يشكل قطاع الطاقة أحد أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه الأردن، باعتباره بلداً غير نفطي، إذ تنعكس تقلبات أسعار النفط العالمية مباشرة على جيوب الأردنيين وكلف المعيشة. وفي ظل سعي الحكومة الأردنية لتحقيق الاعتماد على الذات وتعزيز أمن الطاقة الوطني، وسط اضطرابات تعصف بالمنطقة والإقليم، برز حقل غاز الريشة كأحد الحلول الاستراتيجية الواعدة التي تحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية مباشرة.
ويعلق الأردنيون آمالاً كبيرة على تطوير حقل غاز الريشة، الواقع في المنطقة الصحراوية شمال شرقي الأردن بمحاذاة الحدود العراقية، في التخفيف من الأعباء المعيشية للمواطن، من خلال توفير الغاز الطبيعي محلياً بكلف إنتاج منخفضة لاستخدامه في توليد الكهرباء، ودعم الصناعات الوطنية لتوفير سلع بأسعار أقل، فضلاً عن خلق فرص عمل وتوجيه الوفر المالي لدعم الخدمات الأساسية، بما ينعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطنين ومستوى رفاهيتهم الاقتصادي.
وأجمع خبراء ومختصون في حديث لـ"العربي الجديد" على أن حقل غاز الريشة يلعب دوراً حيوياً في تخفيف أعباء المعيشة عبر تقليل اعتماد الأردن على استيراد الطاقة من الخارج، مما يخفض كلف إنتاج الكهرباء والصناعة المحلية، إذ ينعكس الانخفاض تدريجياً على تقليل الفاتورة الاقتصادية العامة، ودعم القدرة التنافسية للأسواق، وتوفير الاستقرار المالي والنقدي للدولة.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي محمد الحدب أن "الأثر الاقتصادي لغاز الريشة لا ينبغي قياسه فقط بعدد ملايين الأقدام المكعبة المنتجة، وإنما بمقدار ما يستطيع إحلاله محل الطاقة المستوردة وتخفيض تعرض الاقتصاد الأردني لتقلبات الأسعار والأزمات الخارجية، لأن انخفاض فاتورة الاستيراد وكلف توليد الكهرباء والصناعة يمكن أن ينعكس تدريجياً على المواطن من خلال الأسعار وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي".
وأوضح أن "حقل الريشة ينتج حالياً نحو 20 مليون قدم مكعبة يومياً، فيما تبلغ قدرته الإنتاجية الحالية نحو 30-32 مليون قدم مكعبة يومياً، مقابل استهلاك أردني يقارب 340 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً. وبالتالي، فإن الإنتاج الحالي ما يزال محدوداً قياساً إلى الطلب، لكنه يمثل قاعدةً يمكن البناء عليها مع تسارع عمليات الحفر والتطوير".
وأشار الحدب إلى أن "التحول الحقيقي سيظهر مع تنفيذ استراتيجية الطاقة 2025-2035، التي تستهدف رفع إنتاج حقل الريشة إلى 418 مليون قدم مكعبة يومياً عام 2029، ثم 812 مليون قدم مكعبة يومياً بحلول 2035. والوصول إلى مستهدف 2029 يعني، حسابياً، إنتاج كمية تتجاوز مستوى الاستهلاك الحالي البالغ 340 مليون قدم مكعبة يومياً، وهو تغير جوهري في معادلة أمن الطاقة الأردنية".
وأضاف أن "انعكاس ذلك على المواطن لن يعني بالضرورة انخفاض فاتورة الكهرباء مباشرة وبالنسبة نفسها، لأن تعرفة الكهرباء تتأثر بعناصر متعددة من كلف التوليد والنقل والتوزيع والالتزامات التعاقدية، ولكن الغاز المحلي يمكن أن يقلل تعرض المملكة لقفزات الأسعار العالمية وانقطاع الإمدادات، وهي كلف ظهرت بوضوح خلال الأزمات الأخيرة، عندما وصلت الكلفة الإضافية لقطاع الطاقة إلى نحو 2.5 - 3 ملايين دينار يومياً نتيجة استخدام أنواع وقود بديلة".
وبيّن الحدب أن الأثر الثاني، وربما الأكثر مباشرةً على معيشة المواطن، سيمرّ عبر الصناعة "إذ إن إيصال الغاز المحلي بأسعار تنافسية إلى المصانع يمكن أن يخفض كلف الإنتاج في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، ويرفع قدرتها على المنافسة والتصدير. وينعكس ذلك اقتصادياً من خلال المحافظة على الوظائف، واستقطاب استثمارات جديدة، وتقليل الضغوط التي تدفع المنشآت إلى تمرير ارتفاع كلف الطاقة إلى أسعار السلع. وتعمل وزارة الطاقة بالفعل على توسيع استخدام الغاز في المدن الصناعية لهذا الغرض".
وأوضح أن هناك أثراً ثالثاً يتعلّق بالمالية العامة وميزان المدفوعات، فـ"كل كمية من الغاز المحلي تحل محل كمية مستوردة تعني تقليل الحاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل واردات الطاقة، وتخفيف تعرض الاقتصاد لتقلبات الأسواق العالمية. كما أن زيادة الاعتماد على مصدر وطني تعزز أمن التزود، وهو أمر تتجاوز قيمته السعر نفسه، خصوصاً في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية اضطرابات متكررة في خطوط الإمداد".
وأشار الحدب إلى أن "المشروع سيكتسب بعداً اقتصادياً أكبر مع إنجاز خط الأنابيب الذي يربط حقل الريشة بخط الغاز العربي بحلول 2029، بالتزامن مع خطة حفر 80 بئراً جديدة. فالأنبوب هو الذي يسمح بتحويل زيادة الإنتاج من مورد محصور جغرافياً شرقي المملكة إلى مصدر يمكن استخدامه بصورة أوسع في توليد الكهرباء والصناعة وقطاعات اقتصادية أخرى".
وأكد أن "الوصول إلى 812 مليون قدم مكعبة يومياً بحلول 2035 يفتح سيناريو يتجاوز إحلال الواردات إلى إمكانية إيجاد استخدامات صناعية جديدة للغاز المحلي، بل والاستفادة من الفائض مستقبلاً وفق تطورات الطلب والأسعار والبنية التحتية". وهذا يمكن أن يُحول الريشة من مشروع لاستخراج الغاز إلى قاعدة لجذب صناعات واستثمارات جديدة تعتمد على توافر الطاقة محلياً.
من جهته، قال رئيس لجنة الطاقة والثروة المعدنية في البرلمان الأردني، أيمن أبو هنية، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "ما نشهده اليوم من تطورات واكتشافات في حقل غاز الريشة يمثل تحولاً استراتيجياً في قطاع الطاقة الأردني، وليس مجرد زيادة في إنتاج الغاز. فهذه الثروة الوطنية يمكن أن تشكل نقطة انطلاق جديدة نحو تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيض كلف الطاقة على الاقتصاد الوطني".
وأوضح أن "من الأهمية بمكان أن تنعكس الاكتشافات في حقل الريشة بشكل مباشر وغير مباشر على حياة المواطنين، فالغاز المحلي يعني كلفة أقل في توليد الكهرباء وكلفة أقل على القطاعات الإنتاجية، وهذا ينعكس على استقرار أسعار السلع والخدمات وعلى قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات أسعار الطاقة العالمية"، لافتاً إلى أن "القطاع الصناعي سيكون من أبرز المستفيدين من تطوير غاز الريشة، لأن الطاقة تشكل جزءاً أساسياً من كلفة الإنتاج، وتوفير الغاز بأسعار تنافسية سيعزز تنافسية الصناعة الوطنية ويدعم التوسع والاستثمار ويخلق فرص عمل جديدة".
وبيّن أبو هنية أن أثر تطوير غاز الريشة "لن يقتصر على الكهرباء والصناعة، بل سيمتد إلى قطاعات الزراعة والمياه والتعدين والنقل والخدمات وسائر القطاعات الاقتصادية التي ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بكلفة الطاقة"، مؤكداً أن "الأردن أمام فرصة وطنية يجب أن نحسن استثمارها من خلال زيادة الإنتاج وتطوير البنية التحتية للغاز وربط هذه الثروة بالمشاريع الصناعية والاستثمارية، حتى لا يكون الهدف مجرد استخراج الغاز، وإنما تعظيم القيمة المضافة".
ودعا إلى أن تدار هذه الثروة بعقلية وطنية طويلة الأمد، وأن تكون عوائدها جزءاً من معادلة التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة ورفع تنافسية الاقتصاد الأردني وبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً في مجال الطاقة، معتبراً أن "غاز الريشة يمكن أن يكون أحد أهم مفاتيح الانتقال من أمن الطاقة إلى سيادة الطاقة. فكلما زاد اعتماد الأردن على الموارد الوطنية، قل تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية، وأصبح لدينا هامش أكبر في حماية المواطن والقطاعات الإنتاجية وتعزيز النمو الاقتصادي".