تورّط مصارف عربية بوثائق "فنسن" للأموال المشبوهة... وتراجع حاد لسهم "أتش.أس.بي.سي"

22 سبتمبر 2020
الصورة
مصرف أتش أس بي سي تحوم حوله شبهات كثيرة (Getty)
+ الخط -

بدأت تفاصيل تورط المصارف التجارية الكبرى في العالم بتحويل أموال مشبوهة لشبكات فساد وغسل أموال من دون التحقق من مصادرها تظهر تدريجياً مع التنقيب في الوثائق المسربة من شبكة تتبع الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأميركية والتي تعرف اختصاراً باسم " فنسن".

وتقدر مصادر "بزفيد نيوز"، التي تنقب في الوثائق، بمشاركة 400 صحافي استقصائي من العالم، حجم الأموال المشبوهة التي حولتها المصارف التجارية بين 2012 و2017 بنحو تريليوني دولار. ومن المتوقع أن تجري سلطات المال في العواصم الغربية تحقيقات واسعة بعد تكشّف التفاصيل الكاملة لتحويلات الأموال المشبوهة. 

وحتى الآن تركزت التهم حول خمسة مصارف كبرى، وهي مصرف "جي بي مورغان" الأميركي، ومصرف "أتش.أس.بي.سي" البريطاني، و"ستاندرد تشارترد" البريطاني، و"دويتشه بنك" الألماني، و"بنك نيويورك مالون" الأميركي، ولكن الوثائق كشفت كذلك عن مصارف عربية.

وكشفت الوثائق حتى الآن أن مصرف " أتش أس بي سي" البريطاني ساعد في تحويلات لمحتال استثماري قيمتها 80 مليون دولار، كما بينت أن بنك "ستاندرد تشارترد" حوّل ما يقرب من 12 مليون دولار  من المدفوعات إلى البنك العربي الأردني، بين عامي 2014 و2016. كما أنّه قدم في عام 2016 تقريراً إلى السلطات ينبّه فيه إلى اشتباهه في 900 معاملة مشبوهة تتم تحت ستار الأعمال الخيرية.

وفي بريطانيا دعا وزير الظل لشؤون الخزانة البريطانية، النائب العمالي بات ماكفادن، أمس الثلاثاء، الحكومة البريطانية إلى التحقيق في تهم الجرائم المالية الموجهة للبنوك البريطانية. 

وقال ماكفادن في هذا الشأن، إن "سمعة لندن ومكانتها كمركز مالي ستضعف إذا ثبت أنها استخدمت في جرائم غسل الأموال، وبالتالي يجب على سلطات الرقابة المالية والحكومة أن تجري تحقيقاً حول هذه التهم".

كما كشف تحقيق أجرته بي بي سي البريطانية، أن الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش يسيطر على شركات تبرعت بمبلغ يقدر بـ100 مليون دولار لجمعية استيطانية إسرائيلية، وهي جمعية إلعاد الاستيطانية التي تعمل في القدس الشرقية المحتلة. 

وتنتهك دولة الاحتلال القانون الدولي بسماحها بالنشاطات الاستيطانية في المناطق المحتلة. وبعد فحص التقارير البنكية المسربة، اتضح أن رئيس نادي تشلسي لكرة القدم، أبراموفيتش، هو أحد أكبر المانحين إلى جمعية إلعاد التي تدير معلم "مدينة داود"، حسب التسمية الصهيونية في سلوان، إضافة إلى مناطق أثرية أخرى والتي يزورها ملايين السياح كل عام. 

كما كشفت الوثائق تورط مصرف كومنويلث الأسترالي ومجموعة "ماكغوير غروب" الأسترالية التي سمحت بتحويل أموال مشبوهة داخل أستراليا وخارجها تقدر قيمتها بنحو 167 مليون دولار. ومن المتوقع أن تجري السلطات المالية في أستراليا تحقيقاً حول هذه التحويلات بعد اكتمال الحقائق حول التحويلات المالية المشبوهة. 

وحتى الآن ضربت التهم بقوة سعر سهم "أتش أس بي سي"، الذي تراجع إلى أدنى مستوى له في 22 عاماً، إذ تراجع سعره في التعاملات الصباحية ببورصة لندن نحو 13.8 بنساً أو نحو 4.5% من قيمته، إلى 290.2 بنسا. وبهذا التراجع يكون سهم المصرف البريطاني الأضخم قد خسر 50% من قيمته خلال العام الجاري. 

كما أثرت التسريبات على مؤشر البورصة البريطانية "فوتسي 100" التي تراجعت بنسبة 170.74 نقطة أو بنحو 2.84% في التعاملات الصباحية، إلى 5836.58 نقطة. يُذكر أن بنك "أتش أس بي سي" طلب، أمس، من موظفيه التوقف عن النشر عبر كل حسابات التواصل الاجتماعي التابعة للمصرف، باستثناء الرد على العملاء بشأن الخدمات المصرفية، لتجنب ردود فعل سلبية بعد تسريبات التورط في أنشطة مالية مشبوهة.

أمّا بنك "ستاندرد تشارترد"، فأعلن أنه يحمل عملية مكافحة الجرائم المالية على محمل الجد، وقال إن لديه ما يقرب من ألفي موظف يراقبون المعاملات المشبوهة، وقد راقبوا في العام الماضي أكثر من 1.2 مليار معاملة بحثًا عن نشاط مشبوه محتمل.

على صعيد البنك العربي الأردني، الذي يتردد اسمه في التسريبات، يذكر أن هيئة المحلفين الأميركية وجدت أنه في عام 2014، قدم عن علم خدمات مصرفية لأعضاء في حركة "حماس" في أوائل عام 2000، بيد أن الحكم ألغي في وقت لاحق، لكن في عام 2015 توصل البنك إلى تسوية مع 597 من أقارب قتلى سقطوا في هجمات نفذتها الحركة داخل دولة الاحتلال، بحسب ما أوردت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، الثلاثاء، وبالتالي طوى هذه القضية القانونية التي استمرت أكثر من 10 سنوات. وفي رده على الوثائق المسربة، قال البنك العربي إنه "يمقت الإرهاب ولا يدعم أو يشجع الأنشطة الإرهابية".

كذلك قال إنه لم يتم إخطاره بأي مخاوف بشأن المعاملات التي تتم تسويتها مع عملائه على الإطلاق، لافتاً إلى أنّ الحسابات أو المعاملات التي تتم معالجتها من قبل البنك لم تنتهك قوانين مكافحة الإرهاب. وتأسس البنك العربي في عام 1930، ويمتلك إحدى أكبر الشبكات المصرفية العربية العالمية، والتي تضم ما يزيد عن 600 فرع موزعة على خمس قارات. 

وفي عام 2005، وبعد تحقيق من قبل منظمي الإجراءات المصرفية، مُنع البنك العربي من إتمام أي مدفوعات بالدولار، كما تم تغريمه بـ24 مليون دولار لفشله في توفير الحماية الكافية من عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة بشكل صحيح.

وتظهر "ملفات فنسن" أن بنك ستاندرد تشارترد بدأ تحقيقًا في المدفوعات بالدولار، التي عالجها لصالح البنك العربي بعد بدء محاكمة عام 2014. وفي أوائل عام 2016، أصدر بنك "ستاندرد تشارترد" تقريراً عن " الأنشطة المشبوهة" نبه فيه السلطات إلى الحالات المحتملة للنشاط الإجرامي، مثل غسل الأموال أو تمويل الإرهاب. 

وسلط هذا التقرير الضوء على أكثر من 900 دفعة، يعتقد مصرف "ستاندرد تشارترد" أنها كانت تخدم أنشطة غير مشروعة تحت ستار الأعمال الخيرية. ووفق مراجعة "ستاندرد تشارترد"، تم تصنيف المدفوعات على أنها "جمعيات خيرية" أو "تبرعات" أو "دعم" أو "هدايا"، بيد أنّه تبيّن أنّ الغالبية العظمى منها تم تقديمها بواسطة أفراد لا يمكن التحقق منهم في المجال العام. 

إلى ذلك، أثارت مدفوعات أخرى إنذارات تحتمل ارتباطها بالإرهاب. ويبدو أن بعضها كان موجهاً إلى رعايا معينين ممن كانوا خاضعين للعقوبات الأميركية. وبحسب التقرير، أدّت المدفوعات المشبوهة إلى قطع فرع "ستاندرد تشارترد" في نيويورك علاقته مع البنك العربي في عام 2016.

ومن المتوقع أن يكشف التنقيب في الوثائق عن العديد من المعاملات التي جرت تحت ستار شركات وهمية لصالح عصابات جرائم المخدرات والجريمة المنظمة في العالم، وهي شبيهة بوثائق بنما، التي تم تسريبها قبل ثلاثة أعوام، وبلغ عددها 11.5 مليون وثيقة سرية لشركة موساك فونسيكا للخدمات القانونية في بنما. 

وكشف تسريب تلك الوثائق، عبر عمل صحافي استقصائي، أن شركة موساك فونسيكا تقدم خدمات تتعلق بالحسابات الخارجية لرؤساء الدول وشخصيات عامة وسياسية أخرى، بالإضافة إلى أشخاص بارزين في الأعمال والشؤون المالية والرياضية. 

ومن المتوقع أن تكشف وثائق هيئة تتبع الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الكيفية التي تسمح لهذه البنوك المتهمة بنقل الأموال القذرة في جميع أنحاء العالم. كما من المتوقع أن تظهر الكيفية التي تستخدم بها شبكات الجرائم المالية مراكز المال العالمية ومصارفها في غسل الأموال وتفادي نظم المراقبة داخل المصارف التجارية. وكانت شبكات غسل أموال روسية قد استغلت قبل عامين مصرفاً دنماركياً في تحويل مليارات الدولارات المشبوهة.