استمع إلى الملخص
- يطالب اتحاد الشغل بتعديل الرواتب وفق اتفاقيات تفاوضية، منتقدًا التفرّد الحكومي في اتخاذ القرارات، ويرى أن الزيادات المقترحة غير كافية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
- يعاني التونسيون من ارتفاع معدلات التضخم، ويعتبرون الزيادات الحكومية غير كافية، مع مخاوف من تأجيل الزيادات إلى عام 2027 بسبب نقص الموارد المالية.
لم تكن التطمينات الحكومية بزيادة الرواتب العام القادم كافية لإرضاء النقابات التونسية التي رفعت مجدداً راية الإضرابات احتجاجاً على احتقان الوضع الاجتماعي واستمرار غلق أبواب الحوار بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت في تونس موجة الإضرابات في القطاع الخاص، بينما أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل التوجه نحو تنفيذ إضراب عام شامل تقرر يوم 21 يناير/كانون الثاني 2026.
ونفذ آلاف العمال التونسيين المنتمين إلى قطاعات الصناعات الغذائية والتجارة، أمس الأربعاء، إضرابًا عامًا، احتجاجًا على رفض المشغلين صرف الزيادات في رواتبهم بعنوان العام الحالي، ما أدى إلى توقف العمل في المساحات التجارية الكبرى وتجارة التجزئة والتفصيل، إضافة إلى مصانع العجين الغذائي والمشروبات والمياه والقهوة، إلى جانب توقف جزئي في نشاط الأفران. وقال كاتب عام الجامعة العامة للصناعات الغذائية والسياحة والتجارة والصناعات التقليدية، محمد البركاتي، في حديث مع "العربي الجديد" إن "نسبة الاستجابة للإضراب تراوحت بين 60 و70%، وإن أعلى نسب المشاركة سُجلت في المساحات التجارية الكبرى ومصانع العجين الغذائي".
ويُعدّ مطلب تعديل الرواتب وفق اتفاق مفاوضات بين الحكومة والنقابات المطلب الأساسي الذي يرفعه اتحاد الشغل، حيث انتقدت هيئته الإدارية المنعقدة الأسبوع الماضي ما وصفته بـ "رفض التفاوض والتفرّد بالقرار والهروب إلى الأمام وإقصاء الاتحاد العام التونسي للشغل في كل ما يخص العمال، من خلال تعطيل مجالس الصلح ورفض متابعة النزاعات الشغلية والتلاعب بعقود الشغل".
وقالت الهيئة الإدارية "إن السلطات تعمّدت إدراج بند ضمن قانون الموازنة للعام القادم يتضمّن زيادة فوقية وهزيلة في الأجور من جانب واحد، في سابقة لم تعرفها البلاد من قبل، بهدف نفي الدور النقابي والاجتماعي للاتحاد واحتكار الملف الاجتماعي".
ويتهم اتحاد الشغل السلطة بمحاولة "الهيمنة وبسط النفوذ والتحكّم السلطوي في حقوق العمال الاقتصادية والاجتماعية وتسييرها وفق مصالح رأس المال وقوى الريع الناهبة لعرق العمال".
وقد أدرجت الحكومة، ضمن مشروع قانون الموازنة، بنداً يتعلق بزيادة الرواتب وجرايات "معاشات" المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028، سيجري تحديد قيمتها بموجب أمر حكومي يصدر بعد المصادقة على قانون الموازنة ودخوله حيّز التنفيذ. وجرايات المتقاعدين هي مبالغ مالية تُدفع للمؤمن عليهم بعد بلوغ سن التقاعد أو بسبب العجز.
لكن الخبير الاقتصادي لدى قسم الدراسات التابع للاتحاد العام التونسي للشغل، عبد الرحمان اللاحقة، أشار إلى أن موازنة الدولة للعام القادم 2026 لم تتضمن إجراءات واضحة في قطاعي الصحة والتعليم أو في دعم الفئات الهشة، ما يجعل مشروع المالية أشبه بوثيقة يومية لتسيير المالية العمومية، وليس رؤية للخروج من الأزمة، وفق تصريحه لـ "العربي الجديد".
وبسبب هشاشة الوضع الاجتماعي والصعوبات المعيشية التي تعانيها الأسر، حاول برلمان تونس فرض زيادات لا تقل عن 7% في الأجور تنسحب على القطاعين العام والخاص، غير أن المقترح الذي تقدم به عدد من النواب سقط في اختبار التصويت عليه في الجلسة العامة.
ووفق تقديرات خبراء الاقتصاد وأعضاء من البرلمان، لن تتجاوز الزيادة المتوقعة في رواتب الموظفين 4%، خاصة في ظل غياب المفاوضات الاجتماعية.
ويعتبر طيف واسع من التونسيين أن نِسب الزيادات الضعيفة التي تقرها الحكومة لم تعد كافية لتوفير الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية مقارنة بموجات الغلاء المتصاعدة وزيادة النفقات العامة للخدمات والدراسة والصحة.
وتقول التونسية سميرة المعافي (55 عاماً)، إن الزيادة المتوقعة بـ 60 ديناراً (21 دولاراً) على الأكثر في مرتبها لا تكفي لسداد مقابل الدروس الخصوصية التي تدفعها لأحد أبنائها.
وأكدت في حديثها لـ "العربي الجديد" أن الزيادات التي تُصرف سنوياً في الرواتب لا تترك أي أثر ولا تساعد على تحسين الواقع المعيشي للمواطنين الذين يلجؤون للتداين لتوفير نفقاتهم اليومية. وأضافت: "يحتاج التونسيون إلى زيادة لا تقل عن 25% في رواتبهم لمواجهة تراكمات الغلاء لسنوات عديدة".
وعلى مدى عقود، يشارك الاتحاد العام التونسي للشغل في تحديد نِسب الزيادات في الأجور عبر مفاوضات اجتماعية مفتوحة مع الحكومة تستمر لأشهر لتفضي في النهاية إلى توقيع اتفاق يتضمن تعديلات في الرواتب والمسائل المهنية. وعادة ما يطالب اتحاد الشغل بزيادة لا تقل نسبتها عن معدل التضخم لثلاثة سنوات.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، سجلت تونس أعلى مستويات التضخم تاريخياً ببلوغه 10.4% في شهر فبراير/شباط 2023 قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى نسبة 4.9%، وهي أدنى نسبة تسجلها البلاد منذ أربع سنوات.
ويرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن التونسيين لا يشعرون بتأثير تراجع التضخم على حياتهم اليومية، مؤكداً أن نسبة التضخم المالي الحقيقية والتي يحس بها المواطن التونسي لا تقل عن 15%.
وقال الشكندالي في تصريح لـ "العربي الجديد"، إن نسبة التضخم المعلنة من طرف المعهد الوطني للإحصاء تشمل فقط سلة المواد الضرورية من لحوم وأسماك وخضروات وغلال.
وأكد الخبير الاقتصادي أن الموارد التي خصصتها الحكومة للزيادات في الرواتب العام القادم لا تتجاوز 900 مليون دينار (310 ملايين دولار)، وهي موارد لا تسمح حتى بزيادة بـ 5.4% وهي نسبة التضخم المالي للسنة الحالية، وفق قوله.
ويعتبر المتحدث أن عدم تحديد الحكومة نسبة الزيادة في الأجور ضمن قانون الموازنة بشكل واضح لا يلزم الدولة في شيء، وليس مستبعداً أن تضطر السلطات إلى تأجيل هذه الزيادة إلى عام 2027 إذا كانت التوازنات المالية لا تسمح بهذه الزيادة.
وتابع: "في غياب مفاوضات اجتماعية، لا أحد يمكن أن يلزم الدولة برفع الأجور، وقد تتذرّع وزارة المالية في الأخير بالتوازنات المالية وعدم القدرة على الالتزام بالزيادة".
ومنذ توقيع اتفاق الزيادة في أجور الموظفين في سبتمبر/أيلول 2022، أغلقت الحكومة باب المطالب أمام النقابات، كما علّقت تنفيذ اتفاقيات ذات مفعول مالي. وكانت الحكومة التونسية قد توصلت حينها إلى اتفاق مع الاتحاد العام للشغل لزيادة أجور القطاع العام بنسبة 3.5%، يغطي سنوات 2023 و2024 و2025.