ثروة بلا حراسة... كيف تحوّلت بيتكوين إلى هدف للخاطفين؟

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:27 (توقيت القدس)
متجر يستخدم بيتكوين في السلفادور، 20 يناير 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت بيتكوين ارتفاعًا كبيرًا في قيمتها، مما جعلها هدفًا للعصابات المنظمة بسبب طبيعتها الرقمية وسهولة نقلها خارج النظام المصرفي التقليدي.
- مع ارتفاع أسعار بيتكوين، تزايدت المخاطر الأمنية على المستثمرين، حيث تعرض العديد منهم لعمليات اختطاف وابتزاز، مما دفعهم للبحث عن أساليب دفاع غير تقليدية.
- نظمت ورش عمل لتدريب المستثمرين على الدفاع عن النفس، تضمنت نصائح للوقاية من الاختطاف، مما يجعل الأمن الشخصي عاملاً حاسماً في مستقبل الاستثمار في العملات الرقمية.

تشهد عملة بيتكوين، أكبر العملات الرقمية من حيث القيمة السوقية، تقلبات حادة منذ إطلاقها عام 2009، لكنها حققت خلال السنوات الأخيرة مكاسب قياسية دفعتها إلى مستويات غير مسبوقة. فقد تجاوزت قيمتها حاجز 126 ألف دولار الشهر الماضي، لتصبح أصولاً استثمارية رئيسية لدى الأفراد والشركات وصناديق التحوط. ومع تضاعف عدد حاملي المحافظ الرقمية حول العالم، وتزايد حجم الأموال المخزنة خارج النظام المصرفي التقليدي، تحوّلت بيتكوين إلى ما يشبه ذهباً رقمياً يسهل نقله وتخزينه، لكنه في الوقت ذاته أصبح هدفاً مباشراً للعصابات المنظمة.

وتقدّر منصة Chain lysis المتخصصة بأن نحو 20% من بيتكوين المتداولة مملوكة لمستثمرين كبار (Whales)، ما جعلهم عرضة لعمليات الابتزاز والسرقة. كما أن غياب الجهة المصرفية الوسيطة، وطبيعة التحويلات التي لا يمكن إلغاؤها بمجرد إتمامها، يزيد من مخاطر استهداف حاملي العملات الرقمية مقارنة بالأموال التقليدية المخزنة في المصارف.
ومع ارتفاع أسعار بيتكوين وتكوين ثروات رقمية ضخمة، تتزايد المخاطر الأمنية التي تلاحق المستثمرين حول العالم، وصولاً إلى موجة من عمليات الخطف والابتزاز التي أرعبت مجتمع العملات الرقمية، ودفعته إلى البحث عن أساليب دفاع غير تقليدية.

في مؤتمر متخصص احتضنته مدينة لوغانو السويسرية أخيراً، تلقى مستثمرون في العملات الرقمية تدريبات عملية على كيفية الهروب من الأصفاد البلاستيكية، وتجنّب الوقوع في فخ الاختطاف، في ورشة عمل قادها بيت كايل، وهو محارب سابق في قوات المارينز الملكية البريطانية. وقال كايل مخاطباً المشاركين، بينما تُربط أيديهم بأصفاد بلاستيكية: "أسنانكم قادرة على اختراق أي شيء — لكنها ستسبب ألماً شديداً"، وفق ما نقلت صحيفة نيويورك تايمز.

الورشة جاءت في أعقاب تسجيل أكثر من 60 حالة اختطاف واعتداء استهدفت مستثمرين في العملات الرقمية أو عائلاتهم خلال عام واحد، وفقاً لبيانات رسمية وتقارير إعلامية. وشملت الحوادث خطفاً وتعذيباً وابتزازاً بمبالغ تصل إلى ملايين الدولارات. من بين أبرز الحالات، خطف والد مؤثّر رقمي في فرنسا واحتجازه داخل صندوق سيارة، وسرقة ثمانية ملايين دولار بعد احتجاز عائلة في مينيسوتا تحت تهديد السلاح لمدة تسع ساعات، فيما اتُهم رجلان في نيويورك باحتجاز متداول داخل منزل فخم وتعذيبه لانتزاع مفاتيح محافظه الرقمية.

هذه العمليات باتت تُعرف داخل مجتمع التشفير باسم هجمات المفتاح الإنجليزي، وهو مصطلح مستوحى من كاريكاتير شهير يظهر فيه لص يمسك مفتاح ربط ويهدد خبيراً تقنياً حتى يكشف كلمة سر محفظته الرقمية كما أن آلية عمل العملات الرقمية تجعلها هدفاً مثالياً. فعلى عكس التحويلات المصرفية، لا تحتاج معاملات التشفير إلى موافقة مؤسسة مالية. إنها فورية ولا رجعة فيها. يمكن للخاطف الذي يطالب بفدية أن يرى الأموال تنتقل على سجل العملات العامة، ثم ينقل الأصول بسرعة إلى حساب آخر.

ارتفاع أسعار بيتكوين يغذي الجرائم

تزامن تصاعد هذه الهجمات مع بلوغ سعر بيتكوين مستوى قياسياً وصل إلى 126 ألف دولار الشهر الماضي، مولّداً طبقة جديدة من الأثرياء غير المحميين أمنياً. وتوضح ألينا فرانوفا، منظمة ورشة لوغانو ومؤسسة شركة Glok للأمن الرقمي، أن القطاع يواجه اليوم "وباءً متسارعاً من العنف الجسدي"، مضيفة: "نحن عند مستوى حالة خطف وابتزاز واحدة كل أسبوع. هذا أمر وحشي بالفعل".

وتحمل فرانوفا تجربة شخصية؛ إذ ساهمت في تأسيس Trezor، إحدى أكبر الشركات المتخصصة في محافظ العملات الآمنة، قبل أن تشهد حادثة خطف مؤسس منافسها Ledger، الذي قُطع أحد أصابعه لابتزاز فدية رقمية. وقالت فرانوفا: "إذا كان بإمكانهم خطف المؤسس المشارك لمحفظة أجهزة، فيمكنهم خطف أي شخص" وهو واحد من عديد الإجراءات المضادة التي اكتسبت زخماً في عالم العملات الرقمية، إذ تسارع شركات الأمن للاستفادة من الخوف — مقدمة حراساً شخصيين وخدمات حماية فاخرة.

من تدريب نظري إلى مواجهة الخطر

خلال الورشة، التي بلغت كلفتها ألف يورو للمشارك، تلقى المستثمرون نصائح تتعلق بالوقاية، ومنها تجنّب استعراض الثراء على وسائل التواصل، وعدم استخدام السيارات الفارهة أو الساعات الفاخرة، إضافة إلى توصيات بالتنقل بهواتف سرية وتحميل تطبيقات للطوارئ. كما ناقش المشاركون سيناريوهات مصائد العسل التي تستغل الإغراء بالعلاقات العاطفية للإيقاع بالمستهدفين وسرقة كلمات مرور محافظهم.

وفي قسم التدريب العملي، استعرض المدرّبون طرق استخدام أدوات يومية أسلحةً دفاعية، من بينها الأقلام والمظلات والمشابك المعدنية، وشرحوا كيفية ضرب عظمة الترقوة أو الركبة لتمكين الضحية من الفرار. لكن رغم هذه التدابير، حمل دليل التدريب تحذيراً واضحاً في ختامه: "تذكّر… أن حياتك أغلى من أي كمية من العملات الرقمية".

قبل انعقاد ورشة الدفاع عن النفس، عرضت ألينا فرانوفا أمام نحو 100 من عشاق بيتكوين سلسلة شرائح توثّق حالات اختطاف واقعية، من بينها هجوم في إسبانيا احتُجز خلاله مدير تنفيذي داخل منزله، وتعرّض للغاز الحارق والتقييد والضرب على يد مهاجمين حاولوا الوصول إلى 25 مليون يورو من العملات المشفرة.

وقالت فرانوفا: "لقد كان مصدوماً للغاية. وهذا واضح". وبعد يومين، استضافت فرانوفا ورشة تدريبية على الدفاع عن النفس في مساحة عمل مشتركة في لوغانو، وبلغت تكلفة المشاركة 1,000 يورو.  قاد الجلسة مستشاران أمنيان عملا معاً قبل أكثر من عقد خلال مهمة في العراق: كيفن هاريس، الويلزي الموشوم، وبيت كايل، حفيد الطيار الإنجليزي جو كايل الذي اشتهر بهروبه من معسكر ألماني خلال الحرب العالمية الثانية.

مخاوف متزايدة بين المستثمرين

من بين المشاركين مستثمر فرنسي، وآخر من أستراليا، ومدير تنفيذي يقيم جزءاً من العام في أميركا اللاتينية. وقد رفض جميعهم الكشف عن أسمائهم، خوفاً من أن يؤدي حضورهم ورشة عن مقاومة الاختطاف إلى جعلهم أهدافاً للخاطفين. وقال أحدهم: "كلما تعمقت في هذا العالم، ازدادت بارانوياك" وخصص معظم اليوم لشرح استراتيجيات الوقاية: كيف لا تُختطف. وأوضح المدربان أن الخاطفين غالباً ما يختارون ضحاياهم من بين الأشخاص الذين يعلنون عن ثرواتهم. وعلى مدى سنوات، زاد المستثمرون من مخاطرهم بنشر صور ساعات رولكس، وحفلات اليخوت الفاخرة، والسيارات الرياضية.

تكشف هذه الوقائع أن الخطر الأكبر الذي يهدد قطاع العملات الرقمية لم يعد محصوراً في الاختراقات التقنية أو خسائر السوق، بل في انتقال الجريمة من الفضاء الإلكتروني إلى الشارع. فمع استمرار صعود بيتكوين وتحولها إلى أحد الأصول الأكثر جذباً للاستثمار عالمياً، تواجه الحكومات والأجهزة الأمنية وشركات الحماية تحدياً غير مسبوق: كيفية حماية ثروات لا تُخزّن في البنوك ولا تُصادر قانونياً بسهولة، ويمكن نقلها بضغطة زر.

وإذا استمرت أسعار بيتكوين في الارتفاع دون بنية حماية فعلية أو إطار قانوني يضمن سلامة حامليها، فقد يجد المستثمرون أنفسهم في معادلة معقدة: أرباح رقمية بمخاطر واقعية، وثروة بلا حراسة. عندها، قد يصبح الأمن الشخصي هو العامل الوحيد القادر على تحديد مستقبل الاستثمار في العملات الرقمية.

المساهمون