تونس... محاولات لضبط أسعار الإيجارات وسط غلاء غير مسبوق
استمع إلى الملخص
- ارتفعت أسعار الإيجارات في تونس بنسبة 29% بين 2020 و2024، مما يعكس تأثير المضاربة العقارية وارتفاع الطلب على السكن المؤجر، ويضعف القدرة الشرائية للأسر.
- يقترح الخبراء توفير أراضٍ للبناء وتشجيع إنشاء أحياء جديدة بأسعار معقولة، وتعزيز نظام "التمليك عبر الإيجار" لتقليل الطلب على الإيجارات وتحسين الوضع السكني.
يحاول برلمان تونس إيجاد حلول تشريعية لضبط أسعار الإيجارات، والحد من آثار الارتفاع المتواصل لأسعار كراء (إيجارات) المحلات المعدة للسكن، التي باتت تتفوق على مداخيل الأسر في غياب نصوص قانونية تعيد تنظيم السوق.
وأخيراً، أعلنت مجموعة برلمانية طرح مبادرة تشريعية هدفها كبح الغلاء وحماية القدرة الشرائية عبر تأطير كراء الشقق والمنازل؛ بسبب تحول نفقات الإيجار إلى عبء ثقيل يستهلك جزءاً كبيراً من مداخيل الأسر، ويفرض واقعاً اجتماعياً واقتصادياً هشاً.
وتستند المجموعة البرلمانية المبادرة بطرح مشروع القانون إلى بيانات رسمية للمعهد الوطني للإحصاء تثبت ارتفاع أسعار الإيجارات في المدن الكبرى بنسبة تُقدّر بحوالى 29% بين عامي 2020 و2024، وهي نسبة تتفوق بدرجة كبيرة على تطور الأجور ومستوى الدخل لأغلب التونسيين.
ووفق مشروع القانون الذي أحيل إلى البرلمان، يقترح النواب ضبط سوق الإيجارات وإرساء علاقة أكثر توازناً بين المالك والمستأجر عبر فرض إجبارية إبرام عقود الكراء كتابياً وفق نموذج موحد، مع تسجيلها لدى المصالح البلدية وعدم الاعتداد بأي عقد غير مسجل. كذلك تقترح المبادرة البرلمانية تحديد سقف أقصى للكراء ونسبة زيادة لا تتجاوز 5% من معلوم الإيجار، على ألا تتكرر الزيادة أكثر من خمس مرات طوال مدة التعاقد، وألا تتم إلا بعد مرور سنتين على الأقل.
ويحاول البرلمان إعادة تنظيم سوق الإيجارات في تونس بسبب الانفلات غير المسبوق الذي تعرفه الأسعار وتجاوزها القدرة الإنفاقية لطيف واسع من التونسيين، وسط اتهامات للوسطاء العقاريين بتحويل السوق إلى ساحة للمضاربة على حساب حق المواطنين في سكن مؤجر.
ووفق المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، تستنفد نفقات الإيجار ما يقارب 40% من دخل الأسر، وهو ما يجعل تحمل كلفة السكن أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الفئات ذات الدخل المحدود. ويقول رئيس منظمة إرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، إن المبادرات التشريعية لضبط سوق الإيجارات تبقى محدودة الجدوى رغم أهميتها؛ بسبب تراجع قدرة التونسيين على تحسين وضعهم السكني والمرور إلى التملك.
وأكد الرياحي في تصريح لـ"العربي الجديد" أن هناك العديد من المقترحات لضبط أسعار قصوى للإيجار حسب المناطق، غير أن الأسعار المعروضة تتفوق في أغلب الأحيان على مداخيل التونسيين، مشيراً إلى أن سوق الإيجار ككل الأسواق التجارية تخضع لقاعدة العرض والطلب.
وأرجع الرياحي أسباب تضخم أسعار الإيجارات إلى زيادة الطلب على السكن المؤجر خلال السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار العقارات وعدم قدرة التونسيين على النفاذ إلى السكن عبر التمليك.
ووفق دراسة أنجزها موقع مختص في العقارات بتونس، فإن متوسط السعر الوطني للكراء طويل الأجل ارتفع من 1380 ديناراً شهرياً (475 دولاراً) سنة 2020 إلى حوالى 1650 ديناراً (570 دولاراً) في النصف الأول من سنة 2023، بينما لا يتجاوز متوسط دخل التونسيين العاملين مستويات تغطي هذه التكاليف.
وفي تونس، لا يتجاوز متوسط الأجر 924 ديناراً، وذلك وفق مسح أنجزه المعهد الوطني للإحصاء شمل عيّنة من المؤسسات الحكومية والخاصة تمثل 16 قطاعاً اقتصادياً، اختيرَت عشوائياً من السجل الوطني للمؤسسات.
ويرى رئيس منظمة إرشاد المستهلك أن السلطات مطالبة بإعادة النظر في السياسة السكنية عبر توفير مخزون عقاري للأراضي الصالحة للبناء، وتشجيع إنشاء أحياء سكنية جديدة بكلفة مدروسة عبر آلية "التمليك عبر الكراء". ويقول: "لتونس تجارب ناجحة في سياسة التمليك عبر الإيجار، وهي من أحسن الحلول المطروحة لضبط سوق الإيجارات وخفض الطلب عليها".
والتمليك عبر الإيجار، أو ما يُعرف قانونياً بـ"الإيجار المفضي إلى التملك"، صيغة تمويل سكني تمكّن المواطن من السكن في مسكن دون اقتنائه مباشرة، على أن يصبح مالكاً له في نهاية مدة الإيجار بعد استيفاء شروط محددة.
وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد ظاهرة غلاء الإيجارات مقتصرة على المدن الكبرى، بل امتدت إلى عدد من المناطق الحضرية والضواحي، ما عمّق من معاناة المواطنين وزاد من هشاشة الأوضاع الاجتماعية.
ويقول الخبير في العقارات، توفيق بن خود، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن الإيجارات ككل القطاعات الاقتصادية محكومة بكلفة بناء المساكن، فيما ساهم غياب سياسة سكنية واضحة للدولة في رفع الأسعار إلى مستويات تجاوزت القدرة الإنفاقية للطبقة المتوسطة التي تشكل العصب الأساسي للمجتمع التونسي.
ويشرح أن الطبقة المتوسطة، التي كانت تشكل نحو 60% من مجموع التونسيين، أصبحت الشريحة الأكثر طلباً على الإيجارات بعد أن فقدت القدرة على امتلاك مسكن بفعل الغلاء والمضاربة التي عرفها قطاع التطوير العقاري.
في المقابل، يشير رئيس جمعية إرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، إلى أن ارتفاع كلفة مواد البناء والرسوم المتعلقة بشراء الأراضي وعمليات البناء زاد من تكلفة الإنتاج العقاري، ما انعكس في نهاية المطاف على الإيجارات. وقال: "مع تراجع القوة الشرائية للأسر التونسية وارتفاع التضخم الإجمالي في الاقتصاد، أصبح من الصعب على الكثير من العائلات شراء سكن، فيلجأون إلى الإيجار، ما يزيد الضغط على السوق".
وأضاف: "جزء كبير من العقارات الحديثة في المدن الكبرى يُبنى ليكون مساكن فاخرة أو وحدات لا تتلاءم مع إمكانات المواطن العادي، ما يقلّص فعلياً الخيارات المتاحة للسكن المتوسط".
وحسب نتائج التعداد العام للسكان والسكنى 2024 الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء الحكومي، يمتلك حوالى 75.1% من الأسر التونسية مساكنهم الخاصة، ما يعكس ثقافة امتلاك السكن الراسخة في المجتمع، بينما لا تملك حوالى 24.9% من الأسر سكناً خاصاً، ويقيمون في سكن مستأجر أو في شكل آخر غير التملك.