حظر المعادن النادرة: دول تسيطر على ركائز الصناعات التكنولوجية
استمع إلى الملخص
- تسيطر الصين على 90% من إمدادات المعادن النادرة، مما يمنحها نفوذًا جيوسياسيًا. تسعى الدول الغربية لتقليل الاعتماد على الصين عبر استثمارات في مصانع تكرير بديلة، بينما تبحث اليابان والهند وأستراليا عن مصادر بديلة.
- تواجه فيتنام تحديات في استغلال احتياطياتها بسبب العقبات التنظيمية، وتسعى لتعزيز الصناعة المحلية. تظل المعادن النادرة ضرورية لصناعات الطاقة المتجددة والدفاع.
تتسع رقعة الدول التي تحظر تصدير المعادن الأرضية النادرة، من الصين إلى ماليزيا والهند وصولاً إلى فيتنام التي أعلن برلمانها أمس الخميس حظراً على التصدير وزيادة في الاستثمارات التي تطاول إنتاج المعادن النادرة وتكريرها. وهذه المعادن عبارة عن مجموعة من 17 عنصرًا تُستخدم في الصناعات عالية التقنية. ليست نادرة جدًا في الطبيعة، لكنها صعبة الاستخراج والمعالجة مما يجعلها استراتيجية.
وتستمد المعادن النادرة أهميتها من كونها مادة أولية في تصنيع المحركات الكهربائية (السيارات الكهربائية)، التوربينات الهوائية، الهواتف الذكية، الإلكترونيات الدقيقة، الرقائق الإلكترونية، أنظمة التوجيه والدفاع، والأقمار الصناعية والمعدات الفضائية. باختصار من يملك المعادن يملك التكنولوجيا، ومن يملك التكنولوجيا يملك القوة الاقتصادية والعسكرية. ولهذا أصبح الحظر جزءاً من صراع القوى الكبرى. وتزداد أهمية الحظر مع ارتفاع الطلب على المعادن النادرة مع التطور التقني والتوجه نحو توسيع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، بحيث تعمل هذه الدول على بناء سلاسل تصنيع داخلية بدل بيع الخام بثمن قليل، وجذب الشركات العالمية لتصنيع البطاريات والمحركات داخل بلدها.
وتحولت المعادن النادرة إلى سلاح جيوسياسي وتجاري. وأصبحت الصين الآن تنتج حوالي 90% من إمدادات المعادن الأرضية النادرة المكررة في العالم، وفق "وول ستريت جورنال"، ويعتبر الغرب أن الصين عبر هذا السلاح تهدد أمنها القومي كونها قادرة على منع تصدير مواد اولية تعتبر أساسية في تصنيع الأسلحة. وتشير التقارير إلى أن حظر التصدير ينعكس ارتفاعاً في أسعار التكنولوجيا والبطاريات لأن أي حظر يعطّل المصانع ويقلل العرض ويعطل سلاسل الإمداد، ونتيجة لذلك تسعى الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي إلى استثمارات بمليارات الدولارات لإنشاء مصانع تكرير.
فيما تبحث اليابان مثلاً عن مصادر بديلة عن الصين في إفريقيا. وبدأت كل من الهند وأستراليا برفع إنتاجهما. إلا أن هذه البدائل تحتاج إلى فترة لا تقل عن 5 إلى عشر سنوات، ما يجعل الموقف أكثر صعوبة. وأمس الخميس، وافق البرلمان الفيتنامي على مشروع قانون مُعدّل يحدّ من صادرات المعادن الأرضية النادرة المُكرّرة، ويعيد تأكيد حظر تصدير الخامات. ويأتي هذا في إطار جهود دعم الصناعة المحلية التي تُكافح منذ سنوات لاستخراج احتياطياتها الكبيرة.
وبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، تمتلك فيتنام أحد أكبر احتياطيات العناصر الأرضية النادرة في العالم. إلا أن الهيئة الحكومية خفضت في وقت سابق من هذا العام تقديراتها لاحتياطيات البلاد بشكل ملحوظ إلى 3.5 ملايين طن متري من 22 مليون طن. ينص القانون الجديد على أن "المعالجة المتقدمة يجب أن تقترن ببناء منظومة صناعية حديثة لتحسين سلسلة القيمة المحلية وضمان الاكتفاء الذاتي"، مما يقيد تصدير الأتربة المكررة.
وقد سعى الغرب جاهداً لإيجاد بدائل للأتربة المكررة الصينية المستخدمة في السيارات، وبنية الطاقة المتجددة، وغيرها من الصناعات الحساسة. ولن يكون لقيود التصدير الفيتنامية تأثير فوري، إذ لا تمتلك البلاد حالياً أي قدرة تكرير تقريباً. منذ عام 2021 على الأقل، حظرت الدولة تصدير خامات العناصر الأرضية النادرة. إلا أن العقبات التنظيمية حالت دون استغلال الشركات المحلية والشركاء الأجانب لاحتياطياتها لفترة طويلة.
وكانت الصين أعلنت في إبريل/ نيسان 2025 عن قيود تصدير على عناصر نادرة أساسية (بما يشمل سبعة عناصر نادرة مستخدمة في الدفاع، السيارات، الإلكترونيات، والطاقة) في رد على التعرفات الأميركية مما حد من صادراتها إلى الخارج، خاصة إلى الشركات الغربية. وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وسعت وزارة التجارة الصينية القيود وأضافت عناصر أخرى ونصّت على اشتراط تراخيص حتى للمصنّعين الأجانب الذين يستخدمون معدات صينية في منتجاتهم؛ أي توسيع نطاق السيطرة على سلاسل القيمة. لكن في أواخر نوفمبر، في جزء من اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة بعد قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ في بوسان، علّقت الصين بعض ضوابط تصدير المعادن النادرة والمواد الحرجة لمدة عام حتى نوفمبر 2026.
وتتمتع الصين بسيطرة قوية على إمدادات المعادن الحيوية الضرورية لصناعة الطاقة المتجددة، مما يجعل هذا القطاع عرضة لتقلبات الأسعار والتوترات الجيوسياسية وصدمات العرض. تُستخدم الكوبالت والليثيوم والمنغنيز والغرافيت والنيكل في أنظمة تخزين الطاقة، بينما يُستخدم النحاس في الألواح الشمسية والوصلات الكهربائية، ويُعد السيليكون المادة الرئيسية في الألواح الكهروضوئية. أما الزرنيخ والغاليوم والتيلوريوم فتُستخدم في الخلايا الشمسية، وتُستخدم العناصر الأرضية النادرة مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم في المغناطيس الدائم، وهو عنصر أساسي في توربينات الرياح.
تُعدّ المعادن الحيوية ضرورية أيضاً لأنظمة الدفاع والمركبات الكهربائية، فضلاً عن الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات اللازمة لبنية مراكز البيانات. وتمتلك الصين حصة سوقية متوسطة تبلغ 70% في 19 من أصل 20 من أهم المعادن الحيوية الاستراتيجية، و94% في المغناطيس الدائم الذي يحتوي على العناصر الأرضية النادرة، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. وفي الإطار ذاته، في منتصف العام الحالي، أصدرت الهند تعليمات لشركة الهند للمعادن الأرضية النادرة المحدودة، المملوكة للدولة بتعليق اتفاقية طويلة الأمد لتصدير المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان، بهدف إعطاء الأولوية للإمدادات المحلية وتقليل الاعتماد على الصين.
وتسعى الهند الحفاظ على معادنها الأرضية النادرة للمعالجة المحلية وتصنيع المغناطيس، وهو أمر بالغ الأهمية لقطاعي السيارات والأدوية. وفي أكتوبر الماضي، أعلنت ماليزيا استمرار حظر تصدير المواد الأرضية النادرة الخام لحماية مواردها المحلية، على الرغم من نتوقيع اتفاقية المعادن الحيوية مع الولايات المتحدة.
وصرح وزير الاستثمار والتجارة والصناعة تنكو ظفرول عزيز بأن ماليزيا ستسمح بتصدير المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة سعياً وراء أرباح فورية أو أهداف استراتيجية. وتمتلك ماليزيا حوالي 16.1 مليون طن من رواسب العناصر الأرضية النادرة، وفقًا لتقديرات الحكومة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا اللازمة لاستخراجها ومعالجتها.