تمويل حروب المليشيا من جيوب السودانيين... ثروات مقابل الرصاص
استمع إلى الملخص
- تجذب الميزانيات الضخمة المخصصة لقوات الدعم السريع آلاف الشباب العاطلين عن العمل، مما يساهم في تراكم ثروات ضخمة لقادة المليشيا وارتفاع معدلات الفقر المدقع في السودان.
- تسيطر المليشيا على الموارد الطبيعية مثل الذهب والصمغ العربي، وتشارك في أنشطة تجارية مثل تجارة الإبل، مما يؤثر سلباً على إيرادات البلاد.
لم يكن في حسابات السودانيين أن تتحول موارد بلادهم إلى نقمة تلقي بظلالها على المشهد الداخلي، تروح ضحيتها أرواح عديدة بسبب الحروب التي تشنها مليشيا الدعم السريع، بالإضافة إلى تدخل جهات خارجية تسعى إلى الحصول على الثروات مقابل إمداد المسلحين بالرصاص وأدوات الحرب.
وفي ظل الاحتياجات المالية المتوقعة للإنفاق على الحرب وصرف رواتب عشرات الآلاف من الجنود، اتجهت المليشيا إلى الاعتماد على التمويل الخارجي والداخلي من أجل مواصلة معاركها ضد الجيش السوداني.
تجارة المخدرات
في هذا السياق، يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية حامد التجاني إن مليشيا الدعم السريع تموّل نفسها بأنشطة عديدة خارجة عن القانون، مثل تجارة المخدرات والتهريب والاتجار بالبشر والنهب وغيرها من الجرائم. وأوضح التجاني أن "الدعم السريع" تُشرف على تجارة المخدرات التي تمتد من السودان إلى ليبيا ودول أخرى، علاوة على انتزاع الأراضي الزراعية الخصبة من ملاكها الأصليين في دارفور واستغلالها في أنشطة زراعية واستثمارية مثل منطقة الزرق بشمال دارفور.
ويمضي إلى القول إن "الدعم السريع، بخلاف ما يُشاع عن محاربتها الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، فإن قياداتها متورطة أيضاً في تجارة البشر عبر الحدود مع ليبيا".
الهجرة غير الشرعية
اتُهم الاتحاد الأوروبي مراراً وتكراراً بتمويل قوات الدعم السريع، وينفي الاتحاد الأوروبي هذا الدعم. وبرز الدعم الأوروبي لقوات الدعم السريع عندما اكتشف الصحافيون في عام 2016 أن الاتحاد الأوروبي خطط لتوفير التدريب والمعدات، وشمل التدريب قوات الدعم السريع على حقوق الإنسان والمساعدة في كشف المهاجرين وتحديد هويتهم والتدريب على استخدام الأسلحة النارية.
يقول أحد المهتمين بشؤون الهجرة، الأكاديمي محمد صالح البشرى، لـ"العربي الجديد"، إن المليشيا أصبحت تتلقى الأموال من عدة دول، بما فيها ليبيا، لتأمين طريق الهجرة غير الشرعية إلى ليبيا وأوروبا، ولكن من الواضح أن هذه المليشيا بدأت أيضاً في استغلال المهاجرين غير الشرعيين بابتزازهم. ويضيف: "هذا يعني أن المليشيا أصبحت تأخذ الأموال من الاتحاد الأوروبي ومن المهاجرين في آن واحد".
كانت الأجهزة الحكومية الرسمية في السودان تتكتم عادة عن الكشف عن الحجم الحقيقي وأرقام الميزانيات المخصصة لقطاع الأمن والدفاع، وبينها "الدعم السريع"، لكن تقارير كشفت أن ميزانية العام 2017 رصدت 3.2 مليارات جنيه لمليشيات الدعم السريع، أي ما يقارب مليار دولار في هذا الوقت، مقابل 4.4 مليارات جنيه لجهاز الأمن والمخابرات على سبيل المثال، من أصل ميزانية الأمن والدفاع التي تستقطع حوالي 70% من مجمل ميزانية الدولة في ظل استمرار الحروب في أطراف البلاد وارتفاع الصرف على حماية النظام.
تجنيد العاطلين عن العمل
يقول الخبير في مجال حقوق الإنسان سليمان بلدو، في تصريحات صحافية سابقة، إن الميزانيات الضخمة المرصودة لتمويل قوات الدعم السريع أصبحت جاذبة للآلاف من الشباب العاطلين عن العمل في السودان الذين شرعوا في الانضمام لها بصورة جماعية، ما دعا القيادات الأهلية التي تنتمي إلى القبائل العربية لاستنفار الشباب للانضمام إلى "الدعم السريع" التي أصبحت في نظر الكثيرين المنقذ الأول لطموحاتهم في إقليم دارفور.
وفي السياق نفسه، يقول أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية في القاهرة حامد التجاني إن مليشيا الدعم السريع بقيادة حميدتي راكمت أموالاً ضخمة من خلال مصادرها المتعددة لتمويل نفسها في ظل غياب المحاسبة والمراجعة المالية من الدولة.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع كارثي في نسبة الفقر المدقع نتيجة النزاع الاقتصادي والنزاع المستمر في السودان، حيث يؤكد البنك الدولي في تقرير صادر منتصف عام 2024 أن الفقر المدقع يشمل 71% من السكان.
عطاءات حكومية وتجارة الإبل
تقول مصادر لـ"العربي الجديد" إن مرحلة الثراء الكبير للمليشيا بدأت بحصولها على عطاءات حكومية في مجالات متعددة، خاصة في ولايات غرب السودان. كما أنها تتمتع باستقلالية كبيرة في التنقيب عن الذهب في جبل عامر الواقع بولاية شمال دارفور، وتم تأسيس شركة الجنيد لإدارة كل الأعمال المتعلقة بالذهب ومجال الطرق.
يقول المواطن إبراهيم الزين، أحد العارفين بالمنطقة، لـ"العربي الجديد"، إنه سبق أن منعت وزارة المعادن السودانية استخدام مادة السيانيد في عمليات التنقيب عن الذهب، إلا أن "الدعم السريع" تستخدم تلك المادة المؤثرة على المواطنين والبيئة دون رقيب، مؤكداً أن جبل عامر ينتج في الشهر الواحد أكثر من طن ذهب.
وتتنوع الإمبراطورية المالية لقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي، بداية من تجارة الإبل وحتى نشاط دخول العربات إلى السودان التي تُسمى "بوكو حرام"، حيث تدخل أكثر من خمسة آلاف سيارة شهرياً تُفرض عليها رسوم من قواته، بجانب تسهيل مرور السودانيين إلى ليبيا برسوم محددة.
وفي مارس/ آذار من العام 2024، اتهم وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم مليشيا الدعم السريع بسرقة 2.7 طن من الذهب وتسعة أطنان من الفضة، بالإضافة إلى 350 مليون دولار. وسبق أن أعلن إبراهيم، في مؤتمر صحافي عقده في مدينة بورتسودان أواخر فبراير/ شباط من العام الماضي، تراجع إيرادات البلاد بنسبة تفوق 80%، نتيجة للتطورات الأخيرة في الحرب التي تجتاح البلاد منذ 15 إبريل/ نيسان الماضي، حيث كشف عن سرقة كمية من الذهب.
وفي مايو/ أيار الماضي، كشفت منظمة العفو الدولية عن رصد أسلحة صينية الصنع لدى قوات الدعم السريع. ورصدت المنظمة قنابل صينية موجهة من طراز جي بي 50 إيه وقذائف إيه إتش-4 من عيار 155 مليمتراً، بالاستناد إلى تحليل صور لمخلفات عُثر عليها بعد هجمات في إقليم دارفور وفي الخرطوم في مارس، بعدما استعاد الجيش السيطرة على العاصمة.
وامتدت أيدي المليشيا إلى الثروات الزراعية لتوفير الأموال لتمويل حروبها، إذ أكدت مصادر في قطاع الصمغ العربي المستخدم ضمن مدخلات إنتاج شركات عالمية عديدة أنّ عمليات تهريبه تتزايد من مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع في السودان. وينتج السودان نحو 80% من إمدادات الصمغ العربي عالمياً، وهي مادة طبيعية تُستخرج من أشجار السنط (الأكاسيا)، وتُستخدم في خلط وتثبيت وتكثيف مكونات تدخل في صناعة منتجات استهلاكية منها مستحضرات تجميل، وأغذية الحيوانات الأليفة، وحلويات شهيرة.
وتسيطر المليشيا التي تخوض حرباً متواصلة مع الجيش السوداني منذ إبريل 2023 على مناطق زراعة الصمغ الرئيسية في كردفان ودارفور في غرب السودان.