حاكم جديد لمصرف لبنان.. مخاوف من تحميله المودعين خسائر الأزمة

29 مارس 2025   |  آخر تحديث: 09:03 (توقيت القدس)
تحرك أمام مصرف لبنان، 20 فبراير 2023 (أحمد سعيد/ الاناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تم تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان بدعم من رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، مما أثار جدلاً بسبب مخاوف من تكرار سياسات رياض سلامة وتأثيرها على الاقتصاد اللبناني.
- هناك قلق من خطط سعيد النقدية، خاصة دعمه لخطة هارفارد التي تقترح تحويل الودائع إلى سندات دين والدولرة الكاملة، ورفضه لرفع السرية المصرفية مما يثير مخاوف بشأن حقوق المودعين.
- تعيين سعيد يعكس استمرار الفساد، وهناك حاجة لإصلاحات جذرية تشمل التدقيق الجنائي وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، مع توافق خطط الإنقاذ مع صندوق النقد الدولي.

تصدّر تعيين كريم سعيد حاكماً جديداً في مصرف لبنان المشهد، يوم الخميس، بعد كباشٍ سياسيٍّ طويلٍ فاز به رئيس الجمهورية جوزاف عون وبدعم من رئيس البرلمان نبيه بري على حساب رئيس الوزراء نواف سلام، ورغم الاعتراضات الواسعة شعبياً ومدنياً واقتصادياً وحتى برلمانياً على وصول شخصية من شأنها أن تكرّر تجربة رياض سلامة وتكون بمثابة امتداد للمنظومة الحاكمة ونادي المصارف والسياسات النقدية التي أوصلت لبنان إلى الانهيار التاريخي.

وعلى الرغم من الأجواء المتشنّجة التي سادت جلسة مجلس الوزراء والخلافات الحادة التي برزت من بوابة التعيين والتي من شأنها أن تؤثر سلباً على مستقبل التعاون بين رئاستي الجمهورية والحكومة، بيد أن عون تمسّك بإتمام الاستحقاق سواء بالتوافق أو التصويت رغم تحفّظ سلام وستّة وزراء، فكان أن استُدعي سعيد دون غيره من المرشحين الاثنين الآخرين، واستُمِع إليه فقط، وغادر القاعة، قبل أن يُعلَن تعيينه بـ17 صوتاً من أصل 24، يمثلون حزب الله، حركة أمل، حزب القوات اللبنانية، حزب الكتائب اللبنانية، والحزب التقدمي الاشتراكي، مع الإشارة إلى أن واحداً من مجموع الوزراء السّنة، هو وزير الداخلية أحمد الحجار، صوّت لصالح سعيد، فيما لم يصوّت الوزير الشيعي الخامس فادي مكي له، في مشهدية أقرب لإظهار حصول سعيد على أصوات الطوائف كلها.

وتسود مخاوف عدّة من الخطط النقدية التي سيعتمدها سعيد على رأس الحاكمية، ولا سيما أنه مموِّل لخطة هارفارد للتعافي وحلّ الأزمة الاقتصادية في لبنان، لكونه رئيس مجلس شركة "غروث غايت كابيتال"، والتي دعت عام 2023 إلى تحويل كافة الودائع المحتجزة للمواطنين إلى سندات دين على الدولة، كما اقترحت نظاماً نقدياً يقوم على الدولرة الكاملة.

ويعدّ سعيد (شقيق النائب السابق فارس سعيد)، من أبرز رافضي رفع السرية المصرفية، والعديد من الحلول التي اقترحها صندوق النقد الدولي، إضافة لتبنّيه توجهات المصارف، إلى جانب علاقاته بأركان من المنظومة السياسية والمصرفية التي تسود حولهم شبهات فساد، مع الإشارة إلى أنّ فاروج نيركيزيان، كبير مستشاري الرئيس عون الماليين، يشغل أيضاً منصب عضو مجلس إدارة الشركة ذاتها، إلى جانب ماهر نجيب ميقاتي، المتهم بجرم الإثراء غير المشروع.

تسويق لدونالد ترامب

وسبق لسعيد أن سوّق لسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط عبر مقال كتبه في موقع CITYam الأميركي، وأرفقه بعنوان عريض للاستقرار والأمن في المنطقة، ما يطرح أيضاً علامات استفهام حول الضغط الأميركي الذي ربما يكون قد مورس لتعيينه، خصوصاً أنّ أميركا كان لها يد طولى في جميع التعيينات بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، في إطار هدفها ضرب نفوذ حزب الله في كافة مؤسسات الدولة ومراكز القرار.

وإلى جانب اعتراض سلام وستّة وزراء آخرين على تعيين سعيد، فقد برزت أيضاً تحذيرات من برلمانيين من سلوك هذا المسار، بينهم النائب ميشال الدويهي، الذي شدد على أنّ هذا الاسم مرتبط بدراسة هارفرد، وهي تطرح أسوأ الحلول الممكن تخيّلها، مثل تحويل الودائع إلى ديون على الدولة ثم إجراء اقتطاع قسري منها (هيركات) بنسبة بين 80 و90%، إلى ذلك ينسب إليه في تحقيقات صحافية عالمية منشورة أنه ضد الرفع الكامل للسرية المصرفية، وله توجهات لإعادة هيكلة المصارف لا تتفق بالضرورة مع موجبات الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، كما أن لديه توجهات خاصة بكيفية التصرف بمخزون الذهب في مصرف لبنان.

أيضاً، قال النائب فراس حمدان إنّ تعيين سعيد يحوم حوله العديد من علامات الاستفهام، سواء لأعماله أو علاقاته، ما يشكّل تضارباً للمصالح بين عمله وموقعه الجديد، محمّلاً المسؤولية للوزراء وخلفهم القوى السياسية التقليدية الذين صوتوا لصالح هذا التعيين وما يمكن أن يخلّفه مسار من شأنه أن يضرب حقوق المواطنين المودعين ويدفّع الثمن للمجتمع على حساب المسؤولين والمصرفيين والذين استفادوا من الهندسات المالية لمصرف لبنان.

حماية المصارف

في هذا الإطار، يقول مدير مبادرة سياسات الغد سامي عطالله لـ"العربي الجديد"، إنّ "طريقة التعيين لم تكن بالمستوى المطلوب، خصوصاً أنّ العهد والحكومة كانوا يتحدثون عن آليات تعيين شفافة ومعايير واضحة في التعيينات، الأمر الذي لم يحصل، ولم يكن بمقدار الطموح الموعود، فكانت الأسماء المقترحة من وزير المال على الورق، بيد أنّهم ثبّتوا فعلياً خياراً وحيداً هو كريم سعيد".

ويضيف عطالله أنّ "برنامج كريم سعيد يظهر ربطاً بخطة هارفارد أنه غير إصلاحي، ولا يؤمن حقوق المودعين، بحيث ترتكز نظرته على تحميل الدولة المسؤولية الكبرى، مقابل حماية المصارف بدرجة كبيرة على حساب الدولة والمودعين، إضافة إلى أن الحديث عن استخدام احتياطي الذهب وأصول الدولة هو أمرٌ خطيرٌ جداً ويمسّ بالدولة ويحمّلها أكثر بكثير مما يفترض أن تتحمّله"، لافتاً إلى أنّ "الدولة أساساً لم يكن قرارها مستقلاً، باعتبار أنها ممسوكة من المنظومة التي تمثل الأحزاب والزعماء التقليديين، الذين يملكون أسهماً في المصارف ومرتبطون بالقطاع، وهذا مخيف، وارتبطت سابقاً بالحاكم رياض سلامة، وقصّته باتت معروفة مع أركان الحكم وبعض المصارف اللبنانية".

ويعتبر عطالله أن التعيين للأسف لا يعدّ خطوة إصلاحية، ولم يكن على المسار الصحيح، وهذه انتكاسة للعهد الجديد وانطلاقة الحكومة، لافتاً إلى أن تصويت الوزراء أظهر من هم داعمون للإصلاح الجدي الحقيقي الذي يحمي المودعين ومن هم داعمون للمصارف ويريدون تأمين الحماية لها، مع مفارقة أن الأحزاب المشاركة بالحكومة التي صوّتت لصالح سعيد كانت ضمن لجنة تقصي الحقائق التي أسقطت خطة لازار، وأوقفت بالتالي مسار الإصلاح المالي والاقتصادي الحقيقي.

سطوة الفساد وتحدي مصرف لبنان

في سياق متصل، تقول المحامية من "رابطة المودعين" دينا أبو الزور لـ"العربي الجديد"، إن "موقفنا من وصول سعيد إلى حاكمية مصرف لبنان لا يستدعي التفاؤل، وذلك نتيجة لتصريحاته وكتاباته وخططه، التي تناقض تصوّرنا لأي حلّ، فهو لم يتحدّث عن التدقيق الجنائي في المصرف المركزي والمصارف، ولا عن المحاسبة والتوزيع العادل للخسائر".

وتعتبر أبو الزور أنّ "سعيد عبّر مراراً وتكراراً عن توجّهات تناقض الحلّ العادل والشامل، وهو ما من شأنه أن ينسف أي قدرة على إعادة الودائع وفق تراتبية مسؤولية محقة والقيام بالإصلاحات المطلوبة والمنشودة من خطة التعافي التي نطمح اليها، الأمر الذي من شأنه أن يعمّق الأزمة ويكرّس سطوة الفساد والمنظومة القديمة، مع تحميل الدولة والمجتمع ديناً إضافياً لسنوات عدة في المستقبل".

يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق خالد أبو شقرا لـ"العربي الجديد"، إنّ "خطة هارفارد التي ساهم كريم سعيد بوضعها، تبقى نظرية، لأنه في نهاية المطاف فإنّ أي خطة إنقاذية جدية يجب وضعها بين وزارة المالية ومصرف لبنان، ويتم التوافق عليها من قبل الحكومة ومن ثم البرلمان، ما يعني أنها ستمرّ بمسار طويل وستحتاج إلى موافقة كل المسؤولين، مع ضرورة أن تأتي بالتوافق مع صندوق النقد الدولي أيضاً".

ويرى أبو شقرا أنّ "المفترض في المستقبل العمل وفق مجموعة من الشروط، أهمها، على سبيل الذكر لا الحصر، رفض إقراض الدولة بالليرة وبالدولار، رفض طباعة الليرة لتمويل الدولة، زيادة الاحتياطيات بالعملة الصعبة تمهيداً لإعادة القسم الأكبر من الأموال للمودعين، الاستفادة من الجو الإيجابي والثقة وتدفق الدولارات في السوق لزيادة الاحتياطات، وهذا يشبه الدولرة الشاملة، ما يساهم في إرساء الاستقرار".

أيضاً، هناك مسألة التدقيق بمصرف لبنان، وخصوصاً إعادة هيكلة القطاع المصرفي والتدقيق بأكبر 14 مصرفاً في البلد، وأيضاً عدم تحويل السرية المصرفية لعائق أمام المحاسبة عن الفترة السابقة التي حصل فيها الانهيار كما يحاول البعض.

المساهمون