تونس: أزمة الكهرباء تنعش سوق المولدات... والمؤسسات تتكبد خسائر كبيرة

19 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
ارتفاع قيمة فواتير كهرباء تونس يفاقم معاناة المواطنين، القيروان، 18 يوليو 2019 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تأثير أزمة الكهرباء على المؤسسات: تعاني المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس من خسائر كبيرة بسبب انقطاعات الكهرباء المتكررة، مما يؤدي إلى تلف المنتجات وتعطل الإنتاج وارتفاع كلفة التشغيل، خاصة في القطاعات التي تعتمد على سلسلة التبريد والكهرباء بشكل متواصل.

- انتعاش سوق المولدات الكهربائية: شهدت تجارة المولدات الكهربائية انتعاشاً ملحوظاً نتيجة لأزمة الكهرباء، حيث زاد الطلب عليها وارتفعت أسعارها، مما يعكس محاولات المؤسسات للتكيف مع الأزمة وتقليل الخسائر.

- التحديات الاقتصادية والحوكمة: تعكس أزمة الكهرباء ضعف الحوكمة وسوء التخطيط في قطاع الطاقة في تونس، مما يفاقم الأزمة المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز ويؤثر سلباً على المؤسسات الاقتصادية.

تضرب أزمة الكهرباء قلب المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس، التي تمثل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي في البلاد. ومع تكرار انقطاعات التيار خلال موجة الحر وارتفاع الطلب على الطاقة، وجدت مئات المؤسسات نفسها أمام خسائر مباشرة تمثلت في تلف المنتجات، وتعطل الإنتاج، وارتفاع كلفة التشغيل. وتلجأ الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تطبيق القطع الدوري للتيار الكهربائي لساعات في عدد من المحافظات بهدف تخفيف الضغط على الأحمال الكهربائية وتفادي الأعطال التي قد تؤدي إلى انقطاع واسع للتيار. وأعلنت منظمات وجمعيات مهنية وصناعية تسجيل أضرار وخسائر كبيرة في أنشطتها نتيجة الانقطاعات المتكررة للكهرباء وانخفاض جهد التيار، ولا سيما في القطاعات التي تعتمد على سلسلة التبريد أو على الكهرباء بشكل متواصل، مثل مربي الدواجن، والقصابين، ومحلات بيع المواد الغذائية، وشركات تعليب وتصدير المنتجات البحرية، إلى جانب عشرات الورشات الصناعية الصغيرة التي تعمل بعدادات الجهد العالي.

خسائر كبيرة

وقال رئيس الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، عبد الرزاق حواص، إن المهنيين يبلغون يومياً عن خسائر كبيرة تتكبدها المؤسسات الصغرى والمتوسطة نتيجة أزمة الكهرباء وضعف الاستعداد لمجابهة ارتفاع الطلب خلال فصل الصيف. وأكد حواص لـ"العربي الجديد" أنّ انقطاع الكهرباء أدى إلى اضطراب أنظمة التهوية والتبريد داخل ضيعات تربية الدواجن، وهو ما يهدد سلامة الطيور، خاصة مع درجات الحرارة القياسية، وأدى إلى نفوق كميات كبيرة منها، بما قد يؤثر لاحقاً في سلسلة الإنتاج وإمدادات السوق والأسعار. وأضاف: "كما طاولت الأزمة القصابين، إذ أدى تعطل أجهزة التبريد إلى فساد اللحوم، ما اضطر العديد منهم إلى بيعها بأسعار تقل عن كلفتها قبل أن تتلف بالكامل، في محاولة لتقليص حجم الخسائر".

وأشار إلى أن ساعات قليلة من انقطاع الكهرباء تكفي لإرباك نشاط محلات الجزارة، خصوصاً خلال فصل الصيف، بينما يصبح تشغيل المولدات الخاصة خياراً مكلفاً بسبب ارتفاع أسعار المحروقات. وأوضح أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على القصابين، بل تشمل أيضاً محلات المواد الغذائية التي تعتمد على المبردات لحفظ الحليب ومشتقاته والمجمدات والعصائر، حيث تعرضت كميات من السلع إلى التلف، فيما اضطر أصحاب المحلات إلى التخلص من منتجات لم تعد صالحة للاستهلاك.

كما تكبدت المؤسسات الصناعية الصغرى والمتوسطة، خاصة المرتبطة بعدادات الجهد العالي، خسائر كبيرة نتيجة التوقف المفاجئ لخطوط الإنتاج. وسجلت الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة شكاوى من ورشات للصناعات الغذائية والبلاستيكية والميكانيكية، أكدت أن إعادة تشغيل المعدات بعد كل انقطاع تستغرق وقتاً وتستهلك كميات إضافية من الطاقة، فضلاً عن تعرض بعض الآلات الحساسة للأعطال وتأخر تنفيذ الطلبيات.
بدورها، واجهت شركات تعليب وتصدير المنتجات البحرية تحديات إضافية، إذ تعتمد هذه المؤسسات على سلسلة تبريد لا يجوز أن تنقطع حفاظاً على جودة المنتجات الموجهة للتصدير. وفي المقابل، خلقت أزمة الكهرباء سوقاً جديدة للمولدات الكهربائية، التي شهدت طلباً متزايداً من أصحاب المؤسسات والمحلات التجارية.

انتعاش تجارة المولدات

وقال رئيس الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة إن الأزمة حركت الطلب على المولدات الكهربائية في وقت قياسي، بالتوازي مع تسجيل زيادات في أسعارها نتيجة ارتفاع الطلب. وأضاف: "انتعشت تجارة المولدات المستعملة، بينما اتجهت بعض المؤسسات إلى اقتناء مولدات كبيرة رغم كلفتها المرتفعة، باعتبارها أقل خسارة من توقف النشاط". وتشكل المؤسسات الصغرى والمتوسطة أكثر من 90% من المؤسسات الاقتصادية في تونس، وتؤمن الجزء الأكبر من مواطن الشغل في القطاع الخاص، كما تساهم بنسبة مهمة في الناتج المحلي الإجمالي والاستثمار المحلي. ويرى خبراء اقتصاديون أن تكرار اضطرابات التزود بالكهرباء لا يقتصر أثره على الخسائر المباشرة، بل يمس مناخ الاستثمار كله، إذ تصبح المؤسسات أقل قدرة على الالتزام بمواعيد الإنتاج والتسليم، بينما تتراجع جاذبية البلاد لاستقطاب الاستثمارات الصناعية.

وقال أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا شكندالي إنّ أزمة الكهرباء تعكس ضعف الحوكمة في القطاع وسوء التخطيط لتحسين الإنتاج ومجابهة الطلب المرتفع، ما يؤدي إلى انقطاعات متكررة وأعطال في الشبكة تؤثر في حياة المواطنين وتضعف أداء المؤسسات الاقتصادية. وأكد شكندالي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز حصلت على العديد من القروض بضمانات الدولة، لكنها لم توجه إلى تحسين البنية التحتية أو توسيع طاقات الإنتاج. وأضاف أن القروض التي تحصلت عليها الشركة تمثل مجرد مسكن مؤقت لتوفير السيولة اليومية وسداد ديون متراكمة، إضافة إلى تمويل واردات الغاز من الجزائر بالعملة الصعبة لتجنب انقطاع شامل للتيار الكهربائي. واعتبر أن استمرار الاقتراض لتغطية النفقات التشغيلية اليومية يدخل الاقتصاد التونسي في حلقة مفرغة من الاستدانة، ويقود إلى تفاقم الأزمة المالية للشركة، بما ينعكس سلباً على المؤسسات الاقتصادية.

من جانبه، أعرب اتحاد الصناعات الصغرى والمتوسطة عن انشغاله بتداعيات الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي التي شهدتها المناطق الصناعية خلال الأيام الأخيرة، مؤكداً أنها سبَّبت اضطرابات متزايدة أثرت في سير النشاط الاقتصادي، ولا سيما بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني والتشغيل والاستثمار. أوضح الاتحاد، في بيان، أول أمس الجمعة، أن الانقطاعات أدت إلى تعطل خطوط الإنتاج، وتوقف الآلات، وضياع ساعات عمل مدفوعة الأجر من دون مردودية، فضلاً عن إتلاف جزء من المواد الأولية والمنتجات نصف المصنعة، وارتفاع كلفة إعادة تشغيل المعدات. وأضاف أن هذه الاضطرابات سبَّبت كذلك تأخير إنجاز الطلبيات وعدم احترام آجال التسليم، ما انعكس سلباً على ثقة المستهلكين في الأسواق المحلية والخارجية، وأضعف القدرة التنافسية للمؤسسات التونسية، خاصة الموجهة للتصدير. ودعا الاتحاد إلى إعداد ونشر برنامج مسبق وواضح للانقطاعات الكهربائية يتضمن مواعيد دقيقة، بما يسمح للمؤسسات الصناعية بتنظيم عمليات الإنتاج، وحماية تجهيزاتها، والوفاء بالتزاماتها التعاقدية.