حصر التعامل بالليرة السورية في إدلب وسحب العملة التركية من الأسواق
استمع إلى الملخص
- أعلن مصرف سورية المركزي عن خطة لسحب الليرة التركية من الأسواق في إدلب، بهدف إنهاء التعامل بالعملات الأجنبية وإعادة توحيد التعاملات النقدية بالليرة السورية.
- يرى الخبير الاقتصادي أيمن أيوب أن العودة لليرة السورية ضرورية لضبط الفوضى النقدية، مشدداً على أهمية الرقابة الصارمة لتجنب التبعية الاقتصادية والسياسية.
أصدرت الجهات الإدارية في محافظة إدلب السورية تعميماً موجهاً إلى جميع المديريات والمؤسسات العامة وشركات القطاعين العام والخاص، إضافة إلى المصارف والمعامل ومحطات الوقود ومكاتب الصرافة ومجالس الوحدات الإدارية في المدن والبلدات والبلديات، يقضي بإلزام التعامل بالليرة السورية في مختلف المعاملات المالية والإدارية.
وبحسب التعميم الصادر مساء أمس الاثنين 15 ديسمبر/ كانون الأول، يأتي القرار في إطار السعي إلى توحيد آلية التعاملات المالية وتنفيذ التعليمات الناظمة للعمل المالي داخل المحافظة، إذ طُلب من جميع الجهات المعنية إجراء كامل معاملاتها بالليرة السورية، بما يشمل الرسوم والبدلات المالية والمستحقات والغرامات والمعاملات التجارية، مع التشديد على ضرورة تحديث السجلات والأنظمة المحاسبية بما يتوافق مع هذا التوجه.
كما شمل التعميم محطات الوقود والأفران، التي طُلب منها الالتزام بالتعامل بالليرة السورية حصراً، في خطوة قالت الجهات المعنية إنها تهدف إلى تسهيل التعاملات اليومية وتحسين الواقع المعيشي للسكان، في ظل تذبذب أسعار الصرف وتعدد العملات المتداولة في المنطقة. وألزم القرار مكاتب الصرافة بإظهار سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأخرى على شاشات عرض واضحة داخل المكاتب، بما يضمن شفافية أكبر في عمليات الصرف.
وفي هذا السياق، قال مصدر مسؤول في مصرف سورية المركزي، لـ"العربي الجديد"، إن المصرف سيبدأ، اعتباراً من منتصف الشهر الحالي، بسحب الليرة التركية من الأسواق في محافظة إدلب، ضمن خطة تهدف إلى إنهاء العمل بالعملات الأجنبية وإعادة توحيد التعاملات النقدية. وأكد المصدر أن الأسواق الشعبية في إدلب ستُلزم بالتعامل بالليرة السورية حصراً، في خطوة وصفها بأنها "جزء من سياسة نقدية أوسع ستشمل مختلف المناطق".
وأوضح المصدر أن إقبال السكان في إدلب وعموم الشمال السوري على التعامل بالليرة التركية خلال السنوات الماضية جاء نتيجة عدة عوامل، أبرزها رفض شريحة واسعة التعامل بعملة النظام السابق، إضافة إلى كثافة التبادل التجاري والاقتصادي مع الجانب التركي، في منطقة تضم ملايين السوريين، ما جعل الليرة التركية العملة الأكثر تداولاً، مقابل استخدام محدود وبسيط للّيرة السورية.
وأضاف أن الحكومة السورية تؤكد اليوم اعتماد الليرة السورية عملةً وحيدة في جميع المحافظات، مشيراً إلى إلغاء التعامل بالليرة التركية على برنامج "الشام كاش"، إلى جانب تعميم قرار يُلزم جميع المؤسسات الحكومية في محافظة إدلب بالتعامل حصراً بالليرة السورية.
بدوره، رأى الخبير الاقتصادي أيمن أيوب أن العودة إلى اعتماد الليرة السورية في التعاملات اليومية تمثل خطوة ضرورية على طريق ضبط الفوضى النقدية التي نشأت خلال السنوات الماضية نتيجة تعدد العملات المتداولة، معتبراً أن "استمرار الاعتماد على الليرة التركية عمّق حالة الارتباك في التسعير وأضعف قدرة الجهات المحلية على إدارة السياسة المالية والرقابية".
وأشار أيوب، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن التعامل بعملة واحدة يسهّل عملية توحيد الأسعار ويحدّ من المضاربات، كما يمنح السلطات المحلية هامشاً أوسع لضبط الرسوم والضرائب والغرامات، ويعيد بعض التوازن إلى الدورة الاقتصادية، حتى في ظل ضعف القيمة الشرائية للعملة. وأضاف أن وجود أكثر من عملة في السوق يخلق تشوهات واضحة، إذ تُسعَّر السلع أحياناً بعملة وتُدفع بعملة أخرى، ما يفتح الباب أمام الاستغلال ويزيد من الأعباء على المواطنين.
وبحسب أيوب، فإن التخلي التدريجي عن الليرة التركية "لا يعني تجاهل الواقع المعيشي الصعب، بل يفترض أن يترافق مع إجراءات رقابية صارمة تمنع التلاعب بسعر الصرف، ومع التزام حقيقي من التجار ومحطات الوقود والأفران بتطبيق التسعير بالليرة السورية بشكل عادل"، وأن "نجاح هذه الخطوة مرتبط بقدرة الجهات المعنية على فرضها عملياً، وليس بالاكتفاء بإصدار تعاميم، لأن الثقة بالعملة تُبنى من خلال الاستقرار والالتزام، لا عبر القرارات الورقية فقط".
أضاف الخبير الاقتصادي أن سورية "تعيش اليوم حالة تفتيت نقدي وفوضى اقتصادية، حيث تفقد الدولة وحدتها النقدية، وتصبح لكل منطقة عملتها الخاصة، ما يضعف قدرة الدولة على التحكم بالأسعار والسيولة". وحذر من أن "أي اهتزاز في الاقتصاد التركي، الذي يعاني أساساً من عدم الاستقرار، ينعكس مباشرة على حياة السكان في الشمال". وختم بالقول إن "استمرار التعامل بالليرة التركية، وترسيخه على مستوى السياسات العامة، يؤسس لتبعية اقتصادية تدريجية لدولة أجنبية، قد تتحول مع الوقت إلى تبعية سياسية، بما يضعف السيادة الوطنية ويعمّق الانقسام الداخلي".