تسييس الاستثمارات السورية

15 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 08:27 (توقيت القدس)
مقصد سياحي في دمشق، 5 يوليو 2025 (عز الدين قاسم/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت سوريا توقيع اتفاقيات استثمارية بقيمة 14 مليار دولار تشمل مشاريع كبرى مثل مطار دمشق الدولي ومترو دمشق، مع 47 اتفاقية مع السعودية بقيمة 6.4 مليارات دولار، بهدف دعم الاقتصاد وتحسين البنية التحتية.

- رغم الأرقام الكبيرة، تفتقر سوريا للشروط الأساسية لجذب الاستثمارات مثل الأمن والقوانين الجاذبة، مما يثير تساؤلات حول الدوافع السياسية وراء هذه الاستثمارات.

- تواجه سوريا تحديات استثمارية مثل غياب خريطة استثمارية واضحة وشكوك حول وهمية بعض الشركات، مما يتطلب خطة استثمارية تحدد الأولويات الاقتصادية.

نظرياً، جذبت سورية خلال ستة أشهر من الاستثمارات ما لم تجذبه ربما، منذ طرحت أول قانون للاستثمار عام 1991، وقت بدلت هوية اقتصادها، من التحول الاشتراكي إلى الاقتصاد الموجه ومن ثم اقتصاد السوق الاجتماعي، ووقعت سورية خلال النصف الأول من العام الجاري مذكرات تفاهم واتفاقات، ربما أكثر مما وقعته حكومات بشار الأسد طيلة سني الثورة، والتقى الرئيس أحمد الشرع رجال أعمال ومستثمرين، بعد تحرير البلاد، نهاية العام الماضي، ربما أكثر مما التقاهم الأسدان، الوارث والوريث منذ عام 1971.

فما أعلنه رئيس هيئة الاستثمار السورية، قبل أيام فقط، كان 12 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية تبلغ 14 مليار دولار، موزعة على مطار دمشق الدولي "4 مليارات" ومترو دمشق "ملياري دولار" وأبراج دمشق "ملياري دولار" ومول وأبراج البرامكة "560 مليون دولار" عدا مشاريع أخرى موزعة على 10 محافظات أخرى، جميعها من عيار مئات الملايين أو مليارات الدولار.

وهذه المشروعات والأرقام تضاف لـ47 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع السعودية، وقعتها دمشق خلال منتدى الاستثمار، الشهر الماضي، مع 20 جهة حكومية و100 شركة خاصة بقيمة 6.4 مليارات دولار، وقبلها اتفاقات مع الإمارات، بعضها مع موانئ دبي لتطوير وتشغيل مرفأ طرطوس بقيمة 800 مليون دولار وقبلها مع قطر وتركيا وأذربيجان والكويت وغيرهم.

ولكن على الأرض ما الذي حصل، عدا الذي نقرأه ونسمعه، من أن المشروعات والاستثمارات، ستنقل سورية، من حال إلى آخر، وستحقق نقلة نوعية في البنية التحتية والحياة الاقتصادية بعد توليد فرص العمل وزيادة الإنتاج والتصدير، وتعبد جسور العلاقات والثقة، بين سورية والمستثمرين والدول. وعلى الأرض السورية حتى اليوم، واقعياً واقتصادياً، لا شيء يمكن أن يغري رأس المال الخارجي، والذي، من غير الواقعي والاقتصادي، أن نصفه بالجبان إن تردد أو ابتعد، لأن تحقيق الأمن أول حقوقه ووجود قانون استثمار جاذب وعصري بدهيات استقطابه وتوفر حوامل الطاقة واليد العاملة الماهرة والقدرة الشرائية، شروط تقدمها جميع دول العالم له وترحب به بمزايا واعفاءات وإغراءات غيرها.

ولأن كل تلك الشروط المحقة لأي مستثمر أو رجل أعمال أو حتى دولة، لم تتوفر بسورية بعد، فكيف يمكن تبرير تهافت المليارات وتسابق الدول والشركات وأصحاب الرساميل إلى سورية، وكيف يمكن الشرح، لأي ذي لب وحجة ومنطق، أسباب الجذب وجنة الأرباح بسورية، التي دفعت ولم تزل، المستثمرين لتوقيع الاتفاقات ومذكرات التفاهم.

قصارى القول: "يمكننا ومن دون مواربة وصف تلك الاتفاقات، أو معظمها على الأقل، بأنها استثمارات دعم سياسي أو ذات طابع سياسي أو لأغراض سياسية، هدفها، أو من ورائها من دول وشركات ورجال أعمال، دعم التجربة السورية بالحكم والاستقرار، ومساعدة البلاد بالانتقال من مرحلة الدمار التي خلفها الحكم البائد وتعظيم نظرة الاستقرار، لكل من يهمهم الأمر، ليأتوا لسورية ويساهموا بالبناء والإعمار، إن لم نقل رد الجميل لسورية وشعبها أو التكفير عن أخطاء ارتكبوها بحق سورية والشعب، خلال سني الثورة وعلى مدى 14 عاماً.

والدعم والاستقرار اللذان يمكن تعميمهما على غاية جلّ الاستثمارات، يخدمان الدول والشركات المستثمرة، ربما كما يخدمان سورية والسوريين، لأن العكس وبحالة الفوضى والاحتراب، ثمة عقابيل وآثار على الدول، بل ومخاطر تهدد ربما الاستقرار بالمنطقة برمتها، بحال فشل التجربة السورية وعدم الأخذ بيد السلطة لتحقق أهدافها، بالاستقرار وكفاية الشعب وإعادة إعمار البلاد والعباد. طبعاً من دون التغافل عمّا يمكن أن تحققه، الدول والشركات والمستثمرين، من فرص وأرباح، ببلد، فيها ولها من الميزات، الجغرافية والخبرات التراكمية الاقتصادية، وحتى المواد الأولية ورخص الأيدي العاملة، ما لها وفيها، بعد أن تستقر وتبدأ بعد النمو التصاعدي.

وبلد عطشى وسوق خاو، يمكن لأي عمل ومشروع فيها، أن يكون نواة لمملكة اقتصادية، سواء بقطاع الزراعة السوري الغني أو النفطي المغري أو الصناعي العريق. أو حتى السياحي والخدمي. نهاية القول أمران. الأول ما قيل ورشح حول وهمية بعض الشركات التي وقعت دمشق معها مذكرات تفاهم، والتي جاء تبرير هيئة الاستثمار، بعدما نبش سوريون أصول تلك الشركات وتاريخ تأسيسها ورساميلها وأعمالها السابقة، بأن المذكرات ما هي إلا مرحلة أولية ولا ترقى لمستوى العقد الملزم، فهي أشبه بفترة الخطوبة، يمكن خلالها الانفصال إن لم ترق أهداف الشركاء لبعضهم أو لم تلب الشروط تطلعات البلد المضيف.

وفي ذلك، على ما نعتقد، خطأ ينعكس على سمعة الاستثمار بسورية ويثير شكوكاً وريبة، حول وجود فساد أو غايات غير اقتصادية، رغم أن مذكرات التفاهم، نهج وطريقة متداولة تسبق العقود، كما عدم التوافق بين الأطراف وإلغاء المذكرة بعد التوقيع عليها، متداول ومشروع ومن حق الأطراف، ولكن بحالة غير التي تمر فيها سورية الآن وبمؤتمرات وكرنفالات لم يحضرها رؤساء الدول كما رأينا بدمشق.

أما الأمر الثاني والمحيّر، بحالة كما السورية اليوم، فهو غياب خريطة استثمارية تحدد المشروعات التي يحتاجها الاقتصاد السوري، تضع المستثمرين والدول أمام خيارات تحتاجها سورية أولوية لنهوضها، كقطاعي الصحة والتعليم ومن ثم الزراعة والصناعة، بالتوازي مع استثمارات طاقوية، يحتاجها السوريون المحرومون منذ سنين، من الكهرباء والخدمات ويتطلبها المستثمرون ليقلعوا بمشروعاتهم ويبدأوا بتنفيذ أعمالهم. ولا تترك البلد، بهدف التغني بجذب الاستثمار أو لمرام سياسية، مفتوحة أمام رغائب أصحاب الرساميل وغايات الشركات، والتي، قد تتنافى مع الهدف التنموي السوري، أو، على الأقل، لا تتناسب وسلم أولويات وحاجة انطلاقة البلد.

ولعل بغلبة المشروعات الخدمية وطغيان العقارية البرجية، التي لا تتوافق البتة، مع ملاءة السوريين المالية وحاجة وأولوية البلاد، أدلة على غياب الرؤية أو ضبابيتها كرمى الهدف الترويجي والاستثمار المسيس، ومؤشر على زيادة الحاجة لخطة وخريطة أو مؤتمر وسوق استثماري، تقول خلاله سورية: هذه أولوياتنا ومن هنا الانطلاقة، ونشكركم على المساهمة.

المساهمون