تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان المركزي بعد اشتباك سياسي حادّ بين عون وسلام
استمع إلى الملخص
- أثار التعيين جدلاً في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث شددت المنظمات المدنية على ضرورة النزاهة والكفاءة، بينما اعتبرت رابطة المودعين أن التعيين لا يلتزم بمعايير إعادة هيكلة المصارف.
- كريم سعيد، شقيق النائب السابق فارس سعيد، حاصل على إجازة في القانون ودراسة عليا من جامعة هارفارد، ومرتبط بخطة هارفارد للتعافي الاقتصادي في لبنان.
عُيّن كريم سعيد حاكماً جديداً لمصرف لبنان المركزي بعد نيله 17 صوتاً في الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء اليوم الخميس في قصر بعبدا الجمهوري برئاسة الرئيس جوزاف عون. وسبق جلسة مجلس الوزراء (يتألف من 24 وزيراً) في قصر بعبدا الجمهوري خلوة بين الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام من أجل تقريب وجهات النظر ومحاولة حلّ الخلاف حول اسم الحاكم الجديد، بيد أنها لم تفضِ إلى نتيجة، وذلك قبل أن ينتقلَ النقاش إلى داخل الجلسة التي استمرّت لأكثر من ساعتين.
وخلال انعقاد الجلسة، التي انضمّ إليها لاحقاً كريم سعيد لطرح الأسئلة عليه، كانت الأجواء متشنّجة جداً في ظلّ اعتراض نواف سلام على سعيد، مقابل تمسّك عون بقوّة به وإصراره على تمرير التعيين اليوم، رافضاً إرجاء البتّ بالاستحقاق رغم مطالبة بعض الوزراء تأجيله لحين حصول التوافق، ضمنهم وزير المال ياسين جابر الذي أمل ألا يطرح الموضوع على التصويت، مُفضِّلاً على ذلك التوافق، وقد طرح اسم ثالث إلى جانب كريم سعيد وإدي الجميّل بعد انسحاب جميل باز، من خارج التداول الاصطفاف السياسي، بحسب ما أعلن.
وقالت مصادر لـ"العربي الجديد" إن طرح تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان على التصويت جرى بعد تعذر حصول توافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وإن تعيين كريم سعيد جاء بعد خلاف سياسي حول عدد من الشخصيات التي كانت مرشّحة لتولي منصب الحاكمية، خصوصاً بين عون وسلام، مع تأييد سجل لرئيس البرلمان نبيه بري، وكذلك حزب الله لصالح سعيد، بحيث تردّد إعلامياً دعم عون لسعيد، مقابل تحفظ سلام عليه، وتأييده وصول أسماء أخرى، منها وزير المال السابق جهاد أزعور، والمصرفي سمير عساف، اللذان استُبِعد اسماهما قبل أيام قليلة من انعقاد جلسة مجلس الوزراء، إلى جانب فراس أبي ناصيف، رئيس مجلس إدارة "كونغسبيرغ أوتوموتيف"، وغيرهم، قبل أن يخرج وزير المال ياسين جابر باقتراح اقتصر على 3 أسماء، هم كريم سعيد، وإدي الجميّل وجميل باز الذي انسحب في الساعات الماضية.
وبحسب مصادر رسمية لبنانية لـ"العربي الجديد"، فإن الذين لم يصوّتوا على تعيين كريم سعيد هم رئيس الوزراء نواف سلام ونائبه طارق متري ووزير الثقافة غسان سلامة ووزير الاقتصاد عامر البساط ووزير التنمية الإدارية فادي مكي ووزيرة التربية ريما كرامي ووزيرة الشؤون حنين السيد، ونفت مصادر حكومية لبنانية لـ"العربي الجديد" استقالة رئيس الوزراء نواف سلام الذي سيكون له موقف توضيحي مما حصل.
وقال سلام بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء إن "المجلس قرر تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان ومن المعروف أنه لم يكن مرشحي لأسباب عدة في ظل حرصي على حماية حقوق المودعين وأصول الدولة وتحفظت مع عددٍ من الوزراء على تعيينه".
وأضاف سلام قائلاً: "الأهم يبقى أن حاكم مصرف لبنان أياً كان ومهما كانت تحفظاتنا على اختياره، عليه أن يلتزم منذ اليوم السياسة المالية لحكومتنا الإصلاحية كما عبّر عنها البيان الوزاري لجهة التفاوض على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي وإعادة هيكلة المصارف ووضع خطة متكاملة وفق أفضل المعايير الدولية للحفاظ على حقوق المودعين".
وقال رئيس الوزراء اللبناني: "وافقنا اليوم على مشروع قانون يرمي إلى تعديل القانون المتعلق بسرية المصارف وهذه سياستنا وعلى الحاكم الجديد التزامها واللبنانيون طالبونا بالإصلاح وإننا على الإصلاح مصرّون".
وشهدت الساحة الإعلامية في لبنان هجمات متبادلة بين مؤيّد لوصول كريم سعيد ورافض له، وقد وصلت إلى حدّ رفع دعاوى قضائية ضدّ منصات إعلامية بديلة وتنظيمات مدنية معترضة على تعيين سعيد، بوصفه مقرّباً جداً من دوائر النفوذ المالي والسياسي في لبنان.
وأصدرت مجموعة من المنظمات المدنية والحقوقية والتي تعمل على "تعزيز المصلحة العامة في لبنان" أمس الأربعاء بياناً مشتركاً تحدثت فيه عن أهمية التعيين، ودور الحاكم الجديد المحوري في رسم أجندة الإصلاحات العاجلة في لبنان، مشددة على ضرورة توفر ثلاثة مؤهلات رئيسية يجب أن ترشد عملية اختيار الحاكم المقبل، وهي النزاهة والاستقلالية والكفاءة.
واعتبرت رابطة المودعين أنّ تعيين حاكم لمصرف لبنان لا يلتزم بالمعايير الأساسية إنما هو تفخيخ للحل، وهذه المعايير تشمل بشكل أساسي، إعادة هيكلة المصارف التجارية، الحفاظ على أصول الدولة، العمل على خطة تقوم على توزيع عادل للمسؤوليات عن أية ارتكابات مالية غير قانونية، وضع خطة تعافي شاملة، عادلة وشفافة تضمن إعادة كل الودائع المشروعة للمودعين في إطار زمني منطقي، إعادة تفعيل للهيئات الرقابية في مصرف لبنان والمحاسبة على كل الارتكابات التي أحاطت منصة صيرفة ومن استفادوا منها كما سياسة الدعم.
كذلك، اعترض عددٌ من النواب على تعيين سعيد، بينهم النائب ميشال الدويهي الذي اعتبر أنّ "المطروح لحاكمية مصرف لبنان ليس ما نطمح إليه. فبين داعميه من هم ضد المساءلة والمحاسبة وضد تحمل الجزء المتعلق بمسؤوليتهم عن الأزمة. كما أن بعض مؤيديه بقوة يريدون تحميل الدولة وحدها أكبر الخسائر غير آخذين بعين الاعتبار التوزيع العادل للخسائر وحماية حقوق المودعين".
وأضاف أن "الاسم المطروح مرتبط بدراسة صادرة عن هارفارد ومنشورة علناً، وهو سبق أن دافع عنها رغم أنها تطرح أسوأ الحلول الممكن تخيّلها مثل تحويل الودائع إلى ديون على الدولة ثم إجراء اقتطاع قسري منها (هيركات) بنسبة 80 إلى 90%، إلى ذلك ينسب إليه في تحقيقات صحافية عالمية منشورة أنه ضد الرفع الكامل للسرية المصرفية، وله توجهات لإعادة هيكلة المصارف لا تتفق بالضرورة مع موجبات الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، كما أن لديه توجهات خاصة بكيفية التصرف بمخزون الذهب في مصرف لبنان". وتابع الدويهي" لذا فإن كل من سيصوت له اليوم في جلسة مجلس الوزراء عليه أن يتحمل مسؤوليته التاريخية أمام اللبنانيين أولاً وضميره ثانياً.. نعم إنها لحظة الحقيقة لنا جميعاً".
ويُعتبر التعيين بمثابة خطوة أساسية في إطار استكمال عقد المؤسسات بعد انتخاب قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية في 9 يناير/كانون الثاني الماضي، بعدما حال الشغور في سدّة الرئاسة الأولى دون تعيين حاكم أصيل عام 2023 مع انتهاء ولاية رياض سلامة، فكان أن تولى نائبه الأول وسيم منصوري المنصب بالإنابة، علماً أن من شأن الأجواء المتشنّجة التي سادت اليوم أن تزعزع انطلاقة العهد وتترجم بتوترات مستقبلية بين عون وسلام.
كما أن الاستحقاق استحوذ على اهتمام الخارج، خصوصاً الأميركي الذي تابع بدقة مسار المشاورات ومواصفات المرشحين، ولا سيما أن هناك مطالب دولية مرتبطة بالإصلاحات والسياسة النقدية المصرفية، على رأسها موضوع الودائع وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. وتنصّ المادة 18 من قانون النقد والتسليف على أن الحاكم يُعيّن لست سنوات بموجب مرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المالية.
ويتمتع الحاكم بأوسع الصلاحيات لإدارة المصرف العامة وتسيير أعماله، وهو ممثل المصرف الشرعي، يوقع باسم المصرف جميع الصكوك والعقود والاتفاقات ويجيز إقامة جميع الدعاوى القضائية ويتخذ جميع الإجراءات التنفيذية أو الاحتياطية التي يرتئيها بما في ذلك التأمينات العقارية، كما ينظم دوائر المصرف ويحدد مهامها.
من هو كريم سعيد حاكم مصرف لبنان المركزي الجديد؟
ولد سعيد في مدينة قرطبا اللبنانية عام 1964، شقيقه النائب السابق فارس سعيد (كان منسّقاً عاماً لقوى 14 آذار المعارضة لحزب الله ومحوره)، حائز إجازة في القانون من جامعة القديس يوسف في العاصمة بيروت. وتلقى سعيد تعليمه الأكاديمي العالي في كلية الحقوق في جامعة هارفارد، حيث درس قانون البنوك وأعد أطروحته حول "قانون غلاس – ستيغال لعام 1933" الذي أنشأ المؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع، وفرض الفصل بين الشركات المصرفية الاستثمارية والمصارف التجارية.
وعمل سعيد بين عامي 1996 و2000 على إصدارات الأسهم والأوراق المالية المصرفية في لبنان، وهو مؤسس وشريك إداري في شركة "غروث غايت إيكويتي بارتنرز" في الإمارات، وهي شركة إدارة أصول بديلة، تستثمر نيابة عن "غروث غايت كابيتال" في الشركات الخاصة عبر مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكان قبل ذلك شغل منصب المدير العام للخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك "أتش أس بي سي"، كما عمل محامياً في نيويورك في شركات محاماة متخصصة في الأوراق المالية والمعاملات المصرفية.
وارتبط اسم سعيد بخطة هارفارد، للتعافي وحلّ الأزمة الاقتصادية في لبنان، بكونه رئيس مجلس شركة "غروث غايت كابيتال" التي موّلتها، وقد دعت عام 2023 إلى تحويل كل الودائع إلى سندات دين على الدولة، كما اقترحت نظاماً نقدياً يقوم على الدولرة الكاملة، عدا عن أنّ هذه الشركة يضم مجلس إدارتها ماهر نجيب ميقاتي، الأمر الذي عرّضه لكثير من الانتقادات وسبّب الهجمة الكبيرة عليه مع شيوع خبر تقدمه على المرشحين لتولي منصب الحاكمية.