تضخم غير مسبوق لدعم المحروقات يستنزف ليبيا

07 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 00:33 (توقيت القدس)
محطة وقود في طرابلس، 7 يناير 2022 (محمود تركية/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه ليبيا تحديات في إدارة دعم المحروقات مع تضخم فاتورة استيراد الوقود، مما يثير تساؤلات حول كفاءة الاستيراد والتوزيع في بلد غني بالنفط. تزايد استهلاك البنزين في طرابلس يشير إلى احتمالات تسرب الوقود للسوق الموازية أو التهريب.

- يرى الخبراء أن الفساد والتهريب هما جوهر الأزمة، ويقترحون رفع الدعم تدريجيًا، بدءًا من الجهات الحكومية، مع تشديد الرقابة وإنشاء بطاقات إلكترونية لتوجيه الدعم.

- تشير التجارب الدولية إلى أن استبدال دعم الوقود بالدعم النقدي لا يضمن النجاح، ويتطلب إصلاح الدعم في ليبيا بنية مؤسسية متكاملة تشمل قواعد بيانات وأنظمة دفع موثوقة.

تتصاعد في ليبيا مجدداً النقاشات بشأن مستقبل دعم المحروقات، بعدما كشفت بيانات رسمية عن تضخم غير مسبوق في فاتورة استيراد الوقود، في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، وسط تحذيرات من أن أي إصلاح متسرع قد يفضي إلى موجة تضخمية واسعة وتداعيات اجتماعية واقتصادية معقدة.
وخلال اجتماع ضم مسؤولين من جهات رقابية واقتصادية ونفطية، أظهرت بيانات رسمية أن المخصصات المالية لتوفير المحروقات بلغت نحو 1.1 مليار دولار شهرياً، بما يعادل قرابة 12 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يثير تساؤلات متزايدة بشأن كفاءة منظومة الاستيراد والتوزيع في دولة تعد من كبار منتجي النفط الخام.
وتراوحت مستويات استهلاك البنزين بين ستة وثمانية ملايين لتر يومياً، مع تسجيل ذروات وصلت إلى 11 مليون لتر يومياً، فيما ارتفعت الكميات الموزعة في العاصمة طرابلس من نحو خمسة ملايين لتر يومياً إلى أكثر من 8.4 ملايين لتر، قبل أن تقترب من تسعة ملايين لتر يومياً، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً يستوجب مزيداً من التدقيق في أنماط الاستهلاك والتوزيع، واحتمالات تسرب الوقود إلى السوق الموازية أو شبكات التهريب.
وتأتي هذه الأرقام في وقت شهدت فيه البلاد، خلال الأسابيع الماضية، أزمة نقص حادة في البنزين والديزل، تسببت في طوابير طويلة أمام محطات الوقود وارتفاع الأسعار في السوق السوداء، ما أعاد إلى الواجهة ملف دعم المحروقات الذي ظل محل جدل بين دعاة رفعه أو استبداله نقدياً، وبين المطالبين بإصلاح المنظومة قبل المساس بالأسعار.

ويرى أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية عطية الفيتوري أن الفساد والتهريب يمثلان جوهر الأزمة أكثر من مستوى الدعم نفسه، ويقول إن ليبيا تمتلك أحد أدنى مستويات أسعار الوقود في العالم، لكن رفع سعر البنزين إلى مستويات قريبة من الكلفة الحقيقية قد يؤدي إلى وقف جزء كبير من عمليات التهريب عبر الحدود.
إلا أن الفيتوري يحذر من أن معالجة المشكلة عبر رفع الأسعار فقط ستنقل العبء مباشرة إلى المواطنين، موضحاً أن كلفة تعبئة خزان سيارة سعة خمسين لتراً قد تقفز من نحو 7.5 دنانير إلى 250 ديناراً، ما يعني إنفاق ألف دينار شهرياً على الوقود فقط إذا جرى التزود أسبوعياً.
ويضيف في حديث لـ"العربي الجديد" أن انعكاسات هذه الخطوة لن تقتصر على الوقود، بل ستمتد إلى أسعار الغذاء والأدوية والخضروات والنقل والخدمات، وحتى سعر صرف الدينار، ما قد يدفع الاقتصاد إلى ما يعرف بـ"الدائرة المفرغة"، حيث تؤدي زيادة التكاليف إلى ارتفاع الأسعار، ومن ثم تراجع القوة الشرائية واتساع الضغوط التضخمية.
وحسب الفيتوري، فإن المستفيد الأكبر من رفع الدعم دون معالجة الاختلالات الهيكلية سيكون التجار وموردو السلع، بينما سيتحمل المواطن الجزء الأكبر من الكلفة، داعياً إلى التركيز على مكافحة الفساد والتهريب وتطبيق القانون قبل اللجوء إلى حلول سعرية.
في المقابل، يميز الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة بين "رفع الدعم" و"إصلاح الدعم"، معتبراً أن الخلط بين المفهومين يقود إلى استنتاجات مضللة. ويقول أبوسنينة لـ"العربي الجديد" إن الدعوات إلى استبدال دعم المحروقات بدعم نقدي ليست جديدة، بل طُرحت منذ تسعينيات القرن الماضي ضمن توصيات الاقتصاديين لمعالجة التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الليبي، غير أن نجاحها يظل رهيناً بتوفر شروط مؤسسية وأمنية وإدارية غير متحققة بالكامل في الوقت الراهن.
ويقترح الخبير استراتيجية تدريجية تمتد لأربع سنوات، تقوم على رفع الدعم عن الجهات الحكومية أولاً، وتشديد الرقابة على المنافذ والحدود، وإنشاء منظومة بطاقات إلكترونية ذكية تمنح المواطنين حصصهم من الدعم بصورة موجهة، بدلاً من التحويلات النقدية المباشرة التي قد تتآكل قيمتها بفعل التضخم أو تُستخدم في أغراض أخرى.
وقال الخبير النفطي محمد الشحاتي لـ"العربي الجديد" إن إصلاح دعم الطاقة لا يؤدي بالضرورة إلى إلغائه، بل غالباً ما يعيد تشكيله من دعم سعري مباشر للوقود والكهرباء إلى دعم نقدي يُقدَّم للمواطنين لتعويض أثر ارتفاع الأسعار.
وأوضح أن هذا التحول قد يجعل كلفة الدعم أقل شفافية على المدى القصير، لكنه في المقابل يحوّله إلى التزام مالي مستمر على الدولة، يتوسع مع الوقت ويصعب تقليصه أو إلغاؤه سياسياً واجتماعياً.
وأضاف أن التجارب المشابهة تشير إلى أن ما يتم توفيره من خفض الدعم السعري لا يختفي فعلياً، بل يُعاد ضخه في شكل تحويلات نقدية أو برامج دعم بديلة، ما يعني أن العبء المالي للدعم يبقى قائماً ولكن بصيغة مختلفة.
وأشار إلى أن خطورة هذا النمط تكمن في أن الدعم النقدي، رغم أنه أكثر استهدافاً من الدعم السلعي في بعض الحالات، قد يتحول إلى بند إنفاق دائم يتأثر بالظروف الاقتصادية، خصوصاً في الدول التي تعتمد على إيرادات متقلبة، ما يجعله في بعض الحالات أكثر تعقيداً من الدعم التقليدي نفسه.

من جهته، قال المحلل المالي سليمان الشحومي إن التجارب الدولية، من إيران إلى إندونيسيا ونيجيريا، تُظهر أن استبدال دعم الوقود بالدعم النقدي لا يضمن النجاح تلقائياً، إذ إن بعض الدول واجهت لاحقاً ضغوطاً تضخمية أو اضطرت للعودة إلى أشكال مختلفة من الدعم. وأضاف متحدثاً لـ"العربي الجديد" أن نجاح أي إصلاح في ليبيا يتطلب بنية مؤسسية متكاملة تشمل قواعد بيانات دقيقة، وأنظمة دفع إلكترونية موثوقة، وشبكات حماية اجتماعية فعالة، محذراً من أن الدعم النقدي وحده ليس حلاً سحرياً لمعالجة الاختلالات القائمة.
ولم يكن دعم استهلاك الطاقة في ليبيا يتجاوز 300 مليون دينار سنوياً حتى نهاية عام 2004، حين كان سعر النفط يراوح بين 22 و28 دولاراً للبرميل، وكان يتركز في دعم بنزين السيارات، ثم ارتفع دعم المحروقات بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
وقفزت واردات الوقود من ثلاثة مليارات دولار في عام 2016 إلى تسعة مليارات دولار في عام 2024. ومع إضافة نفقات تكرير النفط الخام محلياً والغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء، والمقدرة بـ3.9 مليارات دولار وأربعة مليارات دولار على التوالي، ترتفع فاتورة دعم الطاقة إلى 17 مليار دولار في عام 2024، ما يعادل 35% من إجمالي الناتج المحلي.
وتعتمد الميزانية الليبية على عوائد تصدير النفط، إلا أن نحو ثلث الإنتاج تمت مبادلته بالمحروقات في مخالفة للقانون المالي للبلاد، ووفقاً لتقرير ديوان المحاسبة فقد تجاوزت كلفة المبادلة أكثر من 40 مليار دينار. ويباع لتر الوقود بنحو 0.150 دينار، ما يجعله ثاني أرخص سعر في العالم وفقاً لموقع "غلوبال بترول برايسيز".