حصار النفط يخنق إيران وصادرات الخام تتراجع إلى 500 ألف برميل يومياً
- أدى الحصار إلى إعادة توجيه 55 سفينة تجارية، مما زاد الضغط الاقتصادي على إيران، حيث أشار الرئيس الأمريكي إلى أن التضخم قد يدفع طهران للتراجع دون تدخل عسكري.
- امتلأت خزانات التخزين البرية بنسبة 56%، مما اضطر إيران لتخزين النفط غير المباع في البحر، وتواجه صعوبة في العثور على مشترين، خاصة من المصافي الصينية الصغيرة.
تبدو محطات النفط الإيرانية شبه خالية من الحركة في أغسطس/آب، في مؤشر جديد على اتساع تأثير الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة للضغط على طهران ودفعها نحو اتفاق سلام، فيما تراجعت تدفقات النفط الخام والمكثفات الإيرانية إلى نحو 500 ألف برميل يومياً، بانخفاض يقارب 40% عن متوسط يوليو/تموز. وحسب بلومبيرغ، تُظهر صور التقطتها أقمار "سنتينل" التابعة للاتحاد الأوروبي أن محطة جزيرة خرج، وهي المنشأة الرئيسية لتصدير النفط الإيراني، لم تستقبل أي ناقلة عملاقة خلال الأيام التسعة الأولى من أغسطس/آب، بينما ظهرت ناقلتان صغيرتان فقط راسيتان عند منشأتي جاسك وسروش.
ويمثل ذلك تراجعاً حاداً مقارنة بالشهر الماضي، عندما رصدت صور الأقمار الصناعية وبيانات شركتي كبلر (Kpler) وفورتيكسا (Vortexa) بين 7 و10 ناقلات نفط عملاقة تصل إلى جزيرة خرج، إلى جانب ست ناقلات أصغر في المحطات النفطية الثلاث. وكانت عمليات تحميل النفط قد تركزت بصورة أساسية خلال النصف الأول من يوليو/تموز، بالتزامن مع اتفاق لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران أدى مؤقتاً إلى رفع الحصار البحري.
لكن الهدوء الذي عاد إلى محطات التصدير الإيرانية لاحقاً يعكس حجم الضغط الاقتصادي الذي تستخدمه الولايات المتحدة لإجبار طهران على إعادة فتح مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي عطلت الأزمة حركة الملاحة فيه لنحو ستة أشهر. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أشار خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى أن ارتفاع التضخم بشدة والصعوبات المالية سيكونان كافيين لإجبار طهران على التراجع، بما قد يغني عن الحاجة إلى مزيد من التحرك العسكري.
وفي مؤشر على اتساع نطاق الحصار البحري، قالت القيادة المركزية الأميركية (US Central Command) في منشور على منصة "إكس" يوم الأحد إنها أعادت توجيه 55 سفينة تجارية أثناء تنفيذها الحظر. وتشير بيانات الأقمار الصناعية إلى ندرة متزايدة في حركة السفن عند جزيرة خرج. فقد التقطت الأقمار صوراً للمحطة في ستة من الأيام التسعة الأولى من أغسطس/آب، ولم تتجاوز أطول فجوة بين الصور ثلاثة أيام. وفي يوليو/تموز، توفرت صور للمحطة خلال 16 يوماً، مع فجوتين امتدت كل منهما أربعة أيام.
وتستغرق عملية تحميل ناقلة نفط خام عملاقة جداً (VLCC) في جزيرة خرج عادةً ما بين 24 و48 ساعة، ما يجعل غياب هذه الناقلات في الصور مؤشراً مهماً على تراجع نشاط التصدير، رغم أن الرؤية المتاحة عبر الأقمار الصناعية لا تكشف بالضرورة كامل عمليات المحطة. وكانت إيران قد تمكنت، خلال وقف إطلاق النار القصير الذي أعقب اتفاق السلام المبرم في 17 يونيو/حزيران، من تصدير نحو 57 مليون برميل من النفط الخام.
لكن وتيرة الصادرات تباطأت منذ ذلك الحين، إذ أظهرت الصور عدداً أقل من السفن في النصف الثاني من يوليو/تموز مقارنة بالنصف الأول منه. وتقدر شركة كبلر أن تدفقات النفط الخام والمكثفات الإيرانية تراجعت هذا الشهر بنحو 40% مقارنة بمتوسط يوليو/تموز، إلى حوالي 500 ألف برميل يومياً. أما شركة فورتيكسا، فتشير تقديراتها إلى أن الشحنات الحالية لا تتجاوز سوى جزء من مستويات الشهر الماضي، عندما بلغت التدفقات نحو 740 ألف برميل يومياً.
ولا تقتصر آثار الحصار على حركة السفن، بل بدأت تظهر أيضاً داخل منشآت التخزين الإيرانية. وتبلغ نسبة امتلاء خزانات التخزين البرية في إيران نحو 56%، بما يعادل 66 مليون برميل، فيما تصل نسبة امتلاء الخزانات في جزيرة خرج إلى 64%، وفق تقديرات كبلر. ومع تراجع قدرة طهران على بيع خامها، اضطرت الجمهورية الإسلامية إلى اللجوء بصورة متزايدة إلى تخزين النفط غير المباع على متن ناقلات في البحر، في محاولة لخلق مساحة إضافية داخل منشآتها البرية. وتواجه إيران صعوبة خاصة في العثور على مشترين من المصافي الصينية الصغيرة التي اعتادت شراء شحناتها النفطية، فيما رُصد في أواخر الشهر الماضي تجمع كبير من الناقلات المحملة بالخام الإيراني وهي راسية قبالة سواحل شرق ماليزيا.
وتكشف هذه التطورات أن الحصار الأميركي بدأ يضغط على واحدة من أهم حلقات الاقتصاد الإيراني: القدرة على تصريف النفط الذي يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد الخارجية. فبعد أن تمكنت طهران خلال فترة وقف إطلاق النار من استعادة جزء من قدرتها على التصدير وشحن عشرات الملايين من البراميل، عادت حركة الناقلات إلى التراجع مع استمرار الحصار، لتجد إيران نفسها أمام معادلة أكثر صعوبة: إنتاج النفط مستمر، لكن العثور على مشترين وشحن الخام أصبح أكثر تعقيداً. ومع امتلاء خزانات التخزين تدريجياً وتكدس الناقلات المحملة بالخام في البحر، يتزايد الضغط على طهران لاتخاذ قرار بشأن مستقبل صادراتها النفطية ومضيق هرمز، فيما تراهن واشنطن على أن أزمة النفط والمال قد تحقق ما لم تحققه القوة العسكرية.