ناقلة غاز صخري أميركي على سواحل إسطنبول
28 سبتمبر 2020

من المتوقع أن يحدث موسم الشتاء المقبل تغييرات جوهرية في أسس العرض والطلب التي تحكم سوق الغاز الطبيعي في العالم بسبب الطلب المتزايد على التدفئة في نصف الكرة الشمالي، كما أن السوق الصينية بدأت بالخروج من جائحة كورونا، وحققت ارتفاعاً في الانتاج الصناعي للشهر الرابع على التوالي. 

في هذا الشأن، توقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي خلال الأشهر المقبلة بسبب ارتفاع الطلب في فترة الشتاء، وتراجع الإنتاج الأميركي من الغاز الطبيعي بعد إغلاق العديد من الآبار المنتجة وسط التدهور الكبير في أسعار النفط. 
وقالت إدارة معلومات الطاقة في تقريرها عن منظور الطاقة الصادر في 24 سبتمبر/ أيلول الجاري، إن أسعار الغاز الطبيعي سترتفع في السوق الأميركية والأسواق الرئيسية في أوروبا وآسيا. 
ووفق إدارة معلومات الطاقة في التقرير، فإن موسم الأعاصير وفترة الشتاء ستقود إلى عرقلة عمليات الإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في الساحل الأميركي. وذكرت أن الاضطراب في الإنتاج والتصدير للغاز الأميركي، تزامن مع ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي في المنشآت الصناعية في آسيا وأوروبا، مشيرة إلى أن هذه العوامل ستقود إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي خلال فترة الشتاء والشهور الأولى من العام المقبل 2021. ولا يزال الغاز الطبيعي المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء في الولايات المتحدة، إذ يمثل نسبة 38.4% مقارنة بالفحم الحجري والطاقات المتجددة الأخرى. 

وشهدت أسعار الغاز الطبيعي في بورصة شيكاغو للسلع الأولية ارتفاعاً ملحوظاً في العقود الآجلة، حيث ارتفعت بنسبة أكثر من 20% في تعاملات نهاية الأسبوع الماضي، إذ قفزت بنسبة 15% يوم الأربعاء، ثم 5% يوم الخميس بسبب النقص في مخزونات الغاز الطبيعي، ليرتفع سعر مليون وحدة حرارية بريطانية إلى 2.22 دولار، بينما استقر سعر عقود شهر أكتوبر عند 2.227 دولار. 
لكن يلاحظ حدوث قفزة كبيرة في عقود الأشهر الآجلة بعد أكتوبر/ تشرين الأول، إذ جرى التعامل في عقود نوفمبر/ تشرين الثاني لدى 2.85 دولار، كذلك جرى التعامل في العقود الآجلة للشهور بين ديسمبر/ كانون الأول ومارس/ آذار فوق 3.20 دولارات. وارتفعت عقود شهر يناير/ كانون الأول الذي يُعَدّ من الأشهر التقليدية لارتفاع أسعار الغاز إلى 3.44 دولارات. 
وذكرت إدارة معلومات الطاقة أن الطلب على الغاز الطبيعي يرتفع فوق مستويات الإنتاج الذي بات يقلّ كثيراً عن مستوياته في العام الماضي. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في المتوسط إلى 3.7 دولارات في العام المقبل. 
من جانبها، توقعت نشرة" ناتشرال غاز إنتيليجنس ـ إن جي آي"، أن تواصل أسعار الغاز المسال الارتفاع خلال الفترة المقبلة، مشيرة إلى أن السوق الأميركية قلقة من النقص في المخزونات مع قدوم الشتاء. 
وخلافاً لتوقعات الطلب المستقبلي على النفط، وخاصة الخامات الثقيلة التي يقلّ عليها الطلب بسبب نسبة التلوث العالية للمناخ، فإن نشرة "بتروليوم انتيليجنس" ترى أن الغاز الطبيعي سيكون الكاسب من التوجه العالمي نحو خفض انبعاث ثاني أوكسيد الكربون، ولكنه سيواجه في المستقبل منافسة من الطاقات المتجددة.
ومن المتوقع أن يساهم ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي في الصين، في تحسن أسعار الغاز التي ضربتها جائحة كورونا بشدة في بداية العام الجاري. 

وتعاني الصين من التلوث البيئي أكثر من غيرها من الدول الآسيوية بسبب التركيز الصناعي، إذ تغطي سحب كثيفة مدنها الرئيسية في فترات الشتاء. وارتفع الطلب على الغاز الطبيعي في الصين إلى 300 مليار متر مكعب خلال العام الجاري، ومن المتوقع أن يواصل الطلب الارتفاع ليصل إلى 520 مليار متر مكعب في عام 2030 وإلى 600 مليار متر مكعب في عام 2050. 
وفي أوروبا ارتفع الطلب على الغاز إلى 500 مليار متر مكعب خلال العام الجاري. وتواجه القارة خلال الشتاء الجاري نقصاً في إنتاج الغاز من هولندا، لكن معدل ارتفاع الطلب يعتمد على برودة الشتاء وتداعيات جائحة كورونا. وتعتمد أوروبا في التدفئة على الغاز الطبيعي أكثر من استخدام الطاقات الأخرى. 
ولكن على مدى الخمس سنوات المقبلة، سيكون الطلب الألماني هو المحدد لأسعار الغاز في أوروبا، خاصة في حال تمكُّن الولايات المتحدة من عرقلة اكتمال مشروع "السيل الشمالي 2" الذي ينقل 55 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الروسي إلى السوق الألماني.
وتعارض الولايات المتحدة بشدة مشروع نقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وتعتبر أنه سيزيد من نفوذ موسكو في القارة، وفي المقابل فإن المسؤولين الأوروبيين يعتبرون أن سياسة الطاقة شأن أوروبي بحت، يجب على واشنطن عدم التدخل فيه، بينما يعتقد خبراء أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترغب في حل أزمتها مع شركات الطاقة الأميركية عبر تصدير المزيد من الغاز الصخري إلى الدول الأوروبية. ولكن بالتأكيد، فإن مشروع السيل الشمالي 2 الذي يمرّ تحت بحر البلطيق يُعَدّ من الأرقام المهمة في الطلب على الغاز الطبيعي في المستقبل، وخاصة الطلب على الغاز المسال. 
وتضررت أسعار الغاز الطبيعي بشدة من جائحة كورونا خلال النصف الأول من العام الجاري، لكن وكالة الطاقة الدولية ذكرت في منظورها للطلب على الغاز الطبيعي للخمس سنوات المقبلة، أن يتراجع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي خلال العام الجاري بنسبة 4%، أي بنحو 150 مليار متر مكعب. 
وأشارت إلى أن الطلب على الغاز سيعود للارتفاع خلال عامي 2021 و2022، مشيرة إلى أن الطلب سيواصل الارتفاع في الدول ذات النمو السريع، مثل الهند، إذ توقعت نمو الطلب الهندي على الغاز بنسبة 10% خلال العام الجاري. ولكن توقعات الطلب على الطاقة تعتمد إلى حد بعيد على قدرة العالم على السيطرة على جائحة كورونا بسبب ما تحدثه من دمار على استخداماته في الصناعة. 
ومع خروج الصين التدريجي من جائحة كورونا، ينظر تجار الغاز والمضاربون على العقود الآجلة إلى السوق الياباني الذي يُعَدّ ثاني أكبر سوق مستهلك للغاز في آسيا، ويترقبون سياسة الطاقة التي ستتبعها الحكومة اليابانية الجديدة برئاسة يوشيهيدي سوغا، وعما إذا كانت ستواصل سياسة التوقف عن توليد الطاقة النووية أو لا. ورفعت كارثة المفاعلات النووية في ولاية فوكوشيما في عام 2011 من حجم استهلاك الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء باليابان.

ومن بين العوامل الأخرى التي من المتوقع أن ترفع الطلب على الغاز الطبيعي، القانون العالمي الجديد الذي دخل حيّز التطبيق في بداية العام الجاري بشأن تلوث البحار. ويحدّ القانون من نسبة الكبريت، كذلك يحدّ من استخدام أنواع الوقود الملوثة للبحار في الوقود، وعلى رأسها النفط. 
ومن المتوقع أن يدفع هذا القانون إلى زيادة استخدام الغاز الطبيعي المسال في وقود السفن التجارية خلال السنوات المقبلة. 
وحسب نشرة "مارين لينك" العالمية، هنالك نحو 400 سفينة تعمل حالياً بوقود السفن من بين 8 آلاف سفينة مسجلة في أنحاء العالم، لكن هذا الطلب قد يرتفع مع مرور السنوات. وهنالك العديد من الموانئ التي تضغط على شركات السفن بضرورة تطبيق القانون الجديد، وإلا فإنها ستواجه غرامات. 
وتلقت صناعة الغاز الطبيعي أكبر صدمة طلب خلال العام الجاري. وحتى قبل هذه الصدمة، أشارت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها في يونيو/ حزيران الماضي، إلى أن أسواق الغاز الطبيعي كانت تتمتع بإمدادات قوية، ما أدى إلى انخفاض الأسعار الفورية بشكل تاريخي وسط تقلبات عالية. 
يذكر أن هنالك العديد من مشاريع الغاز الجديدة التي دخلت حيّز الإنتاج خلال العام الماضي، على رأسها مشروع شركة شل العملاق في أستراليا الذي كلف 180 مليار دولار، وكانت مبنية على أساس توقعات ارتفاع الطلب وقبل جائحة كورونا.