تشديد الرقابة يكشف مخابئ أموال الفساد في العراق

19 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 03:03 (توقيت القدس)
موظفون وعملاء في مقر البنك المركزي العراقي في بغداد، 9 مارس 2023 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- كشفت السلطات العراقية عن أساليب جديدة لإخفاء الأموال المتحصلة من الفساد، مثل إخفائها داخل أجهزة التكييف وجدران المنازل، مما يعكس تأثير تشديد الرقابة المصرفية وإجراءات مكافحة غسل الأموال.

- الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي العراقي بالتنسيق مع الجهات الرقابية ساهمت في تضييق منافذ غسل الأموال، مما يعزز من صعوبة الاحتفاظ بالأموال غير المشروعة ويغلق تدريجيًا المسارات المستخدمة في تهريبها.

- استرداد الأموال المتحصلة من الفساد يعزز مصداقية الإصلاحات المصرفية في العراق، مما ينعكس إيجابًا على التصنيف المالي ويعزز فرص جذب الاستثمارات الأجنبية، مع التركيز على تقليص الاقتصاد النقدي ورفع معدلات الشمول المالي.

كشفت الملاحقات الأخيرة التي نفذتها السلطات العراقية عن تحول لافت في أساليب إخفاء الأموال المتحصلة من الفساد، بعدما عثر عليها داخل أجهزة التكييف، وجدران المنازل، وفتحات تصريف مياه الأمطار، إلى جانب كميات كبيرة من الذهب، في تطور يسلط الضوء على تأثير تشديد الرقابة المصرفية وإجراءات مكافحة غسل الأموال في تضييق منافذ تمرير الأموال غير المشروعة. وأعلن مجلس القضاء الأعلى، الخميس الماضي، ضبط 25 مليار دينار عراقي، و200 ألف دولار، وأربعة كيلوغرامات من الذهب، ضمن التحقيقات الجارية في قضية وكيل وزارة النفط السابق لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، موضحاً أنّ جزءاً من الأموال كان مودعاً لدى عدد من الأشخاص، فيما عثر على الجزء الآخر مخبأ داخل جدران منازل.

ويأتي ذلك بعد أيام من إعلان المجلس ضبط 14 مليار دينار داخل حفرة لتصريف مياه الأمطار، واسترداد 375 كيلوغراماً من الذهب، إلى جانب عشرات ملايين الدولارات التي عثر على أجزاء منها داخل أجهزة التكييف وأماكن مدفونة، في واحدة من أكبر عمليات استرداد الأموال المرتبطة بقضايا الفساد.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار البنك المركزي العراقي في تشديد الرقابة على التحويلات الخارجية، وتشديد تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال، وسط تقديرات بأن قيمة الأموال والأصول المضبوطة في قضية الجميلي تجاوزت 160 مليون دولار، من دون احتساب العقارات والمركبات والأصول الأخرى الخاضعة للحجز والتحقيق.

الرقابة المصرفية تضيق الخناق

يرى الخبير المصرفي عبد الرحمن الشيخلي أن المشاهد التي أظهرت العثور على الأموال والذهب داخل أجهزة التكييف، وفتحات تصريف المياه، وتحت الأرض، تعكس تحولاً واضحاً في أساليب إخفاء الأموال المتحصلة من الفساد، وهو ما يدل على تضييق الخناق على عمليات غسل الأموال وتهريبها عبر القنوات المالية التقليدية. وأضاف الشيخلي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي العراقي خلال الأشهر الأخيرة، بالتنسيق مع الجهات الرقابية المحلية والدولية، ولا سيما بعد تشديد متطلبات الامتثال والرقابة على نافذة بيع الدولار والتحويلات الخارجية، أسهمت في الحد من قدرة المتورطين على تمرير الأموال غير المشروعة عبر النظام المصرفي.

وأوضح أن هذه الوقائع تعكس نجاحًا ملموسًا في تضييق منافذ غسل الأموال، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن المواجهة لم تنتهِ، بل انتقلت من القطاع المصرفي إلى ملاحقة الأموال المخزنة خارج الدورة الاقتصادية. وأضاف: "يبدو أن البعض لم يعد يجد مكانًا آمنًا لإخفاء الأموال، فانتقلت من الحسابات المشبوهة إلى فتحات التصريف وأجهزة التكييف وحتى تحت الأرض، وكأنها أصبحت خزائن مصرفية بديلة، لكنها في النهاية لم تنجح في الإفلات من العدالة". وشدد الشيخلي على أنّ استمرار حملات ملاحقة الفساد، بالتوازي مع تطوير أنظمة الامتثال المصرفي وتعزيز التعاون بين البنك المركزي والأجهزة القضائية والرقابية، سيجعل الاحتفاظ بالأموال غير المشروعة أكثر كلفة وصعوبة، ويغلق تدريجياً المسارات التي استُخدمت لسنوات في غسل الأموال وتهريبها إلى خارج العراق.

الإصلاح المصرفي يعزز الثقة

من جانبه، قال مستشار رابطة المصارف العراقية الخاصة، سمير النصيري، إن التطورات الأخيرة في قضايا الفساد تحمل رسالة إيجابية للمؤسسات المالية الوطنية والدولية، لأنها تؤكد أن العراق لم يعد يكتفي بإصدار تعليمات لمكافحة غسل الأموال، بل انتقل إلى مرحلة التطبيق العملي وملاحقة الأموال غير المشروعة واستردادها. وأضاف النصيري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الحفاظ على خروج العراق من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، ورفع اسمه من قائمة الدول عالية المخاطر لدى الاتحاد الأوروبي، لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة سنوات من تطوير منظومة الامتثال والرقابة المصرفية، وهو ما عزز ثقة المصارف المراسلة والمؤسسات المالية العالمية بالتعامل مع القطاع المصرفي العراقي.

وأوضح أن نجاح السلطات في تعقب الأموال المتحصلة من الفساد يعزز مصداقية الإصلاحات المصرفية، لأن المجتمع المالي الدولي لا يقيم الدول على أساس التشريعات فقط، وإنما على أساس قدرتها على تنفيذ القانون وملاحقة الجرائم المالية وتجفيف مصادرها. وأكد أن استمرار هذه الإجراءات سينعكس إيجاباً على التصنيف المالي للعراق، ويعزز فرص جذب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع العلاقات مع المصارف العالمية، لأنّ حماية النظام المالي من الأموال غير المشروعة أصبحت أحد أهم معايير الثقة في الاقتصاد الحديث.

أموال العراق خارج الدورة الاقتصادية

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي كريم الحلو أن الأموال المتحصلة من الفساد لا تمثل مجرد مبالغ مسروقة، بل تتحول إلى كتلة نقدية معطلة خارج الاقتصاد الرسمي، وهو ما يزيد من حجم الاقتصاد الخفي، ويضعف كفاءة السياسة النقدية، ويمنع توظيف تلك الموارد في دعم التنمية وتمويل المشاريع. وأضاف الحلو، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن العراق لا يزال من أكثر الاقتصادات اعتماداً على النقد، إذ تشير بيانات البنك المركزي إلى أكثر من 85 تريليون دينار متداولة خارج الجهاز المصرفي، وهو ما يوفر بيئة مناسبة لإخفاء الأموال غير المشروعة، ويصعّب تتبعها مقارنة بالدول التي تعتمد بصورة أكبر على المدفوعات الإلكترونية.

وأوضح أن الأثر الاقتصادي لاسترداد هذه الأموال لا يقاس بحجم المضبوطات فقط، بل بقدرة الدولة على إعادتها إلى الدورة الاقتصادية، لأن بقاء مليارات الدنانير خارج المصارف والخزينة العامة يحرم الاقتصاد من سيولة يمكن أن تتحول إلى تمويل للمشاريع، كما يمكن أن تسهم في تقليص جزء من العجز المالي أو تخفيف الحاجة إلى الاقتراض الداخلي إذا أُحسن توظيفها ضمن أولويات الموازنة. وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تقليص الاقتصاد النقدي، ورفع معدلات الشمول المالي، والتوسع في وسائل الدفع الإلكتروني، وربط قواعد البيانات المالية والضريبية، لأن مكافحة الفساد لا تبدأ عند اكتشاف الأموال فقط، وإنما بمنع تكوينها وإخفائها، واستردادها، ثم إعادة توظيفها في مشاريع تنموية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.