ترامب يعود للضغط على الاحتياطي الفيدرالي... هل يملك فعلاً مفتاح الفائدة؟

10 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 23:12 (توقيت القدس)
ترامب ووارش عقب أدائه اليمين الدستورية، البيت الأبيض، 22 مايو 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- منذ بداية ولايته الثانية، ضغط الرئيس ترامب علنياً على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، محاولاً إبعاد ليزا كوك من منصبها، مما يثير تساؤلات حول استقلالية المؤسسة.
- قضية ليزا كوك تمثل اختباراً لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، حيث أُبلغت كوك بأن ترامب يدرس إقالتها، رغم أن المحكمة العليا سمحت لها بالبقاء، مما يثير تساؤلات حول التدخل السياسي.
- تاريخياً، حاول رؤساء مثل جونسون ونيكسون التأثير على الاحتياطي الفيدرالي، لكن مسؤولي البنك يؤكدون على العمل بعيداً عن السياسة الحزبية مع مراعاة التداعيات الاقتصادية.

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الضغط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي)، مجدداً واحدة من أكثر المواجهات حساسية في الاقتصاد الأميركي، لكن إلى أي حد يستطيع رئيس الولايات المتحدة التأثير في مؤسسة يفترض أن تعمل باستقلال عن الحسابات السياسية؟ سؤال سعت بلومبيرغ للإجابة عنه في تقرير موسع اليوم الاثنين، مشيرة إلى أنه منذ بداية ولايته الرئاسية الثانية، شن ترامب حملة علنية وضغوطاً متواصلة على البنك المركزي، مطالباً بخفض أسعار الفائدة، كما حاول إبعاد حاكمة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك من منصبها، في خروج واضح عن التقليد الحديث الذي يفصل، ولو علناً، بين البيت الأبيض وصنع السياسة النقدية.

وبعد فترة هدأت خلالها انتقادات ترامب نسبياً مع تولي كيفن وورش، الذي اختاره ترامب، رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، ظهرت مؤشرات على أن الرئيس لم يتخلَّ عن معركته مع البنك المركزي. ففي أوائل أغسطس/آب، كشفت تقارير عن إجراء ترامب اتصالات هاتفية دورية مع وورش، فيما واصل الرئيس الحديث عن رغبته في خفض أسعار الفائدة، كما أعاد إحياء تهديده بإقالة كوك، مستنداً إلى اتهامات لم تثبت قضائياً بشأن ارتكاب مخالفات تتعلق بقروض عقارية. وأعاد التصعيد إلى الواجهة السؤال الأكثر حساسية: ما مقدار النفوذ الذي يملكه الرئيس الأميركي على الاحتياطي الفيدرالي؟ وأين تبدأ حدود استقلال البنك المركزي؟

ترامب يفتح جبهة جديدة مع ليزا كوك

في رسالة مؤرخة في 5 أغسطس/آب، أُبلغت كوك بأن ترامب "يدرس إقالتها"، ومنحت مهلة حتى 26 أغسطس/آب للرد على اتهامات من البيت الأبيض بأنها ارتكبت احتيالاً عقارياً من خلال تقديم منزل ثانٍ على أنه مسكنها الرئيسي للحصول على شروط أفضل لقرض عقاري. لكن كوك لم تُتهم رسمياً بارتكاب جريمة، كما نفت الاتهامات الموجهة إليها. وقال محاميها إنهم سيطعنون في أي محاولة لإقالتها. ويبدو أن منصبها محصّن، على الأقل في الوقت الراهن، بعدما قضت المحكمة العليا الأميركية في 29 يونيو/حزيران، في قرار صدر بأغلبية ضيقة، بالسماح لها بالبقاء في منصبها بينما تواصل مواجهة محاولة إبعادها.

وتكتسب قضية كوك أهمية تتجاوز شخصها، لأنها تمثل اختباراً مباشراً لمدى قدرة الرئيس على تغيير تركيبة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ودفع السياسة النقدية في الاتجاه الذي يريده. وكان الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن قد عيّن كوك في عام 2022، فيما تمتد ولايتها في مجلس المحافظين حتى عام 2038. وقد يرى ترامب أن إبعادها يتيح له تعيين حاكم جديد أكثر تقبلاً لتوجهاته. لكن مراقبي الاحتياطي الفيدرالي يحذرون من أن القضية قد تصبح اختباراً حاسماً لاستقلال البنك المركزي عن التدخل السياسي.

هل يستطيع ترامب إقالة حاكم في الاحتياطي الفيدرالي؟

هنا تدخل المسألة منطقة قانونية شديدة التعقيد. وحسب بلومبيرغ، ينص القسم العاشر من قانون الاحتياطي الفيدرالي على أن أعضاء مجلس المحافظين، بمن فيهم رئيس البنك المركزي، يمكن "إعفاؤهم من المنصب لسبب وجيه" من جانب الرئيس. لكن المحاكم فسرت مفهوم "السبب" على أنه يشمل حالات مثل عدم الكفاءة أو إهمال الواجب أو سوء السلوك أثناء أداء المنصب. وفي مذكرة قانونية، دفعت كوك بأن المخالفات المزعومة تعود إلى فترة سبقت تعيينها في الاحتياطي الفيدرالي، ولا علاقة لها بواجباتها كحاكمة للبنك المركزي، وبالتالي لا تستوفي، من وجهة نظرها، المعيار القانوني المطلوب للإقالة.

ولم تحسم المحكمة العليا في يونيو/حزيران مسألة ما إذا كانت الاتهامات الموجهة إلى كوك، لو ثبتت صحتها، تشكل سبباً قانونياً كافياً لإقالتها، كما أن المحكمة العليا أشارت في حكم صدر في مايو/أيار 2025 إلى أنها قد توفر حماية خاصة للاحتياطي الفيدرالي، حتى في حال السماح لترامب بإقالة مسؤولين كبار في وكالات اتحادية مستقلة أخرى من دون الحاجة إلى إثبات سبب. ووصف الحكم البنك المركزي بأنه "كيان شبه خاص ذي هيكل فريد"، في إشارة إلى الطبيعة الخاصة لموقعه داخل النظام الحكومي الأميركي.

أين يملك ترامب النفوذ الحقيقي؟

إذا كانت الإقالة المباشرة لحكام الاحتياطي الفيدرالي محفوفة بالقيود القانونية، فإن للرئيس أداة أكثر وضوحاً وتأثيراً وهي التعيينات. فالرئيس يملك سلطة ترشيح أعضاء مجلس المحافظين لشغل المقاعد الشاغرة، كما يستطيع وضع بعض هؤلاء الأعضاء في المناصب القيادية، بما في ذلك رئاسة البنك المركزي، وفق الآليات الدستورية والقانونية المعمول بها.

وكان ترامب نفسه قد عيّن جيروم باول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي عام 2018، خلفاً لجانيت يلين، التي تولت لاحقاً منصب وزيرة الخزانة في إدارة جو بايدن. وكان تعيين باول خروجاً عن تقليد حديث اتبعه عدد من الرؤساء، يتمثل في إعادة تعيين رئيس الاحتياطي الفيدرالي الذي اختاره الرئيس السابق. لكن بايدن أعاد تعيين باول في عام 2021.

ترامب ليس أول رئيس يضغط على الاحتياطي الفيدرالي

ورغم أن المواجهة الحالية تبدو حادة، فإن محاولات الرؤساء الأميركيين التأثير في الاحتياطي الفيدرالي ليست جديدة، كما أنها لم تقتصر على حزب واحد. ففي عام 1965، استدعى الرئيس ليندون جونسون رئيس الاحتياطي الفيدرالي وليام مارتن إلى مزرعته في تكساس ووبخه بسبب رفع تكاليف الاقتراض. وفي سبعينيات القرن الماضي، مارس الرئيس ريتشارد نيكسون ضغوطاً معروفة على رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك آرثر بيرنز. ويرى بعض الاقتصاديين أن تلك الضغوط ساهمت في إحجام البنك المركزي عن اتخاذ إجراءات قوية بما يكفي لكبح التضخم في ذلك الوقت.

أما ترامب نفسه، فقد أمضى ولايته الرئاسية الأولى في انتقاد الاحتياطي الفيدرالي وباول علناً كلما اختلف مع قرارات أسعار الفائدة. وفي المقابل، تجنبت إدارة بايدن إلى حد كبير انتقاد البنك المركزي علناً، وإن كان بعض الديمقراطيين في الكونغرس أكثر صراحة؛ فقد دعت السيناتورة إليزابيث وارن، على سبيل المثال، علناً إلى خفض أسعار الفائدة قبل أن يقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفضها في سبتمبر/أيلول 2024.

ووفق الوكالة، يؤكد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي، وفي مقدمتهم باول خلال فترة رئاسته، أن البنك المركزي يسعى إلى العمل بعيداً عن السياسة الحزبية، وأن قراراته تستند إلى ما يراه أفضل للاقتصاد. لكن استقلال البنك المركزي لا يعني أنه يعمل في فراغ سياسي. فالاحتياطي الفيدرالي يتعاون بصورة وثيقة مع وزارة الخزانة، خصوصاً خلال الأزمات، كما يتعامل باستمرار مع أعضاء الكونغرس. كذلك، يتعين على صانعي السياسة النقدية أخذ التداعيات الاقتصادية لقرارات البيت الأبيض والكونغرس في الاعتبار، مثل التخفيضات الضريبية أو خطط الإنفاق الحكومي الضخمة.