حلب تعود إلى الخارطة: التوأمة تعيد الجسر السوري–التركي

18 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 22:00 (توقيت القدس)
سوق في حلب، 12 مارس 2025 (هبة الله بركات/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد سوريا عودة تدريجية إلى منصات التجارة الإقليمية، حيث تُعتبر مشاركتها في معرض حلال إكسبو 2025 مؤشرًا على إرادة حكومية لإعادة إدماج البلاد في فضاءات التجارة والاستثمار، مع التركيز على حلب كبوابة صناعية.

- تعزيز التعاون الاقتصادي بين سوريا وتركيا من خلال توقيع بروتوكولات ومذكرات تفاهم، مما أدى إلى زيادة الصادرات التركية إلى سوريا، مع التركيز على حلب كمركز صناعي رئيسي ومنصة تصدير نحو الأسواق الإقليمية.

- توقيع اتفاقية توأمة بين غازي عنتاب وحلب لتعزيز التعاون في التنمية المحلية، تهدف إلى دعم جهود التعافي وخلق بيئة مشجعة لعودة اللاجئين، مما يعزز من دور حلب كعقدة تشغيلية في معادلة إقليمية أكبر.

تسجّل سورية عودة تدريجية إلى منصّات التجارة الإقليمية، وتأتي المشاركة في معرض حلال إكسبو 2025 الدولي بوصفها مؤشرًا مباشرًا على وجود إرادة حكومية وفاعلين اقتصاديين لإعادة إدماج البلاد في فضاءات التجارة والاستثمار. وفي إسطنبول، مثّل حضور وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، إلى جانب مجلس الأعمال السوري–التركي المشترك، خطوة لافتة في سياق إعادة الانتشار الاقتصادي. غير أنّ أهمية الحدث تتجاوز المعرض نفسه؛ إذ تكشف عن مسار تُتَّخذ فيه حلب موقع العقدة المركزية (واسطة العقد) لكل ما يتشكّل من روابط اقتصادية جديدة.

تتقاطع مصالح البلدين عند نقاط واضحة، حيث تبحث تركيا عن توسيع سوقها جنوبًا، فيما تشكّل سورية، التي دمّرها النظام البائد، سلسلة عوائد استثمارية مرتفعة لا تنتهي. كما توفّر سورية لتركيا عمقًا لوجستيًا جنوب حدودها، يربطها مباشرة بأسواق الطلب القوي في الخليج العربي، في حين تحتاج سورية إلى مدخل سريع وعملي للنهضة الصناعية بأقل كلفة ممكنة. وفي هذا التلاقي، تبرز حلب بوصفها البوابة والمنصّة معًا؛ مدينة قادرة على استعادة دورها الصناعي إذا توفّرت الكهرباء، والخطوط اللوجستية، والشريك التجاري القادر على ضخّ الخبرة والتمويل.

قبل أيام، اختتم وفد جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين التركية موسياد برنامج الاستثمار والتعاون بين سورية وتركيا، الذي امتد ثلاثة أيام وشمل حلب وريفها وإدلب، بمشاركة نحو 500 رجل أعمال سوري، إلى جانب مسؤولين من عدة وزارات سورية. وحرص مسؤولو موسياد على إرسال رسائل مباشرة، تمثّلت في النيّة لافتتاح مكاتب في حلب ودمشق، والاستعداد لتفعيل سبعة قطاعات استثمارية، إلى جانب الاستماع إلى عرض تفصيلي حول إمكانيات المدينة الصناعية في الشيخ نجار، وآليات الاستثمار وفق نظام BOT، وإجراءات التسهيل المقدّمة للمستثمرين المحليين والأجانب. وبدا واضحًا أن الاهتمام التركي يتجه نحو اعتماد حلب مركزًا صناعيًا أوليًا، على أن تكون تركيا منصّة تصدير واسعة نحو الأسواق الإقليمية.

وقد بدأ رسم الإطار التنظيمي لهذه العلاقة في آب/أغسطس الماضي، حين وقّع وزير التجارة التركي عمر بولات، ووزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، بروتوكولًا لإنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة. وفي اليوم التالي مباشرة، أُعلن عن توقيع عشر مذكرات تفاهم اقتصادية وتجارية، من بينها مذكرة بين مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي وغرفة صناعة حلب، وأخرى بين اتحاد مصدّري الحبوب والبقول والمنتجات الزيتية في جنوب شرق الأناضول وغرفة تجارة حلب.

هذا الزخم انعكس مباشرة على أرقام الصادرات التركية إلى سورية، التي ارتفعت في آب/أغسطس 2025 إلى 212 مليون دولار، بزيادة 74.6% عن العام السابق، بحسب البيانات الشهرية لمرصد التعقيد الاقتصادي. ولم يكن هذا الارتفاع حدثًا معزولًا، بل مؤشّرًا على حركة أعمق تتشكّل يواش يواش في الشمال السوري، عنوانها الأبرز: عودة حلب إلى الخريطة الاقتصادية عبر البوابة التركية.
كما سجّلت الصادرات التركية زيادة بنسبة 25% خلال السنوات الخمس الماضية، وهو مسار مفهوم ومؤقت، يرتبط أولًا بشلل البنية الصناعية السورية خلال الحرب وما بعدها، وثانيًا بقيود الفساد التي فرضها النظام البائد، والتي عطّلت قدرة الصناعيين السوريين على بناء أدوات منافسة قادرة على الاشتباك مع اقتصاد قوي ومرن، مثل الاقتصاد التركي.

خلال اللقاء في غرفة التجارة، 17 ديسمبر 2025 (غرفة تجارة وصناعة قطر)
اقتصاد عربي
التحديثات الحية

وعند جمع خطوات موسياد، والبروتوكول، والمذكرات العشر، تتضح معالم مشروع يتجاوز تحسين العلاقات إلى تنظيمها، وجعلها أكثر التصاقًا بحاجات السوق والمصانع، وأكثر قابلية للاستمرار، بما يقود مستقبلًا إلى بناء اتفاقيات ذات فضاء واحد (شراكات). وهنا تتعزّز مركزية حلب؛ المدينة التي حافظت على مكامن مهاراتها الصناعية العتيقة، رغم حرب النظام البائد على السوريين، والتي وصفها المثل الشهير: "أعمى حلب وصل إلى الهند، فما بالك بالمبصر". واليوم، تعود هذه القاعدة الإنتاجية إلى الواجهة، مدفوعة بتداخل الاقتصاد والسياسة، وبما يؤهّلها لاستعادة موقعها الطبيعي كقاطرة جرّ أولى في سورية.

وفي هذا السياق، تمنح اتفاقية التوأمة الموقّعة في نهاية أيار/مايو الماضي بين بلديتي غازي عنتاب وحلب، بُعدًا مؤسسيًا مدنيًا–تنمويًا للعلاقة الاقتصادية. فبحسب وكالة الأناضول، تهدف التوأمة إلى تعزيز التعاون في التنمية المحلية،  تبادل الخبرات في التخطيط العمراني والإدارة الخدمية، وتنفيذ مشاريع مشتركة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وخصوصًا الطرق والحدائق، بما يدعم جهود التعافي.

ويسهم ذلك في خلق بيئة مشجّعة على العودة الطوعية للاجئين، وهو هدف تركي بعيد المدى.
ومنذ التوقيع، تطوّرت الزيارات الميدانية سريعًا؛ إذ حضرت رئيسة بلدية غازي عنتاب الكبرى، فاطمة شاهين، اجتماعات تقنية وميدانية، فيما قام رئيس بلدية شاهين باي، محمد طهماز أوغلو، بجولات في حلب شملت عددًا من المرافق الأثرية والخدمية. وتهدف هذه الجولات إلى إعداد قائمة دقيقة بالاحتياجات التشغيلية، تُحوَّل لاحقًا إلى جدول مشاريع قابلة للتنفيذ، بحيث تنتقل التوأمة من كونها بيانًا رمزيًا إلى جدول عمل تقني، موجَّه نحو إعادة بناء قلب سورية الصناعي.

إنّ ما يجري اليوم هو بناء معماري اقتصادي، تتقاطع عنده خطوط اللوجستيات والاستثمار والخدمات البلدية، ليعود مركز سورية الصناعي إلى العمل بدينامية أسرع، تخلو –للمرة الأولى منذ ستة عقود– من فساد نظام المركز والأطراف. وتنتقل حلب تدريجيًا إلى مستوى إمكاناتها، بوصفها عقدة تشغيلية في معادلة إقليمية أكبر، بما يفتح الباب أمام فواعل الاقتصاد لرسم مستقبل الشمال السوري بأكمله.