ترحيب رسمي ورفض قبائلي لاتفاق المعادن بين واشنطن وإسلام أباد

20 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 21 أغسطس 2025 - 22:45 (توقيت القدس)
سوق في خيبر بختونخوا، 22 نوفمبر 2024 (ديلاور خان / فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الحكومة الباكستانية تسعى لاستغلال المعادن والنفط في الشمال والجنوب الغربي، مما يثير استياء القبائل المحلية مثل البشتون والبلوش بسبب تدهور الوضع الأمني.
- مشروع قانون جديد ينقل قرار المناجم والموارد الطبيعية للحكومة المركزية يواجه اعتراضات من الأحزاب القومية والدينية والحكومات الإقليمية، معتبرين أنه ينهب ثروات القبائل.
- المخاوف تتزايد من سيطرة الشركات الأجنبية على الموارد، مما يهدد استقلالية القبائل، بينما تواجه الحكومة ضغوطاً اقتصادية لاستغلال الموارد رغم المعارضة القوية.

لم تحظَ المعادن والنفط في مناطق الشمال والجنوب الغربي من باكستان، حيث تقطن قبائل البشتون والبلوش، باهتمام على مر العقود الماضية، لكن منذ عام تقريباً بدأ اهتمام الحكومة الباكستانية بهذا الجانب يتزايد، ما أثار استهجان القبائل وريبتهم، بخاصة مع تدهور الوضع الأمني في تلك المناطق بشكل كبير.

في الرابع من إبريل/ نيسان من العام الحالي قُدِّم قانون جديد إلى الجمعية العامة (البرلمان) وسُمّي مشروع قانون المناجم والموارد الطبيعية لعام 2025، وهو في الأساس تعديل لقانون عام 2017، ليجري نقل القرار بشأن المناجم والموارد الطبيعية إلى الحكومة المركزية، بعدما كان القانون السابق ينص على أن يكون القرار بيد الحكومة الإقليمية.

هذا الأمر أثار امتعاض الأحزاب القومية والدينية في المناطق التي يطاولها القانون، ووصفه البعض بمحاولة نهب ما تملكه القبائل. وكانت الحكومة الإقليمية في خيبر بختونخوا التي يتزعمها حزب حركة الإنصاف، بزعامة رئيس الوزراء السابق عمران خان، أول من عارض هذا القرار، بعد أن دارت نقاشات طويلة بشأنه داخل البرلمان الإقليمي.

وقال وزير القانون في الحكومة المحلية، أفتاب عالم أفريدي، إن هذا القانون أصبح متنازعاً عليه، وتقديمه إلى الجمعية الوطنية لا يعتد به، لأن الدستور الباكستاني ينص على أن البرلمان الإقليمي هو الأساس، والبرلمان المركزي من الممكن أن يقدم المشورة، لكنّ الحكومة عارضت الدستور بهذا القانون. كذلك، قال رئيس الوزراء في الحكومة المحلية بإقليم خيبر بختونخوا علي أمين كنده بور، إن المعضلة الأساسية أن الحكومة المركزية غير صادقة، فهي لم تتشاور مع الحكومة المحلية، ولا مع أي جهة في المنطقة حول هذه القضية، وقدمت مشروع القانون للبرلمان المركزي. وسأل: "لماذا تسعى الحكومة إلى استفزاز منطقة القبائل التي تمر بمرحلة حرجة للغاية؟".

يوضح الوزير أن "هناك الكثير من القضايا التي كان من المفترض التباحث بشأنها ومناقشتها والاهتمام بها قبل هذا القرار، ولكن مع الأسف تناولت الحكومة هذه القضية بطريقة غير صحيحة، حيث لا يمكن أبداً العمل بهذه الاتفاقية في ضوء الوضع الأمني السائد. على الحكومة المركزية أن توضّح نيتها، وأن تكون صادقة مع شعبها".

معارضة اتفاق المعادن

لم تكن الأحزاب الدينية بمنأى عما حدث، بل هي أيضاً عارضت القرار. وتلك الأحزاب الدينية معروفة بأن لها جذوراً في منطقة القبائل وفي شمال باكستان وجنوب غربها. على سبيل المثال أعلن المولوي فضل الرحمن، زعيم جمعية علماء الإسلام وهو من الساسة المخضرمين في البلاد، في مؤتمر صحافي له في الخامس من الشهر الجاري رفضه القرار، معتبراً أن تهميش رأي القبائل وسكان المنطقة ظلم، ومن هنا لا يمكن تطبيق القانون.

وعلى الرغم من انشغال القبائل البشتونية المتاخمة للحدود مع أفغانستان بالوضع الأمني المتدهور، ما أدى إلى حالة نزوح كبيرة وتشريد آلاف الأسر، فإنها تناولت القضية باهتمام كبير، على مستوى الزعامة وعلى مستوى العامة. الكلّ رفض هذا القرار، بل رفضوا اهتمام الحكومة المركزية بحجة أن هذه ثروات القبائل التي تعيش تحت خط الفقر المدقع. في الشأن عُقدت في مختلف مناطق القبائل اجتماعات قبلية أكدت من خلالها الزعامة القبلية أن ما تحت الأرض من النفط والمعادن هو ثروة القبائل التي باتت ضحية للحروب الأجنبية، وأنها لن تسمح لأي جهة بالاستحواذ على هذه المعادن، مطالبة الحكومة الباكستانية بعدم القيام بأي خطوة تستفز القبائل.

في هذا السياق يقول الزعيم القبلي نظيف الله محسود، أحد المشاركين في الاجتماعات القبلية لـ"العربي الجديد" إن "ما تحت أقدامنا من المعادن والثروات نراه إرثاً قبلياً مقدساً، ورثناه من أجيالنا السابقة. الحفاظ عليها والتضحية من أجلها تراه القبائل واجباً دينياً وقومياً.

بالتالي، أي قرار من قبل الحكومة المركزية من دون التوافق مع الزعامة القبلية نعتبره مرفوضاً"، موضحاً أن الاتفاقية الحالية بين إسلام أباد وواشنطن معارضة لإرادة أبناء القبائل، فقد تغافلتا عن جذور هذه القبائل، ونسيتا أن أي عمل بخلاف إرادتها مصيره الفشل، لن نترك أي جهة تتقدم ولو خطوة واحدة في هذا المجال".

مطالبة بالتنسيق

بينما يقول الزعيم القبلي من مقاطعة خيبر، جوهر خان أفريدي، لـ"العربي الجديد": "إن مثل هذه الاتفاقيات دون التنسيق مع الزعامة القبلية ودون الأخذ في الاعتبار الأعراف السائدة، تفتح الأبواب أمام شركات أجنبية لا يكون هدفها فقط استخراج هذه الموارد الطبيعية والمعادن، بل السيطرة على هذه الأراضي وتنفيذ مخططاتها فيها. الحكومة المركزية الباكستانية تعرف جيداً أن هذه القبائل لها قوتها ووزنها، بالتالي هي تريد السيطرة بشكل كامل من خلال جلب شركة أجنبية وشركة محلية دون التنسيق مع القبائل".

وأشار إلى أن أهم نقطة في هذا المجال هي خشية باكستان من خروج المنطقة القبلية من قبضة الحكومة المركزية، خاصة مع وجود قبائل أفغانية "كل المناطق القبلية محرومة من التعليم والاقتصاد والصحة، وبالتالي تخشى باكستان من خروج هذه المنطقة من قبضتها، وهذه الاتفاقية محاولة لبسط السيطرة وتغلغل نفوذ الدولة العميقة".

وذكر أيضاً أنه في الآونة الأخيرة بدأت طالبان الأفغانية تهتم بشكل كبير بهذه المناطق. أهم الوزراء في حكومة طالبان، مثل وزير الدفاع الملا يعقوب، ووزير الداخلية المولوي سراج الدين حقاني وغيرهما، أكدوا أن خط ديورند الفاصل بين الدولتين خط متنازع عليه، وأنه ليس الحدود الرسمية.

وتابع أفريدي: "كما أن القبائل على هذا الجانب لها مشاريع اقتصادية في أفغانستان. التجار يعملون في أفغانستان، كل الأسواق مفتوحة أمامنا، نحن نعمل هناك كما باقي سكان أفغانستان، لأننا أصلاً امتداد لتلك القبائل. نحن وهم شركاء في كل شيء. أنا لا أستطيع أن أدخل الكثير من المناطق في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، وفي المدن الباكستانية الرئيسية مثل لاهور وكراتشي، ولكن في أفغانستان أمشي حيثما أريد وبدون أي وثائق. بالتالي، هذه القبائل الآن تنظر إلى أفغانستان على أنها مستقبلها. عناصر الجيش من إقليم البنجاب يدخلون إلى قرانا ومنازلنا حيثما يشاءون. كل ذلك سبب وراء سعي باكستان لتقوية وجودها في المناطق القبلية، ولكن لأنها فشلت على مر التاريخ في ذلك، فهي الآن تستعين بالولايات المتحدة الأميركية".

لكن الخبير الاقتصادي الباكستاني، محمد أنس، يرى في حديث له مع "العربي الجديد" أن "الحكومة المركزية تواجه أزمات اقتصادية متنوعة الأشكال والأنواع، والخروج من هذه الأزمات لا بد منه. ولديها خيارات محدودة جداً، منها المعادن الموجودة في شمال باكستان وجنوب غربها، والحكومة المركزية لديها خيار وفق الدستور الباكستاني أن تتصرف فيها كما تشاء، وكل من يقف في وجهها يمكن للحكومة أن تتعامل معه بأي وسيلة ممكنة"، موضحاً أن "القانون واضح جداً. هناك جزء من المنافع يرجع إلى الحكومة المحلية، وهي تصرفه كما تشاء، والجزء الثاني تأخذه الحكومة المركزية. لكن دستورياً لا يمكن للقبائل أن تقف في وجه هذه الأعمال".

من جانبه، قال الإعلامي الباكستاني، عبد الله محمد، لـ"العربي الجديد" إنه "بالنظر إلى الوضع السائد هناك لا يُتوقع تنفيذ تلك الاتفاقية. على مر التاريخ وقّعنا اتفاقيات كثيرة مع العديد من الدول ولكن لم يجر تنفيذها. وغالباً السعي الأميركي وراء توقيع الاتفاقية مع باكستان هو محاولة لإفشال مشاريع صينية في المنطقة وليس استخراج المعادن بحق. لكن لو فرضنا أن واشنطن جادة في هذه الاتفاقية، فلا بد أن تعطي الحكومة للقبائل حصتها، وإلا ستبقى حبراً على ورق".