حتى حلم السفر يُسرق من اللبنانيين... والدولة عاجزة عن كل شيء إلا تحصيل الرسوم

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:33 (توقيت القدس)
مسافرون من مطار بيروت، 9 أغسطس 2024 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- فرضت الحكومة اللبنانية رسوم خروج جديدة على المسافرين تتراوح بين 35 و100 دولار، مما يزيد العبء على المواطنين العاديين ويبرز غياب العدالة الضريبية.
- القرار يعكس سياسة مالية تفتقر إلى الإصلاح الضريبي التصاعدي، مما يعمق التفاوت الاجتماعي في ظل غياب الشفافية والمساءلة حول استخدام العائدات.
- لم يُطرح القرار للنقاش العام، مما يظهر غياب رؤية إصلاحية شاملة ويزيد من معاناة المواطنين الذين يتحملون أعباء سياسات غير عادلة.

في بلد أنهكه الانهيار الاقتصادي، وأفقر عملته الوطنية حتى باتت أوراقها النقدية أقرب إلى الذكرى منها إلى وسيلة تداول حقيقية، تجد الدولة اللبنانية نفسها، مرة أخرى، عاجزة عن كل شيء إلا عن ابتكار طرق جديدة لتحصيل الأموال من جيوب مواطنيها المنهكين أصلاً.

فمنذ أيام، أقرّت وزارة المالية آلية تطبيق واستيفاء رسوم الخروج المقررة مسبقاً وتُضاف مباشرة إلى سعر التذكرة من لبنان جواً وبحراً: 35 دولاراً على مسافري الدرجة السياحية، و50 دولاراً على درجة رجال الأعمال، و65 دولاراً على الدرجة الأولى، مقابل 100 دولار فقط على مستخدمي الطائرات واليخوت الخاصة.

للوهلة الأولى، قد يبدو الرقم الأخير أكبر من سابقيه، وقد يظن البعض أن في ذلك عدالة ما. لكن الحقيقة الرياضية البسيطة تكشف زيفاً صارخاً في هذا التوزيع: تذكرة الدرجة السياحية على متن رحلة تجارية عادية قد لا تتجاوز 250 أو 300 دولار في أفضل الأحوال، بينما استئجار طائرة خاصة أو الإبحار على متن يخت فاخر يكلّف عشرات آلاف الدولارات، إن لم يكن مئات الآلاف.

وحين نُخضع هذه الأرقام لحساب بسيط، تصبح النتيجة صادمة: الرسم المفروض على راكب الدرجة السياحية يشكل ما لا يقل عن 12% من ثمن تذكرته، فيما لا تتجاوز نسبة الرسم على راكب الطائرة الخاصة 1% من كلفة رحلته، بل قد تقلّ عن ذلك بكثير. هذه ليست مجرد تفصيلة حسابية عابرة، بل هي جوهر المشكلة: رسم يُفترض أنه موحّد الغاية، تمويل خزينة الدولة وصيانة المطار، يتحول عملياً إلى ضريبة تصاعدية مقلوبة، تثقل كاهل الأكثر فقراً ولا تكاد تشعر بها جيوب الأكثر ثراءً.

فبدلاً من أن تتحمل الفئات الميسورة، القادرة فعلياً على تحمّل الأعباء الإضافية، النصيب الأكبر من التمويل، تُحمَّل الطبقات الوسطى والفقيرة، أي غالبية اللبنانيين الذين يهاجرون بحثاً عن عمل، أو يزورون أهلهم في المهجر، أو يسافرون لعلاج طبي، أو حتى لأخذ نفس من ضغط الحياة اليومية في بلدٍ لم يعد يحتمل العبء الأكبر نسبياً.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن هذا القرار يأتي في وقتٍ فقدت فيه غالبية اللبنانيين مدخراتهم في المصارف، وتآكلت رواتبهم بفعل التضخم الجامح، وأصبح السفر بالنسبة إلى كثيرين ليس رفاهية، بل ضرورة: للعمل في الخارج، للحصول على علاج غير متوفر محلياً، أو لمجرد الهروب المؤقت من واقع خانق. فحين يتحول حلم السفر - وهو أحد آخر أشكال الأمل المتبقية لشريحة واسعة من اللبنانيين - إلى عبء مالي إضافي، بينما يبقى ركاب الطائرات الخاصة بمنأى عن أي تأثر حقيقي، فإن الرسالة الضمنية التي توجهها الدولة إلى مواطنيها واضحة: العدالة الضريبية ليست أولوية، والمساواة في تحمّل الأعباء الوطنية شعار فارغ لا أكثر.

الأدهى من ذلك أن هذا النمط ليس استثناءً في السياسة المالية اللبنانية، بل هو امتداد لنهج متكرر: كل مرة تحتاج فيها الخزينة العامة إلى موارد إضافية، يكون الحل الأسهل والأسرع فرض رسوم ومقتطعات جديدة على المواطن العادي، بدلاً من إصلاح جذري للنظام الضريبي يراعي القدرة الفعلية على الدفع. فبدلاً من ضريبة تصاعدية حقيقية تأخذ بالاعتبار الفارق الهائل بين كلفة السفر التجاري والسفر الفاخر، اختارت الحكومة رسماً شبه ثابت لا يعكس أي مبدأ من مبادئ العدالة الضريبية المتعارف عليها عالمياً، والتي تقوم أساساً على مبدأ "القدرة على الدفع".

في كثير من الدول التي تفرض رسوم مغادرة أو ضرائب على تذاكر السفر، يُعتمد عادة مبدأ التصاعدية الحقيقية، بحيث تُحسب الرسوم كنسبة فعلية من كلفة الرحلة، أو تُصمَّم شرائح واسعة الفارق تعكس الفجوة بين تكلفة الرحلة التجارية والرحلة الخاصة. فحين تُفرض ضريبة مقطوعة شبه ثابتة بصرف النظر عن هذا الفارق، يتحول النظام الضريبي إلى أداة تكرّس التفاوت الاجتماعي بدلاً من تصحيحه. وحتى لو كانت الحجة المقدمة هي أن نسبة 20% من عائدات هذا الرسم ستُخصص لصيانة مطار رفيق الحريري الدولي، وهو أمر مطلوب ومشروع بلا شك، نظراً لتردي حالة البنية التحتية في المطار منذ سنوات، فإن ذلك لا يبرر الطريقة غير العادلة في توزيع العبء.

فصيانة البنية التحتية مسؤولية جماعية، لكن تمويلها لا ينبغي أن يقع بشكل غير متناسب على كاهل من هم أقل قدرة على التحمل، بينما يُعفى عملياً إن لم يكن قانونياً، من يملكون القدرة الأكبر على المساهمة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين تذهب النسبة المتبقية من العائدات، أي 80%؟، وهل ستُخصص فعلاً لخدمات تعود بالنفع على المواطن العادي، أم ستذوب في موازنة عامة تفتقر أصلاً إلى الشفافية والمساءلة، في بلد لا تزال فيه ملفات الفساد والهدر عالقة دون محاسبة حقيقية منذ سنوات؟

الأمر اللافت أيضاً، أن هذا القرار لم يُطرح ضمن أي نقاش عام أو حوار وطني حول أولويات الإصلاح الضريبي، بل صدر كقرار إداري من وزارة المالية دون تقييم لأثره الاجتماعي على مختلف الشرائح. وهذا النهج التقني في صياغة السياسات المالية، بمعزل عن أي بعد تشاركي، يعكس أزمة أعمق من مجرد رسم سفر: غياب رؤية إصلاحية شاملة تعيد تصميم النظام الضريبي على أسس العدالة، بدلاً من حلول ترقيعية كلما ضاقت الخزينة.

في نهاية المطاف، لا يبدو أن أحداً في مواقع القرار يسأل نفسه: من يدفع فعلياً ثمن هذه السياسات؟ الجواب معروف سلفاً لكل لبناني يقف في طابور المطار، يحمل حقيبته وحلمه بحياة أفضل، ليجد أن حتى مغادرته المؤقتة لهذا الوطن المنهك أصبحت تُخضع الآن لضريبة إضافية، بينما تمر طائرات ويخوت القلة الميسورة دون أن تشعر بأي أثر حقيقي.

وإذا كانت الدولة عاجزة عن إصلاح كهربائها، وعملتها، ومصارفها، وإدارتها وخزانتها العامة، يبدو أنها، على الأقل، لا تزال قادرة تماماً على إيجاد طرق جديدة ومبتكرة لإثقال كاهل من تبقى لهم القدرة على السفر، تاركة الأثرياء وأصحاب اليخوت والطائرات الخاصة خارج دائرة أي مشاركة فعلية بتحمل الأعباء، في مشهد يلخّص بدقة أزمة العدالة الاجتماعية والضريبية التي يعيشها لبنان اليوم.