جنون السندات العالمية: ارتفاعات حادّة للعوائد تصعد بكلفة اقتراض الحكومات

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 04:33 (توقيت القدس)
متداولون في بورصة نيويورك، 20 فبراير 2026 (مايكل إم. سانتياغو/ Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد أسواق السندات العالمية ارتفاعاً في العوائد لأعلى مستوياتها منذ 2008، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط والمخاوف من التضخم، مما يزيد توقعات رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي.
- ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.34%، مع تسجيل السندات اليابانية والألمانية والفرنسية مستويات قياسية جديدة، مما يعكس تراجع الثقة في البنوك المركزية.
- تواجه الحكومات تحديات في جذب المستثمرين بسبب المنافسة مع شركات التكنولوجيا، حيث أصبحت السندات طويلة الأجل أكثر حساسية لارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، مما يؤدي إلى موجة بيع كبيرة.

تعيش أسواق السندات العالمية انفلاتاً نادراً، مع ارتفاع العوائد إلى أعلى مستوى لها منذ العام 2008، إذ أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تأجيج المخاوف بشأن التضخم، وزاد المستثمرون من توقعاتهم بأن يقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي " البنك المركزي" برفع أسعار الفائدة الأميركية. وبذلك؛ أصبحت تكلفة اقتراض الحكومات في أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية، ويُعدّ الوضع الراهن على المدى القريب مقلقاً للغاية، مع وجود تضخم مستمر مصحوب بعجز مالي واسع النطاق في الولايات المتحدة واليابان والمملكة المتحدة وفرنسا وغيرها من الدول الكبرى.

وبلغ عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً 5.34% في منتصف أغسطس/آب الماضي، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007، ويقترب بفارق عشر نقاط أساسية فقط من أعلى مستوى له في 22 عاماً، مع وجود عجز كبير في الميزانية، وموجة أخرى من إصدارات الشركات، واجتماع حاسم محتمل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي منتصف الشهر الجاري من شأنه أن يبقي المستثمرين حذرين من الديون الأميركية في الأسابيع المقبلة، ومما يزيد الوضع تعقيداً هو المكانة المتخصّصة التي تحتلها سندات الخزانة لأجل 30 عاماً في سوق سندات الخزانة العالمي البالغ حجمه 31 تريليون دولار.

وقد وصل العائد على سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3% لأول مرة منذ عام 1996، وارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المؤشر القياسي لمنطقة اليورو، بأكثر قليلاً من نقطة أساس إلى 3.34%، مسجلاً أعلى مستوى له في 15 عاماً، كما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً، إلى 3.83%، مسجلاً بدوره أعلى مستوياته منذ عام 2011. وارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات وأجل 30 عاماً بمقدار نقطتَي أساس لكل منهما، إلى 4.19% و4.96% على التوالي، مسجلَين في الحالتَين أعلى مستوياتهما منذ عام 2008.

وارتفع العائد على مؤشر بلومبيرغ للسندات السيادية العالمية إلى 3.72%، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2008. وقام الاقتصاديون في مصرفَي "باركليز" و"سوسيتيه جنرال" بتغيير توقعاتهم في أعقاب خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، متوقعين زيادات في أسعار الفائدة هذا العام بما يعاكس توقعاتهما السابقة.

وكان خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، الجمعة، العامل المحفز الأحدث لارتفاع عوائد السندات، إذ أكد مجدداً تعهده بكبح جماح التضخم نهائياً. ويمثل بيع السندات تحدياً لوزير الخزانة، سكوت بيسنت، الذي اتخذ الشهر الماضي إجراءات إضافية لكبح جماح العوائد، وكذلك للرئيس دونالد ترامب، إذ تهدد تكاليف الاقتراض المرتفعة بإلحاق الضرر بالاقتصاد قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وكذا، يبث ارتفاع العوائد القلق حول ديون الحكومات حول العالم.

وتتوقع الأسواق رفع أسعار الفائدة في نيوزيلندا، اليوم الأربعاء، وزيادة مماثلة في أوروبا الأسبوع المقبل. أما رفع أسعار الفائدة هذا الشهر في الولايات المتحدة واليابان، فتبدو احتمالاته أقوى من المتوسط. "أعتقد أن معظم عمليات بيع السندات هذه كانت في الواقع إعادة تقييم لسياسة الاحتياطي الفيدرالي"، كما قال أندرو ليلي، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في بارينجوي، وهو بنك استثماري في سيدني، لوكالة "رويترز"، وأضاف: "أعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة في سبتمبر/أيلول، وأعتقد أن هذه بداية دورة رفع أسعار الفائدة ثلاث مرات على الأقل."

وما يحدث في أسواق السندات حول حلقة مترابطة تتداخل فيها السياسات النقدية، والأزمات المالية مع تداعيات الحروب خاصة في إيران وإغلاق مضيق هرمز. إذ إنّ ارتفاع الأسعار حول العالم خاصة النفط والغاز بسبب إغلاق هرمز، أجج التضخم وصعّب مهام احتوائه، وما يحصل في أسواق السندات يعكس تراجع الثقة بالبنوك المركزية في الدول الكبرى، خاصة فيما يتعلق بوعود احتواء التضخم، ما يبرر تصاعد البيع مع ارتفاع أسعار النفط.

من جهة أخرى، تواجه الحكومات منافسة شرسة لجذب انتباه المستثمرين في ظل إصدار شركات التكنولوجيا كميات هائلة من الديون لتمويل تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. تُعتبر السندات الصادرة عن الدول الغنية على نطاق واسع من أكثر الأوراق المالية أماناً في العالم، لأنّ هذه الحكومات غالباً ما تلتزم بسداد مستحقات المستثمرين. وتقوم الحكومات عادةً بتثبيت تكاليف التمويل لفترات طويلة تصل إلى 30 عاماً، بل إن بعضها يصدر سندات تستحق بعد قرن من الزمان.

لكن في حال ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة قصيرة الأجل، فإن ذلك سيؤثر سلباً على القيمة الحقيقية لمدفوعات الكوبونات، فضلاً عن رأس المال الذي يُسدد في نهاية المطاف عند تاريخ استحقاق السند. وكلما طالت مدة السند، زادت فرصة تأثير التضخم. ولهذا السبب، كانت السندات طويلة الأجل أكثر حساسية لارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، ولذا كانت في قلب موجة البيع الأخيرة، بحسب تحليل وكالة "بلومبيرغ". ودفعت المخاوف بشأن ارتفاع الإنفاق الحكومي في أسواق مثل اليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة المستثمرين إلى السعي للحصول على تعويضات أعلى مقابل امتلاك سندات ذات آجال استحقاق أطول.