ترامب يقصف "قوارب فنزويلا" وعينه على نفطها الهائل... إليك التفاصيل
استمع إلى الملخص
- تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة، لكن العقوبات الأمريكية أثرت على قدرتها التصديرية. تم تخفيف بعض العقوبات في 2022، مما سمح بزيادة طفيفة في الصادرات بالتعاون مع إيران.
- تسعى فنزويلا لاستخدام صادراتها النفطية كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة، حيث ارتفعت صادراتها إلى الصين، مما يعزز موقفها في المفاوضات المستقبلية.
يقوم اقتصاد فنزويلا على الصادرات النفطية منذ تأسيس شركة النفط الوطنية في أوائل القرن العشرين. استخدمت الدولة مليارات الدولارات من العائدات النفطية للنهوض بالاقتصاد وتطوير البنية التحتية لتصبح البلاد واحدة من أغنى دول أميركا اللاتينية من حيث الدخل الفردي. إلّا أن هذا الرخاء لم يدم طويلاً تحت ضربات العقوبات الأميركية من جهة، وانهيار أسعار النفط من جهة أخرى، بين عامَي 2014 و2016، من 100 دولار إلى 30 دولاراً. حينها دخل البلد في دوامة اقتصادية ومعيشية وسياسية خانقة، لم يستطع الفكاك منها حتى اليوم.
وارتفع التضخّم إلى مستويات مريعة، وانهارت قيمة العملة، وسيطر الركود على مفاصل الاقتصاد، وانتشرت تسجيلات مصورة لآلاف الفنزويليين يقتحمون المحال التجارية بحثاً عن السلع المفقودة والغالية، بينما ارتفعت مستويات الهجرة إلى نسب عالية بالتزامن مع انتشار الفقر والبطالة.
لم تتوقف الضغوط الأميركية طوال تلك الفترة، بل عمقت العقوبات الأميركية التي طاولت النفط الفنزويلي الأزمة، وصولاً إلى تنفيذ الولايات المتحدة ضربات جوية على قوارب قبالة سواحل فنزويلا وفي شرق المحيط الهادئ تزعم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنها تنقل مخدرات إلى سواحلها.
إلّا أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نفى وحكومته أي تورط في الجريمة، واتهموا الولايات المتحدة بالسعي لتغيير النظام سعياً للسيطرة على احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة. ويوم السبت، صرّح ترامب بأنه يجب اعتبار المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها "مغلقاً بالكامل"، لكنه لم يُقدّم أي تفاصيل أخرى. ووصفت حكومة فنزويلا تصريحاته بأنها "تهديد استعماري" لسيادتها.
ويوم أمس، أكد ترامب أنه تحدث مع مادورو لكنه لم يقدم تفاصيل بشأن ما ناقشه الرئيسان. وذكرت وكالة رويترز أن الخيارات التي تدرسها الولايات المتحدة تشمل محاولة إطاحة مادورو، وأن الجيش الأميركي يستعد لمرحلة جديدة من العمليات بعد حشد عسكري ضخم في منطقة البحر الكاريبي وثلاثة أشهر تقريباً من الضربات على قوارب مخدرات مشتبه بها قبالة سواحل فنزويلا. وقال ترامب لأفراد الخدمة العسكرية الأسبوع الماضي إن الولايات المتحدة ستبدأ "قريباً جداً" عمليات برية لوقف تجار المخدرات الفنزويليين المشتبه بهم.
ثروة فنزويلا الهائلة من النفط والغاز
يشرح تقرير موسع للوكالة الأميركية لمعلومات الطاقة، وهي جهة رسمية تابعة لحكومة الولايات المتحدة (وزارة الطاقة)، أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في العالم في عام 2023 بما يقارب 303 مليارات برميل، وهو ما يمثل حوالى 17% من الاحتياطيات العالمية، وعلى الرغم من الاحتياطيات الكبيرة، أنتجت فنزويلا 0.8% من إجمالي النفط الخام العالمي في عام 2023.
ويضيف التقرير أن فنزويلا تضمّ احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، تمثل 73% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي في أميركا الجنوبية وبلغ مجموعها 195 تريليون قدم مكعب اعتباراً من عام 2023. ترتبط غالبية احتياطيات الغاز الطبيعي في البلاد بالنفط الخام؛ حوالى 80% من الغاز الطبيعي المنتج هو غاز مصاحب يجري إنتاجه بوصفه منتجاً ثانوياً لإنتاج النفط. ولا تزال احتياطيات الغاز الطبيعي في فنزويلا غير مستغلة بالكامل، ويُستخدم جزء كبير من إنتاج الغاز الطبيعي الحالي في البلاد لتكملة إنتاج حقول النفط الناضجة بدلاً من بيعه لتوليد الإيرادات.
ومنذ عام 2005، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أفراد وكيانات فنزويلية، ووسعت العقوبات في العام 2019، ثم بدأت الحكومة الأميركية بمنح إعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا ابتداءً من عام 2022، ما سمح بدخول المزيد من النفط الخام الفنزويلي إلى السوق العالمية.
وقبل فرض الولايات المتحدة عقوباتها على فنزويلا، كانت الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي. ويُعدّ النفط الخام الثقيل الفنزويلي مناسباً تماماً لمصافي التكرير الأميركية، وخاصةً تلك الواقعة على طول ساحل الخليج، وكان معظم النفط الخام المتبقي مُوجّهاً إلى الهند والصين وأوروبا.
ومنذ فرض عقوبات عام 2019، أصبح جزء كبير من صادرات فنزويلا من النفط الخام جزءاً من اتفاقيات "النفط مقابل القروض"، وهي عبارة عن سداد ديون بدلاً من تلقي شركة النفط الوطنية الفنزويلية مدفوعات فعلية مقابل شحنات النفط الخام. يذكر أن جزءاً كبيراً من صادرات فنزويلا قد جرى توريده إلى الصين وذلك جزءاً من اتفاقيات "النفط مقابل القروض"، إذ أقرضت الصين فنزويلا ما يقارب 50 مليار دولار مقابل شحنات النفط الخام خلال العقد الماضي، كما جرى تصدير النفط إلى الصين ودول أخرى في إطار التهرّب من العقوبات قبل عام 2023. وبحلول عام 2023، استلمت الصين 69% من صادرات فنزويلا من النفط الخام.
وارتفعت صادرات فنزويلا من النفط الخام على نحوٍ طفيف في عام 2023، ويعزى ذلك في المقام الأول إلى المساعدة الإيرانية وتخفيف العقوبات الأميركية. وقد أدى التعاون مع إيران من عام 2020 إلى عام 2023 إلى زيادة واردات المخففات، ما سمح بتوفر أكبر لدرجات النفط الخام الثقيل الجاهزة للتصدير، والتي بدونها ستنخفض أحجام المنبع وستنخفض الصادرات. علاوة على ذلك، اعتباراً من عام 2022، قامت إيران وفنزويلا بتسريع عمليات مبادلة النفط الخام.
في مايو 2022، سمح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لشركتَي إيني وريبسول باستئناف "تبادل النفط مقابل القروض"، وهو ما يُمثل تخفيفاً جزئياً للعقوبات؛ وقد سمح هذا الاتفاق باستيراد النفط الخام الفنزويلي وسيلةً لسداد المتأخرات وتسوية مليارات الدولارات من الديون غير المسدّدة والأرباح المستحقة على شركة النفط الوطنية الفنزويلية. وقد ساهم إجراء مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في تسريع المفاوضات بين شركة النفط الوطنية الفنزويلية وشركائها الأجانب في المشاريع المشتركة، بما في ذلك إيني وريبسول وشيفرون ومؤسسة النفط والغاز الطبيعي وموريل وبروم. وبدءاً من يونيو 2022، نقلت ناقلات النفط الخام الفنزويلي إلى إسبانيا وإيطاليا لأول مرة منذ أكثر من عامين.
في نوفمبر 2022، منح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) شركة شيفرون ترخيصاً مؤقتاً يسمح لها باستئناف عملياتها في فنزويلا في مشاريعها المشتركة الأربعة مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA). مع ذلك، فإن هذا الترخيص مؤقت فقط، ويسمح لشركة شيفرون ببيع وتصدير النفط من هذه المشاريع إلى الولايات المتحدة لسداد ديون فنزويلا للشركة؛ ولا يسمح لها بدفع ضرائب أو إتاوات أو أرباح لشركة النفط الوطنية الفنزويلية.
وبفضل مساعدة إيران وتخفيف القيود للسماح بمبادلة النفط مقابل سداد القروض، فضلاً عن العودة الجزئية لشركة شيفرون إلى العمليات التجارية في فنزويلا، ارتفعت صادرات النفط الخام من مستوى منخفض بلغ 263 ألف برميل يومياً في عام 2021 إلى 442 ألف برميل يومياً في عام 2022. وفي 2025، استقر إنتاج فنزويلا، العضو في منظمة أوبك، من النفط عند حوالى 1.1 مليون برميل يومياً هذا العام، أي أقل من ثلث أعلى مستوى له على الإطلاق في أواخر التسعينيات. ووفقاً لبيانات الشحن، شُحن أكثر من 80% من الصادرات إلى الصين بين يونيو وأكتوبر. ويقول المحللون إن هذه الشحنات، إلى جانب تراخيص التشغيل المحتملة للشركات الأميركية، قد تكون أفضل وسيلة ضغط لدى مادورو في أي محادثات.
ورقة تفاوضية
ويتمتع الرئيس الفنزويلي بالمرونة والحافز اللازمين لعرض شحنات النفط الخام التي تبيع البلاد معظمها للصين، ورقةَ مساومة إذا أجرت فنزويلا مفاوضات مع الولايات المتحدة، إذ ارتفعت شحنات النفط الفنزويلية إلى الصين في النصف الثاني من عام 2025 لتتجاوز 80% من إجمالي الصادرات، ويعود ذلك أساساً إلى السياسات الأميركية التي تمنع الصادرات إلى وجهات أخرى، مقارنةً بنسبة 63% في العام الماضي بأكمله. وقالت إدارة ترامب إنها منفتحة على إجراء محادثات مع مادورو.
كما وافقت الجمعية الوطنية في فنزويلا يوم الخميس على تمديد لمدة 15 عاماً للمشروعات المشتركة بين شركة النفط الوطنية الفنزويلية ووحدة تابعة لشركة روس زاروبيجنفت الروسية التي تدير حقلَي بوكيرون وبيريجا النفطيَين في المنطقة الغربية من البلاد، وفقاً لجلسة بثت على التلفزيون.
وقال محلل الطاقة توماس أودونيل: "إنّ إرسال المزيد من النفط إلى الولايات المتحدة وحماية الاستثمارات الأميركية في فنزويلا أمرٌ يستطيع مادورو تقديمه بسهولة"، وأضاف: "مع ذلك، قد لا يكون هذا العرض كافياً الآن، في ظل سيطرة واشنطن"، في إشارة إلى استقرار سوق النفط الحالي وانخفاض أسعاره.
وأكدت وزيرة النفط الفنزويلية ديلسي رودريجيز، يوم الاثنين، أن الولايات المتحدة استهدفت فنزويلا بسبب احتياطياتها الضخمة من النفط الخام: "إنهم يريدون احتياطيات فنزويلا من النفط والغاز بلا مقابل" كما قالت، مشيرةً سابقاً إلى طلب مصافي التكرير الأميركية في خليج المكسيك على خامات فنزويلا الثقيلة، كما يمكن لإدارة مادورو أن تركز على التفاوض بشأن إعادة دمج التراخيص الأميركية لمنتجي النفط الأجانب في البلاد، كما طلب بعض المسؤولين الفنزويليين، وهو ما من شأنه أن يسمح لصادرات النفط إلى الولايات المتحدة وأوروبا بالتدفق بحرية أكبر.