تونس تواجه حراك الشارع بخزائن فارغة

27 نوفمبر 2020
الصورة
جانب من الاحتجاجات المعيشية في تونس (Getty)
+ الخط -

ينتفض آلاف التونسيين يوميا لتحسين وضعهم المعيشي، لاجئين إلى الشوارع ومقرات السلطة في محافظات جمعت بين ثلاثي الفقر والأمية والبطالة، فيما تواجه السلطة مطالب الحراك الاجتماعي بإبدائها الاستعداد للحوار مع المحتجين، ولكن يأتي ذلك في ظل خزائن فارغة وإنتاج مكبّل بتداعيات جائحة كورونا.
وعاد الحراك الاجتماعي إلى شوارع المحافظات التونسية بمطالب قديمة متجددة، أبرزها التشغيل والتنمية وتحسين الظروف المعيشية العامة من تعليم وصحة، في وقت تقترب فيه الثورة التونسية من عيدها العاشر.
وتجددت الاحتجاجات الشعبية في تونس، وتصاعدت وتيرة الغضب الشعبي تجاه الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2011، بسبب عجز السلطات عن تحقيق وعود التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين التي أقرها دستور البلاد، في وقت تعيش فيه البلاد أسوأ أزمة منذ 54 عاما.

إضرابات واحتجاجات
ولم تكد حكومة هشام المشيشي توقّع الاتفاق مع محتجي الكامور لإنهاء أزمة الطاقة بعد 4 أشهر من غلق محطة الضخ الرئيسية للنفط، حتى انفجرت الاحتجاجات والاعتصامات في محافظات قفصة والقصرين وقابس والقيروان وباجة، وسط توقعّات أن تتوسّع الرقعة الجغرافية لعدوى "الكامور".
ويطالب المحتجون في جلّ المحافظات الغاضبة بتعجيل الحلول التنموية وبعث المشاريع المشغّلة وتحسين الخدمات الصحية بعدما كشفت الجائحة الصحية قصورا غير مسبوق في منظومة الصحة الحكومية بسبب عدم قدرة المستشفيات على تقديم خدمات جيدة.

وأول من أمس، نفّذ المواطنون في محافظة باجة، شمال غرب تونس، أول إضراب عام جهوي في المحافظة منذ استقلال البلاد، كذلك حاول مئات الأهالي من منطقة العيون في محافظة القصرين، وهي منطقة حدودية، إغلاق حقل "الدولاب" النفطي، مطالبين بحقهم في التنمية والتشغيل وتحسين ظروف حياتهم.
وعرفت مدينة أم العرائس بمحافظة قفصة احتجاجات ليلية، حيث عمد عدد من الشبان إلى إشعال العجلات المطاطية وسط المدينة، كما تم خلع مقر القباضة المالية وسرقة محتوياتها، وعمد آخرون إلى خلع أبواب بعض المحلات التجارية الخاصة.
أما في مدينة قفصة، فقد اقتحم عدد من المعطلين عن العمل، صباح الأربعاء، مقر الولاية قبل أن تتدخل وحدات الأمن مستعملة الغاز المسيل للدموع لإخراج المحتجين.

اتساع دائرة الغضب
وقال عضو التنسيقية المدنية التي تؤطر الاحتجاجات في محافظة باجة، زهير بن يوسف، إن الغضب تسرّب إلى أكثر المحافظات هدوءًا في البلاد، ما يؤكد عمق الأزمة الاجتماعية وخطورة الوضع الذي قد ينبئ بالانفجار.
وأكد بن يوسف، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن توسّع الرقعة الجغرافية للاحتجاجات دليل على تعثر في وضع سياسات تنمية تحقق واحدا من أهم بنود دستور 2014 وهو التوازن بين مختلف محافظات البلاد.
وأشار بن يوسف إلى أن مئات المشاريع في محافظته معطّلة منذ سنوات بسبب سياسات حكومية غير منصفة للمناطق الداخلية التي تساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي، فيما تقابلها السلطة بالجحود التام والتهميش، وفق قوله.
وإبان كتابة الدستور الجديد عام 2014، منح المشرع التونسي السلطة حق التمييز الإيجابي بين المحافظات لضمان العدالة الاجتماعية بين مختلف المناطق. 

وتنص المادة 13 من الدستور على أن "تسعى الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والتوازن بين الجهات، استنادا إلى مؤشرات التنمية واعتمادا على مبدأ التمييز الإيجابي، كما تعمل على الاستغلال الرشيد للثروات الوطنية".

محاورة المحتجين
ورغم تعهّد حكومة المشيشي بمحاورة المحتجين في كل المحافظات والتوزيع العادل لمخصصات التنمية، إلا أن حالة التأزم الشاملة لا تزال تخيّم على تونس.
وقال رئيس ديوان رئيس الحكومة، المعز لدين الله مقدّم، إن تجربة الكامور ستُعمّم على بقية الجهات. وأكد في حوار مع إذاعة محلية، أول من أمس، أنّ مناخ الاستثمار في تونس غير مهيأ بعد، خاصة في الجهات، مشيرا إلى أن المشهد الذي يحدث اليوم يتكرر بتكرّر الحكومات، غير أن الدولة في وضعية صعبة أكثر من أي وقت مضى.
ويجزم خبراء الاقتصاد بعدم قدرة الحكومة على الإيفاء بوعودها تجاه المحافظات، متوقعين مزيداً من ترحيل ملف التنمية لسنوات لاحقة بسبب صعوبات المالية العمومية وعجز الحكومة عن تعبئة الموارد لما تبقى من العام الحالي وموازنة العام القادم.
وتحتاج تونس، وفق مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020، إلى 8 مليارات دينار (2.9 مليار دولار)، من القروض الداخلية، و20 مليار دينار (7.3 مليارات دولار)، لتمويل موازنة 2021.

"المركزي" يموّل العجز
ورغم الحاجة الملحة للتمويلات وتزايد ضغوط الشارع على السلطة، يواصل البنك المركزي التونسي التدخل والتمویل المباشر لعجز الميزانية وذلك بالشراء المباشر لسندات الخزينة من الحكومة، مطالبا بتفويض برلماني لتوفير الموارد المالیة التي تطلبها الحكومة.
ويقول الخبير الاقتصادي خالد النوري إن الحكومة تعهدت بما لا تملك لشراء السلم الاجتماعي، مؤكدا صعوبة استيعاب الغضب المتزايد في الجهات.
وأكد النوري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن مخصصات التنمية في موازنة العام القادم لا تتجاوز 6 مليارات دينار (2.1 مليار دولار)، مشيرا إلى أن معدلات تنفيذ مشاريع التنمية المرسمة في موازنة 2020 لم تتجاوز 40 بالمائة.
وأضاف في سياق متصل، أن جل العوامل الميدانية تنذر بتفاقم الأزمة المعيشية في البلاد، التي قد تنتهي إلى انفجار اجتماعي شامل تغذيه الخصومات السياسية المحتدمة في البرلمان.
واعتبر النوري أن الحكومة أمام مهمة عسيرة بعد أكثر من شهرين في السلطة، وخاصة أن الأزمة الاجتماعية رافقتها أزمة اقتصادية حادة بسبب انتشار وباء كورونا واضطرار السلطات إلى مواصلة فرض الحجر الصحي الجزئي على عدد من القطاعات المشغلة.
ودفعت الطبقات الوسطى والضعيفة ثمنا باهظا للحجر الصحي الشامل والجزئي بسبب فقدان الدخول وزيادة نسب البطالة في غياب آليات اجتماعية لاحتواء الفقر.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

وحسب مشروع قانون الموازنة للسنة القادمة، ستكتفي الحكومة بصرف مساعدات اجتماعية لـ285 ألف أسرة فقيرة، مقابل تقديرات بتنامي الفقر ليشمل 3 ملايين أسرة، وهو ما يؤشر لاستمرار ضغوط الشارع لأشهر قادمة.

حلول حكومية
وتنوي الحكومة، بحسب تصريحات متطابقة لمسؤولين في الوزارات الاقتصادية، تفعيل قانون الشراكة بين القطاعين الخاص والعام الذي تم إقراره منذ سنة 2017، من أجل تحفيز المتعاملين الاقتصاديين على التوجه نحو المحافظات الداخلية في إطار شراكات مع الدولة لتنفيذ المشاريع العمومية الكبرى.
كذلك أعلن رئيس الوزراء التونسي في تصريحات صحافية، أخيراً، أن حكومته لن تشتري السلم الاجتماعي بمشاريع غير قابلة للتنفيذ على غرار وعود الحكومات السابقة، مشيرا إلى أن الدولة ستنفذ كل الاتفاقات التي ستوقعها مع المحتجين في الجهات وستستجيب إلى طلبات العاطلين من العمل في حدود الإمكانيات المتاحة .
وتعتزم حكومة المشيشي سداد جزء من ديون الشركات التي نفذت مشاريع حكومية قبل نهاية السنة الحالية، بهدف إعادة تشغيل حركة النمو وتشجيع المقاولين على تنفيذ المشاريع الجديدة المرسمة ضمن الاستثمارات العمومية لسنة 2021.
وانعكس تدهور الاقتصاد في تونس بسبب الجائحة الصحية على الأوضاع المعيشية للمواطنين، وأدى إلى زيادة مستويات البطالة والفقر بشكل ملحوظ. وكشفت دراسة مشتركة بين وزارة الاستثمار وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نسبة البطالة في تونس مرجحة للارتفاع إلى حدود 21 في المائة بنهاية العام الحالي، مقابل 15 في المائة في الربع الثاني من عام 2000، بسبب فقدان أكثر من 274 ألف تونسي لوظائفهم بسبب فيروس كورونا. ورجحت الدراسة، التي تم الكشف عن نتائجها في يونيو/ حزيران الماضي، ارتفاع معدل الفقر إلى 19.2 في المائة بنهاية العام الحالي، من 15.3 في المائة.

المساهمون