تقسيم اقتصادي في السودان تنفذه "الدعم السريع"... خطة المؤسسات الموازية
استمع إلى الملخص
- تواجه الحكومة الموازية تحديات اقتصادية بسبب إغلاق الحدود، وتعتمد على الشمال السوداني للإمدادات، وتسعى لتفعيل اتفاقيات تجارية مع تشاد وجنوب السودان، وإنشاء محفظة لدعم السلع الاستراتيجية.
- في ظل الصراع المسلح، تسيطر قوات الدعم السريع على دارفور، وتسعى لتعزيز الاستقرار الاقتصادي عبر استثمار الموارد الطبيعية وتفعيل التجارة الحدودية.
تتسارع وتيرة تقسيم السودان على يد الحكومة الموازية التي أنشأتها مليشيا الدعم السريع في إقليم دارفور، من خلال تأسيس وتشغيل عدد من المؤسسات الاقتصادية. وباشرت "الدعم السريع" إجراءات إنشاء بنك باسم "دارفور الوطني"، ومحفظة مالية متعددة العملات لتكون بديلا جديدا للتعاملات المالية، وشركة للاتصالات لتقديم خدمات للهاتف المحمول بالإضافة إلى إنشاء منطقة حرة للصادرات فى دارفور تختص بالصادرات.
كما تركز "حكومة السلام والوحدة" (تأسيس) الانفصالية، على تفعيل اتفاقيات تجارية حدودية بينها وبين دول الجوار، جنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى وأوغندا وشرق ليبيا.
احتكار ثروات دارفور
يقول مراقبون إن التركيز على الجوانب الاقتصادية يأتي تزامناً مع سعي "الدعم السريع" للسيطرة على الثروات الموجودة في الإقليم والتي يمكنها أن تكون رافدا اقتصاديا قويا في المرحلة الحالية للحكومة الجديدة الموازية خاصة وأنها بدأت بتشكيل مؤسساتها الوزراية لتؤدي دورها المنوط بها لخدمة المواطنين.
إلا أن آخرين يرون وجود تحديات أمام تحركات الحكومة الموازية ولا سيما مؤسساتها الاقتصادية بسبب أن معظم دول جوار الإقليم حدودها مغلقة، وبالتالي سيظل الإمداد الأكبر لأسواق دارفور من داخل السودان ولاسيما الشمال الذي تتوافر فيه المقومات الأساسية للتسويق والاستهلاك.
رئيس الوزراء فى حكومة "تأسيس" محمد حسن التعايشي، أكد في تصريحات أخيرا، أن الحكومة ستباشر تنفيذ برامج إسعافية عاجلة تهدف إلى تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، بما يشمل الغذاء والمياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم وخدمات الاتصالات، وذلك بالتوازي مع إطلاق خطط استراتيجية تعتمد على استثمار الموارد الاقتصادية الكبيرة التي يمتلكها السودان، لا سيما في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن، بما يسهم في تحقيق تنمية مستدامة ويضع البلاد على طريق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وكان التعايشي أعلن، يوم الاثنين الماضي، عن تعيين ثلاثة وزراء لتولي حقائب الخارجية والداخلية والصحة.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد الصراع المسلح، إذ نجح الجيش السوداني في السيطرة على العاصمة الخرطوم بالإضافة إلى مناطق في شرق وشمال ووسط البلاد، فيما تستحوذ قوات الدعم السريع على إقليم دارفور بأكمله، باستثناء مدينة الفاشر، وعلى أجزاء واسعة من إقليم كردفان. وهذان الإقليمان يمثلان نحو 45% من مساحة السودان البالغة نحو 1.8 مليون كيلومتر مربع.
تأسيس بنك واتفاقية اتصالات
شرعت الحكومة الموازية في تأسيس بنك جديد، يحمل اسم (بنك دارفور الوطني) وحددت الإدارة الجديدة موقع البنك بمدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور، واتخذت مقرا للبنك في الموقع القديم لبنك السودان المركزي الذي يتوسط المدينة وتستخدم العملة السودانية القديمة. كما قررت عدم التعامل مع الجنيه الجديد الذي اعتمدته حكومة الخرطوم المعترف بها دوليا. يقول مصدر مطلع في إقليم دارفور فضل عدم ذكر اسمه لـ"العربي الجديد" إن حكومة التعايشي تخطط حاليا لكيفية إطلاق البنك بعد الموافقة عليه من الجهات المختصة. وأكد المصدر أن الحكومة خطت خطوات جدية في التفكير في إنشاء محافظ مالية من أجل الإجراءات المالية عبر الهاتف ولذلك عملت على توقيع اتفاق للاتصالات لتسهيل عمليات تحويل الأموال ودفع الفواتير وشراء السلع، دون الحاجة لحساب بنكي. كما تسعى لتأسيس محفظة لدعم السلع الاستراتيجية في الإقليم.
وقالت الحكومة إنها تعمل على إنشاء منطقة حرة في دارفور وكردفان تختص بالصادرات، إلى جانب إنشاء محفظة مالية متعددة العملات لتكون بديلا جديدا للتعاملات المالية الحالية التي تعتمد بصورة أساسية على تطبيق بنكي تابع لبنك الخرطوم. ووقعت الحكومة اتفاقية مع "شركة بهارتي إيرتيل" الهندية متعددة الجنسيات، ومقرها نيودلهي، لتقديم خدمات الهاتف المحمول، الإنترنت، الخطوط الثابتة والتلفزيون عبر الأقمار الاصطناعية في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
وسبق أن حظرت "الدعم السريع" مرور مجموعة من السلع الأساسية إلى أسواق شمال السودان مثل الصمغ والفول السوداني وزيت الطعام والسمسم والماشية والدخن، بالإضافة إلى الذهب والمعادن الأخرى، الأمر الذي قلل من تدفق السلع إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.
محاولات فتح المنافذ الحدودية
وفقا لمصادر ميدانية في ولاية غرب دارفور تحدثت لـ"العربي الجديد"، بحثت حكومة "الدعم السريع" غير المعترف بها، مع إدارة الغرف التجارية والاقتصادية ترتيبات فتح المنافذ الحدودية مع تشاد لاستئناف الحركة التجارية بين البلدين عبر معبر "أدري الحدودي"، أحد أهم وأنشط المعابر الحدودية الحيوية بين السودان وتشاد، وهو نقطة محورية للتجارة والنقل بين البلدين، حيث تتركز حركة التجارة على المنتجات الزراعية والحيوانية والسلع الأساسية.
وأشارت المصادر إلى أن معظم البضائع المستوردة عبر تشاد تتمثل في مشروبات غازية وأدوية غربية ومستحضرات تجميل تستورد من الكاميرون ونيجيريا، كما أن السلعة الوحيدة ذات الطلب العالي من تشاد هي صابون الغسيل. كما أفادت مصادر حكومية في دارفور خلال حديثها لـ"العربي الجديد"، بوجود اتجاه لمناقشة الترتيبات التجارية مع دولة جنوب السودان عبر معبر "الرقيبات الحدودي" لتبادل المنافع وتعظيم الفائدة ومكافحة التهريب.
معبر الرقيبات
يقول الخبير الاقتصادي في إقليم دارفور، عبد النبي حامد، إن معبر الرقيبات الذي يربط بين دارفور ودولة جنوب السودان من النقاط الحيوية التي تسهم في تعزيز التبادل التجاري، ويعتمد عليه التجار في نقل المحاصيل الزراعية مثل الفول السوداني والذرة والصمغ العربي، ما يعزز فرص البيع والشراء لكثيرين بعد الكساد الذي لازم المحاصيل لمدة عامين.
كما أن هنالك اهتماما كبيرا بتوفير الوقود، ما يعكس أهمية المعبر في تلبية الاحتياجات الأساسية حيث يقع على بعد حوالي 240 كيلومتراً جنوب مدينة الضعين بولاية شرق دارفور، حسب حامد، الذي قال إن الخطوة مهمة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بالمنطقة وتسويق المحاصيل والثروة الحيوانية.
وترتبط ولاية جنوب دارفور بجمهورية أفريقيا الوسطى عبر معبر "أم دافوق" الحدودي حيث تسعى قوات الدعم السريع إلى فتح نقطة جمركية لعملية التبادل التجاري. وجددت قيادات الدعم السريع ممثلة في حكومة "تأسيس" الانفصالية أهمية تفعيل تجارة الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى وذلك خلال انعقاد اللجنة العليا لتفعيل تجارة الحدود بين البلدين بحضور المدير التنفيذي لمحلية أم دافوق ولجنة الأمن وإدارة الجمارك والغرفة التجارية والإدارة الأهلية التي قالت إنّ تفعيل تجارة الحدود وتأمينها سيسهمان بشكل إيجابي في انتعاش الحركة الاقتصادية وتوفير الاحتياجات الضرورية للولايات الحدودية بالإضافة إلى الحد من عمليات التهريب وهدر الموارد، مما يعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الطرفين.
ويعد المعبر مركزا تجاريا مهما بين السودان وأفريقيا الوسطى حيث يتم استيراد الأخشاب والبن والعسل وتصدير البصل والمنتجات البترولية. وفي ما يتعلق بالمنطقة الحرة للصادرات، قالت مصادر مطلعة إن هنالك مناقشات جادة بمشاركة مختصين بمجال التجارة تزامنا مع تفعيل التجارة الحدودية من أجل خلق شراكات اقتصادية استثمارية مع دول حدودية.
وقال عضو سابق في الغرف التجارية لدارفور النور بابكر، إن التفكير يمضي بعيدا في خطوات ربط تلك المناطق بطرق وسكك حديدية. وأضاف: "هناك تنسيق كامل مع حكومة "تأسيس" حول مجمل القضايا الاستثمارية لا سيما إنشاء المناطق الحرة الحدودية، وإن هناك اتجاها لطرح إدارتها في عطاءات عامة لتشجيع رجال الأعمال السودانيين والتشاديين على الدخول في الاستثمار بالإقليم".
نشاط تجاري مع ليبيا
يقول تجار من شمال دارفور لـ"العربي الجديد" إن الحركة التجارية لتداول المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية القادمة من ليبيا ظلت نشطة أخيرا عبر مدينة "مليط" التي أصبحت مركزا تجاريا مهما لمدن إقليم دارفور وملتقى للسلع التجارية القادمة من شمال السودان وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، وإن أكثر السلع المتداولة هي الماشية والسمسم والفول السوداني، وحب البطيخ والكركديه. وأوضح التاجر السوداني محجوب عيسي في حديثه لـ"العربي الجديد" أن المواد القادمة من مدينة الدبة شمال السودان، تتمثل في البصل والبلح والملح.
مختصون قالوا إن التقسيم الاقتصادي في السودان سيكون أشبه بالنموذج الليبي، فيما استبعده آخرون قائلين إن الموضوع سيكون وفقا للسيطرة والإدارة لكل طرف.
ويقول المختص بشؤون دارفور عبد الحفيظ مريود إنه من الواضح أن حكومة "تأسيس" تقع تحت سيطرتها حدود واسعة مع دول جوار السودان ومنها ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، كما تقع تحت سيطرتها مناطق إنتاج الكثير من السلع الرئيسة للصادر (الصمغ العربي، النفط، الحبوب الزيتية، الثروة الحيوانية)، بالإضافة إلى الأراضي الزراعية الخصبة والمعادن، بما فيها اليورانيوم شمال دارفور، ولا تنقصها الأيدي العاملة والكفاءات، كما أنها تقف على علاقات إقليمية ودولية قابلة للتوسع والاعتراف بها، في ظل حاكمية المصالح المتبادلة والمنافع التي تسيّر العلاقات الدولية.
أما الاقتصادي الفاتح عثمان محجوب فيرى أن قيام منظومة مؤسسات موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تحت اسم مؤسسات حكومة "تأسيس" يعتبر أمرا متوقعا، لكن نجاح تلك المؤسسات رهن بالحكومة السودانية المعترف بها دوليا وأجهزتها الأمنية والعسكرية وعلاقاتها الخارجية، فإن نجحت الحكومة السودانية في تحسين علاقتها بالدول الأربع التي تجاور مناطق سيطرة قوات الدعم السريع أي ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان فعندها لن تستطيع تلك الحكومة الموازية بناء علاقات اقتصادية وسياسية فعالة.
وأضاف: "ولو نجح الجيش في مهمته وأنجز حصارا جويا محكما على العاصمة المقترحة أي نيالا وتقدم نحوها بريا، فعندها يمكن القول إن فكرة حكومة "تأسيس" قد فشلت تماما. وعليه، فإن فكرة المؤسسات الموازية التابعة لحكومة "تأسيس" يعتمد نجاحها على مدى فشل أو نجاح الحكومة السودانية دبلوماسيا"، حسب محجوب.
وسبق أن صعّدت قوات الدعم السريع لهجتها العدائية اقتصاديا وقررت دعم موقفها من عدم خروج البضائع من إقليم دارفور إذ قال مستشار قائد الدعم السريع أيوب عثمان نهار في تغريدة على منصة "إكس"، إن المجلس الاستشاري لقائد قواته يعكف على وضع تصور لإنشاء منطقة حرة في دارفور وكردفان تختص بالصادرات.
وأضاف: "المجلس الاستشاري يعمل على إنشاء محفظة مالية متعددة العملات لتكون بديلا جديدا للتعاملات المالية". وتابع: "لقد أصدرنا توجيها وتم تنفيذه بالفعل بإرجاع كل الشاحنات إلى المدن التى تحركت منها وتسليم الشحنة إلى أصحابها إلى حين الانتهاء من الإجراءات والتدابير الجديدة. وقررت الدعم السريع عدم السماح بمرور الماشية والمعادن إلى مناطق سيطرة الجيش بالإضافة إلى السلع ومنها السمسم والصمغ العربي وزيت الطعام والتبغ والدخن والذرة. وقالت إن كل من يخالف ذلك يعرض نفسه للمساءلة والحجز ومصادرة السلعة المهربة لمصلحة قوات الدعم السريع".