"توتال" تحذر الأوروبيين من الاعتماد على الغاز الطبيعي الأميركي
استمع إلى الملخص
- بعد غزو روسيا لأوكرانيا، توقفت تدفقات الغاز الروسي، مما دفع أوروبا للاعتماد بنسبة 40% على الغاز الأميركي، ما يضعها أمام تحديات استراتيجية تتعلق بتقلبات السوق الأميركية.
- تواجه أوروبا مخاطر التبعية للغاز الأميركي وتسعى لتنويع إمداداتها عبر عقود طويلة الأجل مع قطر واستثمارات في الطاقة المتجددة والهيدروجين لضمان أمان طاقي مستدام.
قال الرئيس التنفيذي لشركة "توتال"، باتريك بويانيه، إن على الدول الأوروبية أن تتجنب الاعتماد المفرط على واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة بينما تستعد لمزيد من خفض الإمدادات القادمة من روسيا. وقال بويانيه في مقابلة مع قناة LCI يوم الأربعاء إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "يسعى بطريقة ما إلى استبدال الاعتماد على روسيا باعتماد على الولايات المتحدة" بينما تبحث أوروبا عن مصادر للطاقة.
وأضاف أن الولايات المتحدة "تزوّد أوروبا بنحو 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال، وهناك ضغط من الرئيس ترامب لزيادة تلك الحصة، وهو أمر كبير". وقال بويانيه: "إذا كان يدفع باتجاه التخلي عن الغاز الطبيعي المسال الروسي بشكل أسرع، فذلك لأنه يعلم في مكان ما أن ذلك سيرفع الأسعار". وأضاف: "يجب أن نحافظ على تنوّع مصادر إمداداتنا، وفق "بلومبيرغ".
وتُعد "توتال إنرجيز" أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى أوروبا، والتي أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على الشحنات من المورّدين العالميين بعد أن خنقت روسيا تدفقات الغاز عبر الأنابيب إلى القارة عقب غزوها لأوكرانيا في أوائل عام 2022. وقد تبنّى الاتحاد الأوروبي مؤخراً حزمة جديدة من العقوبات ضد روسيا، تتضمن حظرًا على واردات الغاز الطبيعي المسال اعتبارًا من عام 2027 - وهو العام الذي من المتوقع أن تبدأ فيه مشاريع جديدة في قطر والولايات المتحدة بالإنتاج - في محاولة لتقويض قدرة موسكو على مواصلة حربها ضد أوكرانيا.
يمثّل سوق الغاز العالمي أحد أكثر أسواق الطاقة حساسية للتغيّرات الجيوسياسية، وقد برز ذلك بوضوح بعد اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية التي دفعت أوروبا إلى إعادة رسم خريطتها الطاقوية بشكل عاجل. فقد كان الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب يشكّل شريانًا رئيسيًّا لإمدادات القارة، ومع توقف الجزء الأكبر من هذه التدفقات منذ 2022، وجدت الدول الأوروبية نفسها أمام سباق لتأمين مصادر بديلة، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي المسال.
الولايات المتحدة، بفضل ثورة الغاز الصخري وتوسّع قدراتها في التسييل، تحوّلت سريعًا إلى أكبر موفّر للغاز المسال إلى أوروبا. ومع ارتفاع أسعار الغاز إلى أعلى مستوياتها في عقود خلال 2022، حققت الشركات الأميركية أرباحًا قياسية، وأصبحت القارة الأوروبية تعتمد اليوم على الولايات المتحدة بما يعادل 40% من وارداتها من الغاز المسال.
غير أن هذا الاعتماد الجديد يضع أوروبا أمام تحديات استراتيجية، أبرزها: تقلبات السوق الأميركية حيث تؤثر عوامل داخلية، مثل موجات البرد، وارتفاع الطلب المحلي، وقرارات تنظيمية في واشنطن، على حجم الصادرات. أي تراجع في الإمدادات الأميركية سيضع أوروبا في وضع هشّ خلال الشتاء أو عند ارتفاع الطلب العالمي. التنافس مع آسيا، تمثّل دول شرق آسيا، خاصة الصين واليابان وكوريا الجنوبية، مستهلكًا رئيسيًّا للغاز المسال، وغالبًا ما تكون مستعدة لدفع أسعار أعلى في فترات الشح، ما يدفع الشحنات بعيدًا عن أوروبا.
تقلبات السياسة الأميركية، مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، يخشى الأوروبيون من أن تصبح الطاقة ورقة ضغط سياسية واقتصادية، سواء عبر فرض رسوم أو تعديل سياسات التصدير أو الضغط لشراء المزيد من الغاز الأميركي على حساب بدائل أخرى. بالإضافة إلى مخاوف طويلة الأمد بشأن الأسعار، التحوّل السريع من الغاز الروسي الأرخص إلى الغاز المسال الأعلى كلفة أدى إلى زيادة فاتورة الطاقة في أوروبا، وتباطؤ بعض القطاعات الصناعية.
التبعية للغاز الأميركي قد تبقي الأسعار مرتفعة على المدى المتوسط. وأخيراً، بدائل قيد التطوير، حيث يحاول الاتحاد الأوروبي تنويع إمداداته عبر، توسيع عقود الغاز طويلة الأجل مع قطر، واستثمارات في الطاقة المتجددة والهيدروجين، وتعزيز شبكات الربط الكهربائي وزيادة تخزين الغاز. لكن هذه البدائل تحتاج إلى سنوات لتوفير أمان طاقي مستدام.
تحذير بويانيه يعكس مخاوف أوروبية أعمق: فالقارة التي حاولت التخلص من إرث التبعية للغاز الروسي تواجه اليوم خطر الوقوع في تبعية جديدة للغاز الأميركي، في سوق عالمي يتسم بالتقلب والتنافس. وبين ضغوط واشنطن وقيود العقوبات على موسكو وصعود الطلب الآسيوي، تبدو أوروبا مضطرة إلى صياغة استراتيجية طاقة أكثر توازناً تضمن أمن الإمدادات وتمنع استغلالها اقتصاديًّا أو سياسيًّا. وفي ظل التحوّل العالمي نحو الطاقة النظيفة، يصبح تنويع المصادر وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مفتاح الاستقلالية على المدى الطويل.