ترامب يعدل مساره الاقتصادي...تصحيح اضطراري بشأن الرسوم والهجرة

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
ترامب في قمّة شرم الشيخ، مصر، 13 أكتوبر 2025 (شيب سوكوديفيلا/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت السياسة الاقتصادية للبيت الأبيض تعديلات تحت ضغط الأوضاع الداخلية، حيث اضطر ترامب لتغيير سياساته الجمركية والهجرة بسبب ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.
- استفادت دول مثل الهند وأستراليا من إعفاءات جمركية على بعض السلع، بينما بقيت السلع الاستراتيجية خارج الإعفاءات، مما أثار تساؤلات قانونية حول قانونية الرسوم الجمركية.
- أظهر ترامب مرونة تجاه الهجرة الماهرة لدعم خطط إعادة توطين الصناعات، مما أثار غضب بعض مؤيديه الذين رأوا في ذلك تنازلاً عن شعار "أميركا أولاً".

تشهد السياسة الاقتصادية للبيت الأبيض لحظة تحول لافتة، بعدما اضطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تعديل مسار عدد من أدواته الرئيسية وفي مقدمتها الرسوم الجمركية وسياسات الهجرة، وذلك تحت وطأة ضغوط اقتصادية داخلية تزايدت حدتها خلال الأسابيع الماضية. فارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع القدرة الشرائية، وخسارة الجمهوريين انتخابات فرعية حساسة، كلها عوامل دفعت الإدارة إلى اتخاذ سلسلة خطوات بدت أقرب إلى تصحيح اضطراري منه إلى تحول استراتيجي. هذه الخطوات شملت إعفاءات واسعة للسلع الغذائية والزراعية، وتخفيفاً مفاجئاً في نبرة ترامب تجاه الهجرة الماهرة، بعدما كان قد اتخذ موقفاً متشدداً خلال الأشهر الماضية. وقالت "واشنطن بوست"، إن هذه التحولات جاءت نتيجة مزيج من ضغوط السوق وغضب المستهلكين واهتزاز ثقة الناخبين، وهو ما جعل البيت الأبيض يبحث عن مخرج سريع من دون الاعتراف المباشر بخطأ المسار السابق.

مأزق اقتصادي كبير

اعتمد ترامب منذ بداية ولايته الثانية سياسات جمركية واسعة النطاق، قامت على فرض رسوم متبادلة ورفع التكلفة على واردات الغذاء والصناعة، في إطار رؤية حمائية تقول الإدارة إنها قادرة على إعادة التصنيع وتحسين الميزان التجاري. إلا أن نتائج الأشهر الأخيرة أظهرت، بحسب "أكسيوس"، أن الرسوم تحولت إلى أداة متعددة الاستخدامات تستخدم خارج نطاقها، إذ حاولت الإدارة توظيفها في كل الملفات (من تمويل الإنفاق الداخلي، إلى الضغط على الدول، إلى كبح الأسعار، وصولاً إلى دعم خطة التصنيع). غير أن هذا الاستخدام المفرط والمتناقض جعل السياسة الجمركية بلا وظيفة واضحة.

ومع اتساع الضغوط، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يقضي بإعفاء عشرات السلع الغذائية والزراعية من الرسوم بما فيها لحوم الأبقار والبن والكاكاو والموز، وذلك في أكبر تراجع عن استراتيجية الرسوم حتى الآن. وجاء هذا القرار، بحسب وسائل إعلام أميركية تحت الضغط المباشر لارتفاع فواتير البقالة واتساع حالة الاستياء الشعبي، خصوصاً أن البيانات أثبتت أن المستهلك الأميركي هو الطرف الذي يتحمل التكلفة المباشرة لهذه الرسوم، وليس الدول الأجنبية كما روجت الإدارة سابقاً.

وفي تطور أكثر حساسية، بدأت المحكمة العليا الأميركية مناقشة مدى قانونية فرض الإدارة لرسوم متبادلة واسعة على شركاء تجاريين رئيسيين. وتشير تقارير أميركية إلى أن القضاة أبدوا شكوكاً واضحة، حيث وصف بعضهم الرسوم بأنها تعمل عملياً كضريبة على الأميركيين، وهو توصيف دستوري خطير لأنها - بحسب الدستور- من اختصاص الكونغرس لا السلطة التنفيذية. ويذهب محللون قانونيون نقلت عنهم الصحف الأميركية إلى أن أي حكم يبطل هذه الرسوم سيضع إدارة ترامب أمام مأزق اقتصادي كبير، لأن جزءاً من خطط تمويل مشروعاتها الداخلية يعتمد على إيرادات الرسوم التي جمعت خلال الأشهر الماضية. ووصف ترامب هذا الاحتمال بأنه "كابوس لوجستي" لأنه سيجبر الإدارة على إعادة توزيع مليارات الدولارات أو تعديل الحسابات المالية للعام الجاري، في وقت تعاني فيه السوق حالة ترقب وقلق مستمر.

أبرز المستفيدين من تراجع ترامب

وفي ما يتعلق بانعكاس تراجع ترامب على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، جاءت الهند في مقدمة الدول المتأثرة بالقرارات الأخيرة، إذ أفادت صحيفة "بيزنس توداي" بأن واشنطن ألغت الرسوم عن نحو مئتي سلعة غذائية وزراعية مستوردة من الهند، من بينها الفلفل الأسود والهيل والكمون والكركم وأنواع الشاي، وهي سلع تراجعت تنافسيتها خلال الأشهر الماضية بسبب ارتفاع الرسوم. وقد أعاد القرار بعض النشاط لمصدري البهارات والشاي، مانحاً الهند متنفساً محدوداً بعد خسائر كبيرة نجمت عن موجة الرسوم السابقة. لكن المكاسب تظل نسبية ومحدودة؛ فسلع استراتيجية مثل الروبيان والأرز البسمتي، وهي صادرات تتجاوز قيمتها مليار دولار وتعد ركيزة لميزان الهند الزراعي، بقيت خارج الإعفاءات. كما أن قطاعات أخرى مثل الأحجار الكريمة والمجوهرات والملابس ما تزال خاضعة لرسوم عقابية مرتفعة، بسبب ارتباطها بملف السياسة الخارجية الهندية تجاه النفط الروسي. وقدر محللون حجم الفائدة بما بين نصف مليار ومليار دولار فقط، مؤكدين أنها لا تغير الصورة الكبرى، لكنها تساهم في وقف التراجع الحاد البالغ 37% في التجارة الهندية المتجهة إلى الولايات المتحدة منذ فرض رسوم أغسطس/آب 2025.

وأستراليا أيضاً أحد أبرز المستفيدين من تراجع ترامب، خصوصاً في قطاع اللحوم والمنتجات الزراعية. ورحبت الحكومة الأسترالية بقرار الرئيس الأميركي إزالة الرسوم عن واردات لحوم الأبقار والبن وعدد من السلع الغذائية، معتبرة أن الخطوة تصحيح لمسار خاطئ أضر بالمستهلك الأميركي قبل أن يضر بالمصدر الأسترالي، بحسب "الغارديان". وصرح وزير التجارة الأسترالي، دون فاريل، بأن الرسوم التي فرضتها الإدارة الأميركية كانت عملاً من أعمال الإضرار الذاتي، لأنها رفعت أسعار الغذاء على الأميركيين بدل خفضها كما كانت تزعم الإدارة. وأكد أن بلاده تستمر في المطالبة بإزالة كل الرسوم غير المبررة، مشيراً إلى أن صادرات لحوم الأبقار الأسترالية (التي تبلغ قيمتها السنوية نحو 4 مليارات دولار) استعادت بعض قدرتها التنافسية بعد الإعفاء الأميركي.

وقال رئيس هيئة كاتل أستراليا، ويل إيفانز، إن السوق الأميركية ما تزال في حاجة إلى واردات اللحوم الأسترالية، خصوصاً أن الإنتاج المحلي الأميركي يتعافى ببطء بعد موجات جفاف 2022 و2023. لكن الخبراء الأستراليين لم ينظروا إلى الخطوة باعتبارها نهاية الأزمة؛ إذ قال الاقتصادي جون كويغن إن الرسوم الأميركية منحت أستراليا ميزة نسبية مقابل دول أخرى مثل البرازيل، لكنها في الوقت نفسه كشفت هشاشة السياسة التجارية الأميركية التي أصبحت تدار بمنطق الصدمات وليس بمنطق التخطيط.

وأكدت الأستاذة في الجامعة الوطنية الأسترالية، جيني غوردون، أن تأثير الرسوم لم يكن كبيراً على كل الاقتصاد الأسترالي بقدر ما كان مقلقاً في تداعياته غير المباشرة، لأن أي خلل في التجارة الأميركية ينعكس على النظام التجاري العالمي، مشيرة إلى أن استمرار الاضطراب في قرارات البيت الأبيض يمنح المكاسب للأمد القصير، لكنه يضعف القدرة على التنبؤ ويزيد المخاطر على التوازن التجاري طويل المدى. واعتبرت الحكومة البرازيلية يوم السبت أن خفض ترامب رسوماً جمركية عن بعض المنتجات مثل القهوة يشكل "خطوة في الاتجاه الصحيح"، معربة عن أملها في تحقيق مزيد من المكتسبات خلال المفاوضات الجارية. وقال نائب الرئيس البرازيلي جيرالدو ألكمين خلال مؤتمر صحافي في برازيليا أول من أمس، إن خفض بعض الرسوم الجمركية المفروضة على البرازيل، "خطوة إيجابية وفي الاتجاه الصحيح". ورغم إعلان ترامب يوم الجمعة خفض رسوم جمركية عن بعض المنتجات الزراعية بنسبة 10% مطبقة منذ نيسان/إبريل، ما زالت البرازيل تواجه رسوماً جمركية عقابية بنسبة 40% فرضتها واشنطن على جزء كبير من صادراتها إلى الولايات المتحدة.

تحول مفاجئ بشأن الهجرة

ولم يقتصر تراجع ترامب على الملف الاقتصادي، بل شمل أيضاً ملف الهجرة، حيث بدا ترامب أكثر مرونة في تصريحاته الأخيرة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى بعض المواهب التي لا يمكن توفيرها محلياً. ويأتي هذا التحول بعد أسابيع فقط من توقيعه مرسوماً يرفع رسوم التأشيرات المتخصصة إلى مستويات خيالية، في إطار سياسة تشددت ضد الهجرة الماهرة. ويرى مراقبون، بحسب "واشنطن بوست" أن هذا التحول نتاج إدراك متأخر بأن الخطاب المتشدد في الهجرة يتصادم مع خطط الإدارة لإعادة توطين الصناعات الثقيلة والتكنولوجيا المتقدمة في الداخل الأميركي، لأن هذه القطاعات تعتمد فعلياً على عمالة ماهرة لا توفرها سوق العمل المحلية بسهولة. ومع ذلك، أثار التراجع غضب جزء من قاعدة ترامب السياسية، التي رأت في التصريحات الأخيرة تنازلاً غير مبرر وتخلياً عن شعار "أميركا أولاً".

المساهمون