تمزيق الجغرافية الاقتصادية الفلسطينية... حواجز إسرائيلية تعرقل النقل والتجارة
- تؤدي الحواجز إلى تغيير خريطة التجارة الداخلية، حيث يضطر التجار لنقل أعمالهم إلى مناطق أقل تعقيداً، مما يفرض تحديات مالية كبيرة.
- القيود الإسرائيلية تعيد توزيع النشاط الاقتصادي وتضعف القدرة التنافسية، حيث وثقت الأمم المتحدة 925 عائقاً للحركة، مما يهدد بانهيار الاقتصاد الفلسطيني.
يغادر نظمي قنديل، وهو صاحب شركة نقل من مدينة نابلس، منزله يومياً قبل ساعات الفجر الأولى، بينما لا تزال المدينة تغط في الظلام. لا يبدأ نظمي يومه بتفقد البضائع أو التواصل مع الزبائن، بل بفتح تطبيقات الخرائط وصفحات الأخبار المحلية لمعرفة مواقع الحواجز العسكرية الإسرائيلية، والبوابات الحديدية المستحدثة، وتحركات جيش الاحتلال والمستوطنين، في محاولة لرسم مسار قد يمكّنه من إيصال شاحناته إلى وجهتها.
يقول قنديل لـ"العربي الجديد": "الطريق أصبح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، نضع خطة للتحرك كل صباح، لكن كثيراً ما تنهار خلال دقائق بسبب إغلاق بوابة أو إقامة حاجز مفاجئ، الأمر مرهق جسدياً ونفسياً ومالياً، وارتفاع تكاليف النقل يتحمله المواطن في النهاية". ويؤكد قنديل أن ساعات الانتظار الطويلة تهدد أحياناً البضائع سريعة التلف مثل المواد الغذائية، رغم استخدام شاحنات مبردة، لافتاً إلى أن رحلة كانت تستغرق ساعة أصبحت تمتد إلى ثلاث أو أربع ساعات، ما رفع تكاليف الوقود والأجور والصيانة إلى مستويات غير مسبوقة.
وضع قنديل يطاول آلاف التجار وأصحاب الشاحنات والمصانع والمزارعين الفلسطينيين. إذ تتفاقم التداعيات القاسية للحواجز والبوابات العسكرية الإسرائيلية المفروضة على مختلف مناطق الضفة الغربية، لتلقي بظلالها الثقيلة على عصب الاقتصاد الفلسطيني وبنيته التحتية. ومع التصاعد المستمر في الخسائر الفادحة التي باتت تطاول قطاعات حيوية كالاستثمار والنقل والتجارة والصناعة، تجد المنشآت الاقتصادية نفسها أمام أزمات غير مسبوقة نتيجة التعطيل المتعمد لحركة البضائع والسلع، والارتفاع الجنوني في تكاليف التشغيل والخدمات اللوجستية، فضلاً عن التأخير المستمر في سلاسل الإمداد والتوريد، الأمر الذي يضع الأسواق المحلية أمام مخاوف حقيقية من الشلل التام.
تغير مسار التجارة
لحقت بمحمود جوهر، وهو صاحب مصنع للمواد الغذائية في مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية المحتلة، خسائر كارثية جراء تأخر وصول المواد الخام وارتفاع كلفة النقل والمخاوف من تلفها بخاصة في ظل درجات الحرارة المرتفعة.
يقول لـ"العربي الجديد": "كل حاجز أو بوابة جديدة يضعهما الاحتلال الإسرائيلي تعني خسارة جديدة، ففي الفترة الأخيرة احتجز الجنود إحدى الشاحنات التابعة لنا على مدخل بلدة ترمسعيا بين نابلس ورام الله لأكثر من خمس ساعات وأجبروا السائق ومساعده على إنزال البضاعة التي كانت تحوي طناً من الألبان وبقيت خارج الثلاجة حتى تلفت تماماً".
ولا تقتصر آثار البوابات العسكرية على قطاع النقل، بل امتدت لتغير خريطة التجارة الداخلية في الضفة الغربية، بعدما دفعت كثيراً من التجار إلى نقل أعمالهم إلى مدن بات الوصول إليها أقل تعقيداً.
التاجر مجدي الهندي واحد من هؤلاء، فقد اضطر إلى نقل نشاطه التجاري بالكامل من شمال الضفة الغربية إلى مدينتي بيت لحم جنوباً وأريحا شرقاً. يقول الهندي: "كان القرار صعباً جداً، لكنه أصبح ضرورة، صحيح أن الاحتلال موجود في كل مكان، لكن الحركة في بيت لحم وأريحا أسهل نسبياً مقارنة بشمال الضفة". ويؤكد الهندي أن الانتقال كبده خسائر مالية كبيرة، إذ اضطر إلى البدء من الصفر، والبحث عن زبائن جدد، وإعادة بناء شبكة علاقاته التجارية، لكنه وجد أن استمرار العمل في موقعه السابق أصبح شبه مستحيل بسبب الإغلاقات المتكررة.
توزيع النشاط الاقتصادي
ولا تعد هذه الحالات استثناءً، إذ تشير مؤشرات ميدانية إلى أن البوابات العسكرية لم تعد تعطل حركة الفلسطينيين فحسب، بل أصبحت تعيد توزيع النشاط الاقتصادي بين المدن، فتخسر بعض الأسواق جزءاً كبيراً من زبائنها، بينما تستفيد مناطق أخرى أصبحت أكثر سهولة في الوصول.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد عطا الله في حديث مع "العربي الجديد"، أن ما يجري يتجاوز كونه قيوداً على الحركة، ليصبح عملية إعادة تشكيل للجغرافية الاقتصادية الفلسطينية.
ويقول عطا الله: "إن المدن التي أصبحت معزولة بفعل البوابات فقدت جزءاً مهماً من نشاطها التجاري، بينما شهدت أسواق بديلة انتعاشاً نسبياً نتيجة انتقال التجار والمستهلكين إليها".
ويؤكد عطا الله أن ارتفاع تكاليف النقل انعكس مباشرة على أسعار السلع، إذ أصبحت كل رحلة تحتاج إلى وقود إضافي وساعات عمل أطول، وهو ما يرفع كلفة المنتج قبل وصوله إلى المستهلك. ويشير عطا الله إلى أن هذا الواقع يضر بسلاسل التوريد أيضاً، إذ لم تعد الشركات قادرة على الالتزام بمواعيد التسليم، الأمر الذي يؤثر على المصانع والتجار، ويضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الفلسطيني.
قيود تعيق النمو والاستثمار
وتتسع آثار الحواجز العسكرية وتغيير المسارات التجارية على بنية الاقتصاد في الضفة ومستقبله. وتؤكد تقارير اقتصادية دولية أن القيود الإسرائيلية على الحركة أصبحت أحد أبرز معوقات النمو والاستثمار، فقد أسهمت القيود المفروضة على التنقل، إلى جانب الحرب والإغلاقات، في تعميق الانكماش الاقتصادي، وإضعاف الإنتاج والتجارة والاستثمار، محذرة من أن الاقتصاد الفلسطيني يواجه مخاطر انهيار متزايدة في ظل استمرار القيود على الحركة والوصول. حيث تؤكد أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن الاحتلال الإسرائيلي كثف منظومة القيود على الحركة في الضفة الغربية بصورة غير مسبوقة، إذ وثق حتى نهاية عام 2025 وجود 925 عائقاً للحركة، تشمل 232 بوابة حديدية و89 حاجزاً دائماً و218 حاجزاً جزئياً، وهو أعلى رقم يسجل منذ بدء عمليات الرصد قبل نحو عقدين.
كما سجل المكتب تركيب أكثر من 120 بوابة جديدة خلال عام 2025 وحده، ما أدى إلى تحويل حركة الفلسطينيين إلى طرق أطول وأكثر كلفة، وأعاق الوصول إلى الأسواق والخدمات وأماكن العمل.
ويرى تجار أن البوابات الحديدية لم تعد مجرد وسيلة أمنية، بل أصبحت أداة لإعادة توجيه الأسواق وتغيير مسارات التجارة الداخلية، فالأسواق التي كانت تستقطب المتسوقين من المحافظات المجاورة فقدت جزءاً من حركتها، في حين استفادت مدن أخرى أصبحت أقل تعرضاً للإغلاقات، وهو ما عمّق الفجوة الاقتصادية بين المناطق الفلسطينية.
وفي ظل استمرار نصب البوابات العسكرية وتوسيع شبكة الحواجز، يحذر التجار من أن الاقتصاد الفلسطيني يتجه نحو مزيد من التشظي، إذ لا تقتصر آثار القيود على تعطيل حركة الأفراد، بل تمتد إلى إعادة رسم خريطة التجارة والاستثمار، وتعميق التفاوت الاقتصادي بين المدن الفلسطينية، بما يجعل البوابات الحديدية جزءاً من معادلة اقتصادية تفرضها إسرائيل على الأرض، إلى جانب كونها أداة للسيطرة على الحركة والتنقل.