تسارع التضخّم في منطقة اليورو... يربك خطة الفائدة

01 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 14:51 (توقيت القدس)
علم الاتحاد الأوروبي أمام البنك المركزي الأوروبي، 5 يونيو 2025(Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت منطقة اليورو تسارعًا في التضخم إلى 2.2٪ في سبتمبر، مما أثار قلق صانعي السياسات، رغم تفضيل البنك المركزي الأوروبي تثبيت أسعار الفائدة عند 2٪.
- تعود أسباب التضخم إلى ارتفاع أسعار الطاقة، مع توقعات بانخفاضه إلى 1.7٪ العام المقبل، مدعومًا بالإنفاق الحكومي على الدفاع والبنية التحتية.
- تأثر التضخم بجائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، مما أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، ويواجه البنك المركزي الأوروبي تحديات في تحقيق التوازن بين كبح التضخم ودعم النمو.

تسارع التضخّم في منطقة اليورو خلال سبتمبر/أيلول أثار قلقًا متجددًا بين صانعي السياسات الأوروبية، خاصة في ظل حساسية البنك المركزي الأوروبي تجاه أي انزياح عن هدف التضخم، خاصة بعدما حققت أسعار المستهلك هدفها عند 2%. فقد ارتفعت أسعار المستهلك السنوية إلى نحو 2.2٪ مقارنة بالعام الماضي، وبلغ التضخم الأساسي (باستثناء الطاقة والغذاء) حوالي 2.3٪ — أرقام تدعم موقف البنك في تثبيت أسعار الفائدة بدلًا من خفضها في الوقت الراهن، ويتماشى ذلك مع متوسط تقديرات استطلاع أجرته وكالة بلومبيرغ.

يشعر مسؤولو البنك المركزي الأوروبي بالرضا عن مستوى تكاليف الاقتراض، بعدما أظهرت أحدث توقعاتهم الفصلية أن التضخم لم يخرج عن السيطرة بشكل كبير، وأن اقتصاد المنطقة، المؤلف من 20 دولة، قادر على تحمل الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة. ولا يتوقع المستثمرون والمحللون أن يُضيف البنك المركزي الأوروبي مزيدًا من التخفيضات الثمانية التي بلغت ربع نقطة مئوية في أسعار الفائدة، والتي سُنّت حتى الآن، على الرغم من أن بعض صانعي السياسات لا يزالون قلقين من أن نمو أسعار المستهلك سيكون ضعيفًا للغاية.

وقبل يوم من إصدار البيانات، وصفت الرئيسة كريستين لاغارد مخاطر التضخم بأنها "محصورة تمامًا في كلا الاتجاهين"، مؤكدةً أن وضع السياسات "في وضع جيد". يبلغ سعر الفائدة الرئيسي على الودائع حاليًا 2%، ومن المرجح أن يبقى على هذا المستوى عند القرار التالي في 30 أكتوبر/تشرين الأول.

وبحسب تقرير "بلومبيرغ" الاقتصادي، فإن تسارع التضخم في سبتمبر/أيلول يرجع أساسًا إلى تأثيرات أسعار الطاقة، ومن غير المرجّح أن يستمر هذا الارتفاع بنفس الوتيرة في الأشهر المقبلة، بل يُتوقع أن يبدأ الرقم الرئيسي بالانخفاض مجددًا في أكتوبر/تشرين الأول. كما أن توقعاتهم على المدى المتوسط تشير إلى انخفاض التضخم إلى 1.7٪ في العام المقبل، ثم ارتداده إلى نحو 1.9٪ في 2027، مع دعم من الإنفاق الحكومي الأوروبي على مجالات الدفاع والبنية التحتية، لتعويض جانب من ضغوط الرسوم الجمركية. وفي حديثه في وقت سابق من يوم الأربعاء، قال نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، لويس دي غيندوس، إن المستوى الحالي لأسعار الفائدة هو "المستوى الصحيح".

منطقة اليورو عاشت خلال السنوات الخمس الماضية موجات متقلبة من التضخم والانكماش، متأثرة بجائحة كورونا أولًا، ثم تداعيات الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا. ففي 2022–2023، قفز التضخم إلى مستويات تاريخية تجاوزت 10% في بعض الدول، مدفوعًا بارتفاع أسعار الغاز والنفط. وقد دفع ذلك البنك المركزي الأوروبي إلى واحدة من أسرع دورات التشديد النقدي في تاريخه، عبر رفع أسعار الفائدة المتتالية لكبح جماح الأسعار.

ورغم أن تلك الإجراءات ساعدت على تباطؤ التضخم في 2024 ليقترب تدريجيًا من هدف 2%، إلا أن آثارها الجانبية تمثلت في تباطؤ النمو الاقتصادي، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع تكلفة الاقتراض للأسر والشركات. هذا التوازن الصعب بين السيطرة على التضخم والحفاظ على نمو اقتصادي مستدام ظل أحد أبرز التحديات أمام صانعي القرار في فرانكفورت.

اليوم، ومع تسجيل التضخم 2.2% في سبتمبر/أيلول 2025، يعود الجدل من جديد: هل يشكّل هذا الارتفاع خطرًا يستدعي مزيدًا من التشديد النقدي، أم أنه مجرد انعكاس لعوامل مؤقتة مرتبطة بالطاقة والخدمات؟ بعض المحللين يرون أن الضغوط السعرية الحالية أقل خطورة مقارنة بموجات التضخم السابقة، خاصة أن التوقعات متوسطة المدى تشير إلى انخفاض المؤشر العام إلى ما دون 2% في 2026، ما يعزز حجّة التريّث بدلًا من اتخاذ خطوات متسرعة.

هذه الخلفية توضّح أن أرقام التضخم الأخيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق: فالبنك المركزي الأوروبي يقف بين مطرقة كبح الأسعار وسندان دعم النمو، في وقت تواجه اقتصادات أوروبا تحديات إضافية مثل ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتداعيات الرسوم الجمركية الأميركية، ما يجعل إدارة السياسة النقدية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

لذلك، القراءة التضخمية الأخيرة تُعيد تأكيد الدور الحذِر الذي يتبناه البنك المركزي الأوروبي في تحديد مسار أسعار الفائدة، لا سيما في ظل تعقيدات تلوح في الأفق مثل الأثر المحتمل للحرب التجارية الأميركية، وتفاوت الأوضاع الاقتصادية بين دول منطقة اليورو. على الرغم من أن الأرقام الحالية تدعم استقرار الفائدة عند 2٪ على المدى القريب، فإن المسار مستقبليًا يظل مرهونًا بعدد من المتغيرات: مدى استدامة الضغوط التضخمية، استجابة النمو الاقتصادي، والتداعيات الإقليمية والعالمية. في حال ارتدت الأسعار نحو الانخفاض المتزايد، قد يُفتح الباب أمام مزيد من التيسير، ولكن أي خطوة مبكرة قد تعرّض التوازن لمخاطر جديدة.

المساهمون