة أو استهداف، رغم "صدور تقرير المحكمة الذي يؤكد مخالفات قانونية من قبيل قبول فاتورة الضمان كضمان في معاملات الإيجار، أو الاستعانة بمصادر خارجية عبر نظام المشتريات، وغير ذلك".
وأضاف شنكولر، لـ"العربي الجديد": "ماذا يمكن أن يقول هؤلاء عن إفلاس شركات كبرى وعريقة كشركة الصناعات الغذائية والمكسرات التي أسسها محرم إكميكجي عام 1942، وهي من أهم الشركات التركية بمجالها، وتنتج وتغلف وتوزع وتصدر وفق أحدث الطرق التكنولوجية الحديثة. إذاً الموضوع وجود طوارئ أو مستجدات طرأت على الاقتصاد التركي أدت لتتالي حالات الإفلاس". وأرجع الأسباب إلى "زيادة تكاليف الإنتاج بالدرجة الأولى، من ارتفاع أسعار المواد الأولية أو حوامل الطاقة وأجور العمال، الأمر الذي أضرّ بقدرة الشركات التركية على المنافسة والاستمرار، وخاصة بالأسواق الخارجية".
أسباب الإفلاس
من جهته، قال المحلل التركي، يوسف كاتب أوغلو، إن معظم القطاعات الإنتاجية، وحتى الخدمية، تعيش أزمات "ركود مؤقت" بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية للمستهلك التركي، مع تراجع الطلب الخارجي والتصدير، الأمر الذي أوصل عديد منها للخسائر وطلب إعلان الإفلاس.
وأشار كاتب أوغلو إلى أن قطاعات إنتاجية، بمقدمتها النسيج، دخلت في "نفق مظلم" جراء المنافسة في "عقر دارها"، سواء من المنتجات الصينية أو المصرية، مشيراً إلى تزايد عدم قدرة الشركات التركية على منافسة الإنتاج الخارجي، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة ( نفط وكهرباء وغاز)، وأجور العمالة، وأحياناً قلة الخبيرة منها، كاشفاً عن أن بعض الشركات التركية بدأت تذهب للاستثمار بمصر والتأسيس بسورية ودول أخرى، نظراً لرخص حوامل الطاقة والأيدي العاملة.
وحول ما تقوم به الحكومة التركية لوقف إعلان إفلاس الشركات، يشير كاتب أوغلو إلى أن "الحكومة عادة ما تستجيب لطلب الحماية من الإفلاس، وتمنح الشركات مهلة، بين ثلاثة أشهر وسنة، قبل قرار إعلان الإفلاس وتصفية الممتلكات".
الحلول
واعتبر الخبير الاقتصادي، مسلم أويصال، الفائدة المصرفية المرتفعة "السبب الأهم" لحالات الإفلاس، لأن معظم الشركات التي تعلن إفلاسها يتضح أنها مدينة للمصارف، و"من الطبيعي بواقع الركود في السوق التركية ألا تصل الأرباح لنسبة الفائدة التي تزيد عن 40%، ومع التراكم نرى زيادة العجز وعدم القدرة على تسديد الديون وحتى أجور العمال، وبالتالي إعلان الإفلاس".
وحول الحلول ووقف خروج شركات عريقة من السوق، يضيف أويصال لـ"العربي الجديد" أن "بعض الشركات كبرت بزمن الدعم والتفرّد بالسوق أو بمجالها، وحين احتدمت المنافسة تكشّفت عدم قدرتها على الاستمرار". واستدرك: "لكن توجد شركات رائدة أتعبتها المنافسة غير المتكافئة وزادت تكاليف الإنتاج من أعبائها، تلك من الواجب على الدولة إعادة دراسة تكاليف الإنتاج والوقوف على معاناة الشركات ودعمها، بشكل أو بآخر"، مشيراً إلى أن "خروج تلك الشركات من الإنتاج ومن السوق يضرّ بالاقتصاد التركي على أكثر من مستوى، من خسارة الإنتاج، وزيادة البطالة، وربما الأهم الإساءة إلى المناخ التركي الاستثماري بشكل عام".