- الشراكة البريطانية التركية في التجارة والدفاع: بريطانيا تسعى لتعميق شراكتها مع تركيا عبر تحديث اتفاق التجارة الحرة وتوسيع التعاون في البنية التحتية والطيران والطاقة النظيفة، مع تعزيز التعاون الدفاعي من خلال صفقة تايفون.
- التحديات والفرص في تحول تركيا إلى مركز طاقة: تواجه تركيا تحديات في البنية التحتية ومصادر الغاز، لكنها تسعى لتوسيع أسواق الطاقة المتجددة وربط شبكتها الكهربائية بأوروبا، مع فرص في تسويق الصناعات العسكرية.
تعود تركيا إلى صدارة الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية الأوروبية مع تداخل ثلاثة ملفات ضاغطة: بحث أوروبا عن ممرات طاقة وتجارة أقل تعرضاً لمخاطر روسيا والتوتر في الخليج، وارتفاع الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، ومساعي بريطانيا إلى تعميق شراكتها التجارية والأمنية مع أنقرة. فبفعل موقعها بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، تحاول تركيا تحويل الجغرافيا إلى نفوذ اقتصادي، من ميناء جيهان وممرات الغاز إلى الممر الأوسط والصناعات الدفاعية. وتبرز العلاقة مع بريطانيا اختباراً عملياً لهذا الدور، من مفاوضات تحديث اتفاق التجارة الحرة إلى الشراكة الدفاعية الجديدة بين لندن وأنقرة.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
في رد رسمي مشترك شمل وزارتي الأعمال والتجارة والدفاع البريطانيتين، قال متحدث باسم الحكومة البريطانية لـ"العربي الجديد" إن "تركيا حليف رئيسي في حلف شمال الأطلسي وصاحبة اقتصاد سريع النمو"، مشيراً إلى أن لندن تعمل على تأمين "اتفاق تجاري حديث وشامل" يدعم النمو في اقتصادي البلدين. وأضاف المتحدث أن الشراكة الأمنية والدفاعية الجديدة بين المملكة المتحدة وتركيا ستعمّق التعاون بينهما، "بناءً على زخم صفقة تايفون البالغة 8 مليارات جنيه إسترليني العام الماضي، والتي تدعم 20 ألف وظيفة بريطانية".
وبلغ حجم التجارة بين البلدين 28.4 مليار جنيه إسترليني حتى نهاية 2025، فيما تواصل لندن وأنقرة مفاوضات تحديث اتفاق التجارة الحرة لتوسيع التعاون في قطاعات تشمل البنية التحتية والطيران والخدمات المالية والطاقة النظيفة والدفاع. في السياق، تقول غولفيم غورين، المتحدثة باسم الغرفة التجارية التركية البريطانية، لـ"العربي الجديد"، إن هناك "زخماً إيجابياً" في التجارة والاستثمار بين البلدين، وإن تحديث اتفاق التجارة الحرة قد يفتح مجالات جديدة للتعاون.
فيما تؤكد دفنه أرسلان، المديرة الأولى ومؤسِّسة برامج تركيا في المجلس الأطلسي، في حديث إلى "العربي الجديد"، إن تركيا تنفذ تحولاً استراتيجياً طويل الأمد من "دولة عبور" إلى مركز اقتصادي وطاقوي تُخزَّن فيه الموارد وتُتداول وتُعادُ توزيعها، معتبرة أن الحرب الروسية على أوكرانيا ومساعي أوروبا لتقليل الاعتماد على موسكو سمحت لأنقرة بتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة استراتيجية أكبر.
في الطاقة، يعيد القلق من اضطراب الممرات البحرية في الخليج تسليط الضوء على ميناء جيهان التركي وخطوط النفط التي تنتهي عنده. وتقول خبيرة الطاقة في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، غولميرا رزاييفا، في حديث إلى "العربي الجديد"، إن أهمية تركيا في أمن الطاقة الأوروبي "ازدادت أكثر بعد الحرب في أوكرانيا"، ثم تعززت مجدداً مع التوترات في منطقة الخليج، مشيرة إلى أن الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي، ظلت مرتبطة بالسياسة والعلاقات بين الحكومات والتحولات الجيوسياسية.
وتلفت رزاييفا إلى أن أهمية جيهان لا تقتصر على النفط العراقي أو نفط إقليم كردستان، إذ يستقبل الميناء أيضاً النفط الأذربيجاني عبر خط باكو- تبليسي - جيهان، ما يعزز موقعه كبوابة لشحن النفط إلى الأسواق العالمية. وترى رزاييفا أن الطرق البحرية لم تعد قادرة على ضمان أمن نقل النفط والغاز الطبيعي المسال بالكامل، لأن الدول الكبرى لا تريد المخاطرة بأعمال بمليارات الدولارات عبر مسارات لا تسيطر عليها ومعرضة للتوترات والحروب. ومن هنا، تبرز تركيا ممراً بديلاً أو مكملاً، خصوصاً إذا توسعت مشروعات الربط البري بين الشرق الأوسط وتركيا ثم أوروبا.
أما أرسلان فتشير إلى أن تركيا لعبت دوراً رئيسياً في بناء ممر الغاز الجنوبي لأمن الطاقة الأوروبي، إذ يمر عبرها نحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً من أصل 16 مليار متر مكعب من غاز حوض قزوين المتجه إلى أوروبا، عبر خط الأنابيب العابر للأناضول "تاناب"، الذي تصل قدرته التوسعية إلى 32 مليار متر مكعب سنوياً. وتضيف أرسلان أن أنقرة وسّعت قدرات تخزين الغاز، وتستهدف، بحسبها، بلوغ 13.4 مليار متر مكعب بحلول 2028، إلى جانب تشغيل خمس محطات ووحدات نشطة للغاز الطبيعي المسال وإعادة التغويز.
لكن تحويل تركيا من دولة عبور إلى مركز طاقة فعلي لا يزال مشروطاً بعوامل غير متوافرة بالكامل. وتوضح رزاييفا أن أنقرة تحتاج إلى بنية تحتية أوسع، ومصادر غاز متعددة، وقدرات تخزين أكبر، وآلية محلية لتسعير الغاز على غرار مركز تداول الغاز الهولندي "تي تي إف" (TTF)، أحد أبرز مؤشرات أسعار الغاز في أوروبا. وتشير إلى أن الطلب السنوي التركي على الغاز يتراوح بين 50 و55 مليار متر مكعب، ما يجعل التحول إلى مركز إقليمي مرتبطاً بتجاوز قيود الإمداد، من العقوبات على الغاز الروسي والإيراني، إلى محدودية كميات الغاز الأذربيجاني وغياب البنية التحتية اللازمة لنقل الغاز التركماني.
وفي المقابل، ترى أرسلان أن تركيا لا تراهن على الغاز وحده، بل أصبحت، بحسبها، من أسرع أسواق الطاقة المتجددة نمواً في أوروبا، وتستهدف الوصول إلى 120 غيغاواط من طاقتي الرياح والشمس بحلول 2035، مع خطط لربط شبكتها الكهربائية بأوروبا لتصدير الكهرباء النظيفة وربما الهيدروجين الأخضر مستقبلاً.
ومع ذلك، ترى رزاييفا أن تركيا أثبتت نفسها شريكاً موثوقاً في قطاع الطاقة، قائلة: "لم أرَ حتى الآن سبباً يدعو إلى اعتبار تركيا شريكاً غير موثوق أو صعب التعامل معه". وتضيف أن تركيا، في مجال الطاقة، يمكن تصنيفها "شريكاً موثوقاً لأوروبا".
أما الممر الأوسط، الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر القوقاز وتركيا متجنباً روسيا، فأصبح جزءاً من نقاش أوروبي أوسع حول تنويع سلاسل الإمداد بعد حرب أوكرانيا. وتقول رزاييفا إن "من دون تركيا، كل ذلك غير ممكن"، في إشارة إلى دورها المحوري في الممرات البديلة بين آسيا وأوروبا. وبحسب أرسلان، فإن الممر الأوسط يختصر زمن نقل البضائع إلى أوروبا إلى نحو 15 إلى 20 يوماً، مقارنة بأكثر من 40 يوماً عبر البحر من خلال قناة السويس. لكنها ترى أنه سيبقى، في المدى القريب، ممراً متخصصاً لا بديلاً واسع النطاق للتجارة البحرية العالمية، إلى أن تُستكمل استثمارات تُقدّر بنحو 18.5 مليار دولار لرقمنة الجمارك وتنسيق الرسوم الإقليمية وتوسيع قدرة موانئ بحر قزوين.
وتصف أرسلان الممر الأوسط بأنه "وثيقة تأمين جيوسياسية"، لأنه يوفر طريقاً برياً لا يمر عبر روسيا ويتجنب نقاط الاختناق البحرية في الشرق الأوسط، لكنه يظل معرضاً لتحديات الاستثمار والتنسيق السياسي والعوائق الجغرافية، ولا سيما في بحر قزوين وجنوب القوقاز. ويقول توماس مادوك، باحث مركز الإصلاح الأوروبي، في رده على "العربي الجديد"، إن الاتحاد الأوروبي وتركيا اختلفا بشأن الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المعروف اختصاراً بـ"IMEC" لكنهما يلتقيان في الاهتمام بالممر الأوسط. ويحذر مادوك من تحديات تتعلق بالجدوى اللوجستية، وبما إذا كان المشروع سيخدم المصالح التجارية الصينية أكثر من المصالح الأوروبية.
وفي الدفاع، تمنح إعادة التسلح الأوروبية تركيا فرصة أوسع لتسويق صناعاتها العسكرية. وتقول الحكومة البريطانية، في ردها على "العربي الجديد"، إن الشراكة الأمنية والدفاعية الجديدة مع أنقرة ستعمّق التعاون في التدريبات والاستخبارات والصناعات الدفاعية، وتفتح الباب أمام فرص صناعية جديدة عبر مجلس الصناعة الدفاعية التركي البريطاني. وترى أرسلان أن الصناعات الدفاعية التركية مرشحة لأن تكون من أبرز المستفيدين اقتصادياً من إعادة التسلح الأوروبية، حتى إذا بقي اندماجها في المبادرات الدفاعية الأوروبية المتعددة الأطراف محدوداً بفعل الخلافات السياسية.
وتشير إلى أن صادرات الدفاع التركية تجاوزت 10 مليارات دولار في 2025، معتبرة أن المستقبل قد يشهد نشوء “مجمع دفاعي أوروبي–تركي” يقوم على الإنتاج المشترك والصفقات الثنائية. وفي هذا السياق، يقول مادوك إن الخلافات السياسية بين تركيا والاتحاد الأوروبي "لم تختفِ"، لكن التهديدات الآتية من روسيا واحتمال انكفاء الولايات المتحدة يدفعان الطرفين إلى التفكير في مجالات تعاون مشتركة، خصوصاً في الدفاع. ويضيف أن دولاً أوروبية تبحث توسيع علاقاتها الدفاعية الثنائية مع تركيا، حتى إن كان اندماج أنقرة في مبادرات الاتحاد الأوروبي على مستوى التكتل لا يزال غير مرجح.