الصين تهز وادي السيليكون... حرب أسعار تهدد هيمنة أميركا على الذكاء الاصطناعي
دفعت المنافسة الصينية شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية إلى خفض أسعار نماذجها، بالتزامن مع انتقال موجة الحماس في الأسواق الصينية من شركات الإنترنت التقليدية إلى مطوّري الرقائق والنماذج والروبوتات، ما وضع هيمنة وادي السيليكون أمام اختبار يجمع بين تراجع كلفة الاستخدام وارتفاع قدرات المنافسين واتساع الدعم الحكومي للتكنولوجيا في الصين. وقالت صحيفة فايننشال تايمز، الجمعة الماضي، إن "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" دخلتا حرب أسعار للاحتفاظ بالعملاء الحريصين على خفض النفقات، بعد اتجاه شركات أميركية وأوروبية إلى اختبار نماذج أقل كلفة تطورها شركات صينية، من بينها "مون شوت" و"ديب سيك".
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وربطت الصحيفة تقدم الشركات الصينية بارتفاع تقييمات أسهم التكنولوجيا في بورصة شنغهاي إلى أضعاف نظيراتها الأميركية، مدفوعةً بدعم بكين وتدفق المستثمرين إلى القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بعد انهيار سوق العقارات. وتظهر التطورات انتقال المنافسة من سباق يركز على بناء النموذج الأكثر قدرة إلى مواجهة تشمل السعر وكفاءة التشغيل وسهولة تعديل النماذج. كما تفرض على الشركات الأميركية إثبات قدرتها على تحويل الإنفاق الضخم على الرقائق ومراكز البيانات والطاقة إلى عوائد تبرر تقييماتها المرتفعة وخططها للطرح في الأسواق.
حرب أسعار
وخفضت "أوبن إيه آي" في 30 يوليو/تموز الماضي سعر نموذج "جي بي تي-5.6 لونا" بنسبة 80%، من دولار إلى 0.20 دولار لكل مليون رمز إدخال، ومن ستة دولارات إلى 1.20 دولار لكل مليون رمز إخراج. كما خفضت سعر "تيرا" بنسبة 20% إلى دولارين للإدخال و12 دولاراً للإخراج. وتقيس الرموز حجم البيانات التي يستقبلها النموذج والمحتوى الذي ينتجه، وتحدد على أساسها فواتير الشركات والمطورين. وأطلقت "أنثروبيك" نموذج "كلود أوبوس 5" بسعر خمسة دولارات لكل مليون رمز إدخال و25 دولاراً للإخراج، أي نصف سعر نموذجها الأقوى "فابل 5". كما ألغت زيادة مقررة على "سونيت 5"، وثبتت سعره عند دولارين للإدخال وعشرة دولارات للإخراج.
وخفضت هذه التحركات أسعار استخدام النماذج الأميركية الرائدة بنحو الربع منذ منتصف يوليو الماضي، وفقاً لشركة سيليكون داتا. لكن السعر المعلن لا يعكس بالضرورة الكلفة النهائية، إذ قد ينجز نموذج أغلى المهمة باستخدام رموز ومحاولات أقل، كما ترتفع الكلفة مع زيادة القدرة الحاسوبية المخصصة للاستدلال. وأظهرت اختبارات مؤسسة أرتيفيشال أناليسيس الأميركية المتخصصة في تقييم أداء نماذج الذكاء الاصطناعي ومقارنة كلفتها، تقارب أداء وكلفة "أوبوس 5" مع نموذج "كيمي كيه 3" الصيني، بينما حقّق "لونا" نتيجة مشابهة لنموذج "في 4 فلاش" من "ديب سيك"، لكنه كلف أقل بقليل من ضعف كلفة النموذج الصيني لكل مهمة.
السيطرة على الفواتير
وجاءت التخفيضات مع تحول بعض عملاء المؤسسات من الاشتراكات الثابتة إلى الفوترة حسب الاستخدام، ما جعل زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي تنعكس مباشرة على المصروفات. وردت شركات بفرض حدود قصوى للاستخدام أو نقل بعض المهام إلى نماذج أقل كلفة. وقالت شركتا "دور داش" و"إير بي إن بي" إنهما بدأتا استخدام نماذج صينية للسيطرة على الفواتير، في مؤشر على أن المنافسة الصينية لم تعد محصورة في السوق المحلية أو الدول الناشئة، بل وصلت إلى شركات تكنولوجية داخل الولايات المتحدة. وتتميز النماذج الصينية بإتاحة تنزيلها وتشغيلها وتعديلها داخل الشركات. وأطلقت "مون شوت" في يوليو الماضي نموذج "كيمي كيه 3"، الذي يضم 2.8 تريليون معلمة ويدعم النصوص والصور، بقدرة على معالجة مليون رمز.
وقال رئيس تقنيات الذكاء الاصطناعي في شركة هوستنغر الليتوانية لاستضافة المواقع، مانتاس لوكاوسكاس، لـ"فايننشال تايمز"، إن الشركات الأميركية خفضت أسعار النماذج المتوسطة، لكنها لا تزال تدافع عن أسعار نماذجها الأعلى. ونقلت صحيفة بزنس إنسايدر، أول أمس السبت، أن استخدام نموذج "لونا" ارتفع نحو 14 ضعفاً بعد التخفيض، بينما زاد استخدام "تيرا" خمسة أضعاف، ما رفع إيرادات النموذجين 34% و45% على الترتيب. ومع ذلك، لا تزال الفترة قصيرة للحكم على استدامة هذا النمو أو أثره على الأرباح.
تقييمات تتجاوز وادي السيليكون
انتقلت المنافسة إلى أسواق المال، إذ ارتفع مؤشر "ستار 50"، الذي يضم أكبر 50 شركة وأكثرها سيولة في سوق شنغهاي التكنولوجية، بنسبة 29% منذ بداية 2026، مقابل 0.9% لمؤشر "سي إس آي 300"، بينما تراجع "هانغ سنغ" في هونغ كونغ 1.5%، بحسب "فايننشال تايمز". وتجاوز مضاعف السعر إلى الأرباح للمؤشر الصيني 150 مرة، مقابل نحو 35 مرة لـ"ناسداك 100" الأميركي. وقال مدير محفظة الأسواق الناشئة في "أول سبرينغ غلوبال إنفستمنتس"، غاري تان، للصحيفة، إن المستثمرين يراهنون على المنظومة الصينية، مدفوعين بالاعتقاد بقدرة الصين على اللحاق بمنافسيها. وقفز سهم شركة رقائق الذاكرة "سي إكس إم تي" 466% في أول جلسة تداول في 27 يوليو، بعد جمع 8.6 مليارات دولار في أكبر طرح آسيوي خلال العام، وفقاً لـ"رويترز". وأصبحت الشركة لاحقاً الأعلى قيمة في الصين متجاوزة "تنسنت".
وامتد الإقبال إلى شركة الروبوتات "يونيتري"، إذ تجاوزت طلبات الأفراد الأسهم المتاحة بأكثر من ثمانية آلاف مرة، بحسب "رويترز". وبلغت قيمة الشركة في الطرح نحو 61 مليار يوان (9 مليارات دولار)، بمضاعف يعادل 219 مرة أرباحها المتوقعة لعام 2025. ودعمت بكين الطفرة عبر صناديق حكومية وسياسات تستهدف الاكتفاء الذاتي من أشباه الموصلات، كما خففت بورصة شنغهاي شروط إدراج شركات التكنولوجيا غير المربحة. وذكرت البورصة أنها دعمت حتى مايو/أيار 2025 إدراج 54 شركة غير مربحة، حققت 22 منها أرباحاً لاحقاً. ورفعت مرونة الإدراج متوسط مضاعف السعر إلى الأرباح للشركات المطروحة في شنغهاي خلال 2026 إلى 268 مرة، مقابل 67 مرة في العام السابق، بحسب "فايننشال تايمز".
وتتزامن الطفرة مع ضعف الاقتصاد والطلب المحلي، إذ تراجع سهما "علي بابا" و"تنسنت" 17% و26% منذ بداية العام. وقال رئيس استراتيجية الأسهم الصينية في مصرف "يو بي إس" السويسري، جيمس وانغ، للصحيفة، إن قلة المستثمرين طويلي الأجل وتركيز الصناديق على النتائج السريعة يزيدان تزاحم السيولة داخل الأسهم الصاعدة. وتكشف هذه التطورات أن المنافسة لم تعد قائمة على الأداء التقني وحده، بل أصبحت تشمل الأسعار والنماذج المفتوحة والدعم الحكومي والقدرة على تحويل الطلب المتزايد إلى أرباح تبرر التقييمات المرتفعة.