توجه لخفض أسعار الفائدة الأميركية للمرة الثالثة
استمع إلى الملخص
- الانقسامات داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة تتزايد، حيث يختلف الأعضاء بين دعم خفض إضافي لدعم سوق العمل والخشية من التضخم، مما يفاقم الخلافات حول تحديد مستوى الفائدة المحايد.
- مع اقتراب نهاية ولاية جيروم باول، يسعى للحفاظ على التماسك داخل اللجنة، متوقعاً صياغة قرارات بلغة حذرة لطمأنة الأسواق في ظل بيئة نقدية غير مستقرة.
يتجه مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي نحو إقرار خفض ثالث متتالٍ للفائدة هذا الأسبوع، رغم توسّع الانقسام داخل المجلس الذي يعكس مرحلة شديدة الحساسية للمؤسسة النقدية الأكثر تأثيراً في العالم، وتكشف عن التحديات المتزايدة التي يواجهها جيروم باول في جمع الأصوات المؤيدة داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، ما يمهّد لاختبارات أكثر تعقيداً بانتظار رئيس الفيدرالي المقبل.
فخلال العام الجاري، جاءت جميع قرارات الخفض مصحوبة بأصوات معارضة، ومن المتوقع أن يكرر ثلاثة من صانعي السياسة هذا الموقف في الاجتماع الأخير لعام 2025، ما يعكس اتساع الفجوة في تقدير مستوى الفائدة الحيادي وسط اقتصاد يعاني تضارباً واضحاً بين تباطؤ سوق العمل واستمرار الضغوط التضخمية.
ورغم أن باول نجح لسنوات في إدارة الفيدرالي بروح توافقية نادرة، فإن الانقسامات داخل اللجنة باتت سمة بارزة، مع انقسام الأعضاء بين تيار يدعو إلى خفض إضافي لدعم سوق العمل، وآخر يخشى أن يكون التضخم أكثر تصلباً مما تشير إليه البيانات الحالية. ويتفق مسؤولو الاحتياط الفيدرالي، بوجه عام، على ضرورة خفض أسعار الفائدة إلى مستوى محايد، أي مستوى لا يُشكل ضغطاً على الاقتصاد ولا يُحفّزه بشكل مفرط. لكن الخلاف يدور حول تحديد هذا المستوى بدقة، وهو ما يُفاقم الانقسامات داخل لجنة السياسة النقدية.
وقال مارك جيانوني، كبير الاقتصاديين الأميركيين في باركليز كابيتال والمدير السابق للأبحاث في الاحتياط الفيدرالي في دالاس: "هذه هي طبيعة العمل المصرفي المركزي؛ فمن الصعب للغاية، في هذه المرحلة، تحديد ما إذا كانت السياسة النقدية الحالية محايدة أم توسعية أم تقييدية بالفعل". وخلال الأسابيع الستة الماضية، تباينت توقعات السوق بين تثبيت الفائدة أو خفضها، قبل أن تميل الكفة نحو قرار التيسير النقدي بعد تصريحات لمسؤولين بارزين مقربين من باول، لمّحوا إلى استعدادهم لدعم خطوة خفض جديدة.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، سيكون هذا الاجتماع الرابع على التوالي الذي يشهد اعتراضات داخل اللجنة، ليرتفع عدد الأصوات المعارضة إلى ثمانية خلال فترة قصيرة، مقارنةً بعدد مماثل فقط خلال 47 اجتماعاً سبقت هذه المرحلة. ويرى مراقبون أن هذا الانقسام مرشح للتفاقم مع اقتراب الرئيس دونالد ترامب من تعيين رئيس جديد للفيدرالي، إذ يدفع ترامب باتجاه معدلات فائدة أدنى بكثير، وهو ما قد يواجه رفضاً من أعضاء قلقين من تصاعد الضغوط السعرية.
ويبرز اسم كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني والمستشار المقرب من ترامب، أبرزَ المرشحين لخلافة جيروم باول عند انتهاء ولايته في مايو/أيار المقبل. ويرى هاسيت أن الطفرة الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تسمح بخفض الفائدة من دون إشعال التضخم، على غرار ما حدث خلال ثورة الإنترنت في التسعينيات.
غير أن معظم أعضاء اللجنة لا يشاركونه هذا التفاؤل؛ إذ تشير توقعاتهم، المنشورة في سبتمبر/أيلول الماضي، إلى خفض واحد فقط في عام 2026 وآخر في 2027. وتتباين مواقف أعضاء الفيدرالي تبعاً للبيانات الاقتصادية الأخيرة؛ فمؤيدو الخفض يستشهدون بـتدهور سوق العمل، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 4.4% وتسريح الشركات 32 ألف موظف في نوفمبر/تشرين الثاني، في أكبر تراجع وظيفي منذ ثلاث سنوات.
في المقابل، يرى المتحفظون أن التضخم لا يزال بعيداً عن مستهدف 2%، مع ارتفاع مؤشر الأسعار المفضل للفيدرالي بنسبة 2.8% خلال عام حتى سبتمبر/أيلول، إضافة إلى مخاوف من أن تؤدي السياسة الضريبية الجديدة والإصلاحات التنظيمية إلى تحفيز النشاط الاقتصادي وزيادة الضغوط السعرية.
ومن المتوقع أن يصوغ الفيدرالي قراره المقبل بلغة حذرة أو متشددة، في محاولة لامتصاص اعتراضات الصقور وطمأنة الأسواق إلى أن دورة الخفض لن تكون مفتوحة. ويرى محللون أن جيروم باول، رغم اقتراب نهاية ولايته، لا يزال يمتلك رصيداً سياسياً كبيراً يمكّنه من الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك داخل اللجنة خلال الأشهر المقبلة، وسط بيئة نقدية تتجه نحو مزيد من الانقسام وعدم اليقين.