تركيا تحوّل الذهب "تحت الوسائد" أداةً استثمارية بعوائد ثابتة
استمع إلى الملخص
- يوفر نظام الإيجار القائم على الذهب خياراً استثمارياً متوافقاً مع التمويل الإسلامي، حيث يمنح دخلاً شهرياً دون فوائد ربوية، مما يجذب الأتراك الذين يفضلون التعامل وفق الشريعة.
- تأتي هذه المبادرة في ظل تذبذب سعر الذهب وتراجع الاحتياطي، بهدف تسييل الذهب المجمد وتحقيق عوائد للمستثمرين والدولة.
تسعى الحكومة التركية إلى استثمار مدّخرات المواطنين من الذهب المُكتَنَز والمجمّد، سواءً من خلال إصدار سندات مباشرة بفائدة سنوية، أو عبر نظام الإيجار الشهري للدولة دون فوائد، إذ تُحدد مدة الإيجار وقيمته، ويُعاد الذهب لصاحبه في نهاية العقد بضمان حكومي. وأعلنت وزارة الخزانة والمالية التركية أنها ستقوم، يوم الثلاثاء 20 مايو/أيار، ببيع مباشر لسندات ذهبية وشهادات إيجار قائمة على الذهب، لأجل سنة واحدة. ووفق جدول إصدار الديون المحلية، فإن السندات الذهبية ستُطرح لمدة 364 يوماً، مع دفع كوبونات فائدة كل ستة أشهر، كما سيجري في اليوم نفسه، بيع شهادات إيجار قائمة على الذهب لأجل مماثل، توفّر دخلاً من الإيجار يُصرف كل 6 أشهر.
ويُعد سند الذهب من الأدوات النقدية والاستثمارية، إذ تطرحه الحكومة بهدف إدخال الذهب المخبأ لدى المواطنين ضمن النظام المالي الرسمي. ويجري ذلك من خلال تسليم المدّخر أو المستثمر ذهبه المادي إلى البنوك المخولة، مثل بنك الزراعة الحكومي، مقابل حصوله على سند حكومي. وغالباً ما تكون مدة هذه السندات عامين، مع دفع العائد كل 6 أشهر، ويمكن للمستثمر استرداد الذهب فعلياً أو نقداً عند نهاية المدة.
ويمتاز هذا الاستثمار بضمان حكومي كامل، سواء من حيث استعادة الذهب أو تسلّم العائد "الفائدة"، ما يحقق فائدة للطرفين، إذ يمكن للحكومة استخدام الذهب كاحتياطي أو توظيف قيمته في مشاريع استثمارية، بينما يحصل المستثمر على عائد مضمون بصرف النظر عن تقلبات سعر الذهب عالمياً. أما شهادات الإيجار القائمة على الذهب، فهي تختلف من حيث كونها متوافقة مع مبادئ التمويل الإسلامي، إذ لا تتضمن فوائد ربوية، وتمنح المستثمر دخلاً شهرياً مقابل إيداع الذهب لدى الدولة، تماماً كما لو كان يؤجّر ملكية أو عقاراً، ويُعاد الذهب إلى صاحبه في نهاية العقد، الذي غالباً ما يمتد لعام أو عامين.
من جهته، يؤكد الاقتصادي التركي يوسف كاتب أوغلو، أن هذه الخطوة بالغة الأهمية، إذ تهدف إلى استثمار نحو 5 آلاف طن من الذهب المكتَنز لدى المواطنين "تحت الوسائد"، ما يتيح توظيف هذه الثروة في مشاريع تنموية واقتصادية وخدمية. ويستبعد كاتب أوغلو أن يكون الهدف من هذه الخطوة هو تعزيز احتياطي البنك المركزي، نظراً لأن ذلك قد يسبب خسائر للحكومة إذا لم تحقق عائداً يفوق الفائدة المدفوعة للمودعين. ويضيف كاتب أوغلو أن نظام الإيجار هو الخيار الأكثر شيوعاً وقبولاً لدى فئة واسعة من الأتراك الذين يفضّلون الابتعاد عن الفوائد الربوية، مشيراً إلى أن هذه الأداة الاستثمارية تتماشى مع التمويل الإسلامي وتضمن استرداد الذهب بعد نهاية العقد.
من جهتها، وصفت الباحثة في جامعة محمد الفاتح بإسطنبول عائشة تور، خطوة استثمار الذهب المدخر بأنها مفيدة للطرفَين، الشعب والدولة، دون مخاطر تذكر على المستثمرين أو المؤجّرين. وأشارت إلى أن عادة ادّخار الذهب متجذّرة في المجتمع التركي، سواء على شكل حلي تلبسها النساء أو مدخرات منزلية، معتبرة أن النظام الجديد يمنح أصحاب هذه المدخرات فرصة للاستفادة من أرباحها بدلاً من مجرد الاحتفاظ بها أو دفع رسوم مقابل تخزينها في المصارف.
وتوقعت الباحثة إقبالاً واسعاً على الطرح المقرّر يوم الثلاثاء، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تشبه إلى حد ما نظام ودائع الليرة التركية المحمية الذي أُطلق في ديسمبر/كانون الأول 2021، وتوقف في سبتمبر/أيلول 2023، لكنّها تختلف في كونها تتيح تشغيل مدخرات الأتراك من الذهب بما يعود بالفائدة على المودع والدولة معاً.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه سعر الذهب تراجعاً وتذبذباً، خاصّة بعد صدور بيانات اقتصادية أميركية وتصريحات رئيس البنك الفيدرالي الأميركي، جيروم باول، حول مؤشر أسعار المنتجين الذي انخفض بنسبة 0.5% شهرياً في إبريل/نيسان، وارتفع سنوياً بنسبة 2.4%، وهو أقل من التوقعات. وقد انخفض سعر غرام الذهب في السوق الحرة إلى ما دون 4 آلاف ليرة تركية، ويتداول حالياً بسعر 3997 ليرة للغرام من عيار 24 قيراطاً، وفقاً لمنصة "ادويت".
وفي السياق نفسه، يرى مراقبون أن إصدار سندات الذهب يهدف إلى تسييل الذهب المجمّد لدى المواطنين وتحقيق عوائد للمستثمرين أو المؤجّرين، متوقعين إقبالاً كبيراً على خيار "إيجار الذهب" لأنه يُبعد شريحة واسعة من الأتراك عن الفوائد التقليدية، ويتيح لهم التعامل وفق الشريعة من خلال المصارف الإسلامية الخمسة في تركيا، التي يتجاوز عدد فروعها 960 فرعاً في 81 ولاية.
وفي المقابل، يشير محللون إلى أن احتياطي النقد والذهب في البنك المركزي التركي شهد تراجعاً خلال الشهرين الأخيرين، خاصة بعد تجريم رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو، وما تبعه من تراجع في قيمة الليرة، ما اضطر البنك المركزي للتدخل وضخ مليارات الدولارات في السوق للحد من انخفاض العملة التي وصلت حينها إلى نحو 42 ليرة مقابل الدولار، في حين يبلغ سعر الدولار حالياً 38.864 ليرة.
وفي هذا الإطار، تشير بيانات رسمية تركية إلى انخفاض احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي والذهب خلال إبريل/نيسان 2025، لتسجل أدنى مستوى لها منذ سبتمبر/أيلول الماضي. وبلغ احتياطي النقد الأجنبي 77.8 مليار دولار، بانخفاض قدره 2.8 مليار دولار خلال الأسبوع الأخير من إبريل/نيسان، بينما ارتفعت احتياطيات الذهب بنحو 520 مليون دولار لتصل إلى 76.4 مليار دولار. ومنذ منتصف مارس/أذار الماضي، خسر البنك المركزي التركي نحو 16.8 مليار دولار من إجمالي احتياطياته، وهو من أكبر التراجعات المسجلة في الفترة الأخيرة، ما يعكس استمرار الضغوط على السياسة النقدية في البلاد.
يُذكر أن تركيا بدأت إنتاج الذهب محلياً عام 2001 من منطقة برغاما-أوفاجيك، وبلغ إنتاجها حتى عام 2024 نحو 517.3 طناً، بحسب بيانات جمعية عمال مناجم الذهب. ويجري الإنتاج حالياً في 20 موقعاً، مع خطط لافتتاح 10 مناجم جديدة قريباً. كما تُعد تركيا من أكبر مستوردي الذهب في العالم، إذ بلغ متوسط وارداتها السنوية نحو 156 طناً، ووصلت إلى ذروتها عام 2018 حين سجلت 324 طناً. وتتراوح صادرات تركيا من المشغولات الذهبية بين 5 و7 مليارات دولار سنوياً.