جزائريون يواجهون الضغوط المعيشية بالمهن الصيفية

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 02:33 (توقيت القدس)
بائع متجول في الجزائر العاصمة، 18 يوليو 2023 (فرانس برس)

لم تعد العطلة الصيفية في الجزائر، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الأسر، مرادفاً للراحة والاستجمام، بقدر ما تحولت إلى موسم للعمل والبحث عن مصادر دخل إضافية. في كل صيف، تتوسع دائرة المهن الموسمية والأعمال الحرة، ويزداد الإقبال عليها من قبل الطلبة والعمال والموظفين، في محاولة لتعزيز القدرة الشرائية ومواجهة الأعباء المالية المتزايدة التي تسبق الدخول الاجتماعي والمدرسي.

يقول عبد القادر شطاح (34 سنة)، وهو موظف في إحدى الإدارات العمومية، إنّه اعتاد منذ ثلاث سنوات استغلال فصل الصيف في بيع العصائر والمشروبات الباردة على أحد الشواطئ، موضحاً أن راتبه الشهري لم يعد يكفي لتغطية مختلف احتياجات أسرته، خاصة مع اقتراب الدخول المدرسي. ويضيف: "أفضل أن أقضي شهرين في العمل بدل السفر أو الراحة، لأن الدخل الإضافي يساعدني على شراء الأدوات المدرسية، وتسديد بعض المصاريف التي تتراكم طوال السنة".

ويؤكد أن الإقبال على هذا النوع من الأنشطة لم يعد يقتصر على الطلبة أو العاطلين عن العمل، بل أصبح يشمل موظفين وأصحاب مهن حرة وحتى متقاعدين يبحثون عن تحسين دخلهم. ويلاحظ، خلال موسم الصيف، تنوع الأنشطة التي تستقطب الباحثين عن دخل إضافي، من بيع المثلجات والعصائر والمشروبات الباردة، إلى تجارة الملابس الصيفية ولوازم الشواطئ، وتأجير الطاولات والمظلات والكراسي، والعمل في المطاعم والمقاهي، وخدمات النقل، إلى جانب الأشغال الفلاحية الموسمية وجني المحاصيل، فضلاً عن التجارة الإلكترونية التي تشهد بدورها انتعاشاً خلال هذه الفترة.

يرى المختص في علم الاجتماع حليم مصطفى أن المهن الموسمية في الجزائر لم تعد تقتصر على توفير دخل إضافي خلال فترة محددة من السنة، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية تعكس التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري، في ظل سعي مختلف الفئات إلى تحسين أوضاعها المعيشية ومواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

ويوضح مصطفى، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ من الضروري التمييز بين المهن الموسمية الرسمية التي تؤطرها مؤسسات وإدارات عمومية أو خاصة، وتوفر فرص عمل مؤقتة، ولا سيما لفائدة الطلبة والشباب، وبين المهن الحرة الموسمية التي يمارسها الأفراد بمبادرات شخصية في فترات تعرف ارتفاعاً في الطلب على بعض السلع والخدمات.

ويشير إلى أن فرص العمل الموسمية التي توفرها بعض المؤسسات لا تقتصر أهميتها على الجانب المالي فقط، وإنما تؤدي وظائف اجتماعية متعددة، من بينها اكتساب الخبرة المهنية، وتعزيز ثقافة العمل، والمساهمة في تخفيف الأعباء المالية عن الأسرة، فضلاً عن إعداد الشباب للاندماج مستقبلاً في سوق العمل.

ويضيف أن المهن الموسمية أصبحت اليوم جزءاً من الاستراتيجية الاقتصادية للعديد من الأسر الجزائرية، إذ يعتمد عليها أصحاب الوظائف الدائمة أيضاً لتوفير مداخيل إضافية، موضحاً أنّ عدداً كبيراً من الموظفين يستغلون فترات العطل أو الإجازات لممارسة أنشطة تجارية أو خدمية تمكنهم من تحسين قدرتهم الشرائية وتغطية النفقات المتزايدة.

ويوضح أن المجتمع الجزائري يفرض، في كثير من الأحيان، التزامات اجتماعية تتطلب نفقات معتبرة، وهو ما يدفع الكثير من الأفراد إلى البحث عن مصادر دخل إضافية تمكنهم من الوفاء بهذه الالتزامات والحفاظ على مكانتهم الاجتماعية داخل محيطهم الأسري والاجتماعي.

ويشير المتحدث إلى أنّ هذه الأنشطة لا تحقق فقط رأسمالاً اقتصادياً يتمثل في الدخل الإضافي، وإنما تساهم أيضاً في بناء رأس مال اجتماعي من خلال توسيع شبكة العلاقات، واكتساب معارف وخبرات جديدة، وفتح آفاق مهنية مستقبلية، خاصة بالنسبة للطلبة والشباب الباحثين عن فرص عمل.

ويوضح أن أصحاب العمل غالباً ما يمنحون الأولوية للأشخاص الذين سبق لهم العمل معهم وأثبتوا كفاءتهم. ويذكر أنّ المهن الموسمية، أصبحت اليوم تؤدي أدواراً اقتصادية واجتماعية وثقافية في آن واحد، إذ لا تقتصر على توفير مورد مالي إضافي، بل تساهم في ترسيخ ثقافة العمل والمبادرة، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، وبناء شبكات العلاقات التي قد تتحول مستقبلاً إلى فرص حقيقية للتوظيف والاستثمار، وهو ما يجعلها إحدى الظواهر الاجتماعية التي تعكس قدرة المجتمع الجزائري على التكيف مع التحولات الاقتصادية والبحث عن حلول عملية لتحسين مستوى المعيشة.