ترامب يخسر معركة التضخم... ارتفاع الأسعار يتصدر مصادر قلق الأميركيين في 2026

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:36 (توقيت القدس)
دونالد ترامب في الكونغرس، 4 مارس 2025 (ريكي كاريوتي/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد الاقتصاد الأمريكي ضغوطًا تضخمية متزايدة تؤثر على توقعات المستهلكين، مع ارتفاع أسعار الغذاء والإيجارات والطاقة، مما يضع الإدارة الأمريكية أمام تحديات كبيرة ويؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر.

- أظهرت استطلاعات الرأي أن التضخم وتكاليف المعيشة هما محور قلق الأمريكيين، حيث يعتقد 71% من المشاركين أن التضخم الحالي أعلى من 3%، مما يعكس أزمة ثقة في إدارة الأسعار.

- تساهم الرسوم الجمركية في زيادة التضخم، حيث ارتفعت تكلفة المدخلات الصناعية، وتراجعت احتمالات عودة التضخم إلى 2% خلال عام 2026 إلى أقل من 20% بسبب استمرار الضغوط السعرية.

يشهد الاقتصاد الأميركي ضغوطاً تضخمية متواصلة تربك توقعات المستهلكين وتلزم الإدارة الأميركية بمواجهة أحد أعقد تحدياتها منذ بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. فأسعار الغذاء والإيجارات والطاقة ترتفع بوتيرة لا تتسق مع وعود التهدئة التي تروج لها الإدارة، بينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر بسرعة تفوق التحسن الاسمي في الدخل. وتتزايد المؤشرات على أن الولايات المتحدة تدخل عام 2026 وسط ضغوط معيشية أشد مما توقعته الأسواق، بعدما أظهرت بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ونتائج استطلاع رأي أجرته هارفارد، الاثنين، أنّ معركة التضخم لا تزال بعيدة عن الحسم. 

وكشف مسح توقعات المستهلكين لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك الصادر في 8 ديسمبر/كانون الأول الجاري، عن تدهور ملحوظ في الأوضاع المالية للأسر الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في الوقت الذي أكد فيه استطلاع رأي (أجراه مركز الدراسات السياسية في جامعة هارفارد، ومؤسسة هاريس للاستطلاعات، ومؤسسة هاريس إكس للبحوث)، الذي نشر في اليوم ذاته، أن 57% من الناخبين يرون أن الرئيس ترامب يخسر معركة السيطرة على الأسعار. وتأتي هذه النتائج في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتجه الأنظار إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي بدأ أمس ويختتم أعماله اليوم الأربعاء وما قد يصدر عنه من توجيهات بشأن أسعار الفائدة ومسار السياسة النقدية خلال الربع الأول من عام 2026، حيث تتوقع الأسواق خفضا لأسعار الفائدة رغم استمرار الضغوط التضخمية. 

وكشف مكتب إحصاءات العمل الأميركي في تقريره الصادر 28 نوفمبر 2025 عن استمرار الضغوط التضخمية بوتيرة أعلى من توقعات السوق، إذ ارتفع التضخم العام إلى 3.6% فيما صعد التضخم الأساسي إلى 3.9%، وهو مستوى يتجاوز متوسط عامي 2023 - 2024. وتظهر الجداول التفصيلية الصادرة عن المكتب أن محركات الارتفاع باتت أكثر انتشارا، حيث قفزت الإيجارات بنسبة 6.2%، وارتفعت أسعار الغذاء 4.8%، كما سجلت السلع المعمرة المتأثرة بالرسوم الجمركية زيادة قدرها 5.3%. 

ترامب يخسر معركة التضخم

وكشفت نتائج الاستطلاع أن التضخم وتراجع القدرة على تحمل تكاليف المعيشة أصبحا المحور المركزي في قلق الأميركيين، وأنهما يتصدران جدول أولويات الناخبين بصورة لم تسجل منذ أكثر من عقد. فقد أكد 59% من المشاركين أن ارتفاع الأسعار هو القضية الاقتصادية الأهم في حياتهم، متقدما بفارق كبير على ملفات البطالة والرعاية الصحية. كما قال 79% من المستطلعين إن تقييمهم للوضع الاقتصادي يعتمد مباشرة على أسعار السلع اليومية في متاجر البقالة، وتكاليف الوقود، والإيجارات، وليس على تقارير النمو أو البيانات الرسمية، ما يعكس انتقال التضخم من مجرد مؤشر اقتصادي إلى معيار معيشي مباشر يحدد اتجاهات الرأي العام.

وكانت إحدى النتائج الحاسمة في نتائج الاستطلاع هي أن إدارة ترامب تواجه أزمة ثقة في ملف الأسعار، إذ قال 57% من الناخبين إن الرئيس يخسر معركته ضد التضخم، رغم ارتفاع نسبة الثقة العامة بإدارته للاقتصاد إلى 55%. ويشير هذا التباين إلى أن التضخم أصبح معيارا مستقلا عن التقييمات التقليدية للأداء الرئاسي، وأن الناخبين يفرقون بوضوح بين إدارة الاقتصاد عموما وبين القدرة على ضبط الأسعار تحديدا. وقال القائمون على الاستطلاع ـ في البيان الرسمي الصادر في 8 ديسمبر ـ إن التضخم بات أهم قضية في تقييم الناخب، وأنه يشكل العبء الأكبر على الإدارة في الوقت الحالي، في إشارة إلى اتساع الهوة بين الوعود السياسية والنتائج الملموسة في حياة المستهلكين.

وأكدت نتائج الاستطلاع أن التضخم المُدرَك (أي ما يراه المواطن في حياته اليومية) يختلف جذريا عن التضخم المعلن في التقارير الحكومية. إذ قال 71% من المشاركين إنهم يعتقدون أن التضخم الحالي أعلى من 3%، بينما قدر العديد منهم أنه يتراوح بين 4% و6%. ويعزو الخبراء هذه الفجوة إلى أن المكونات الأعلى حساسية للمستهلك (مثل الغذاء والإيجارات والوقود) شهدت زيادات متواصلة، ما يجعل الانطباع العام أكثر سلبية من الأرقام المنشورة. ويشير الاستطلاع إلى أن هذه الفجوة أصبحت عنصرا مقلقا في تشكيل ثقة المستهلك، وقد تدفع إلى مزيد من التوتر الاقتصادي خلال 2026.

التضخم يبتلع أي تحسن

ويرى 57% من الأميركيين أن الاقتصاد يتجه نحو الانكماش، وأن السبب الرئيس هو الضغوط التضخمية التي تبتلع أي تحسن محتمل في التوظيف أو الدخل الاسمي. وتظهر هذه النتيجة أن التضخم أصبح بمثابة مؤشر مركزي يتحكم في رؤية المواطن لمستقبل الاقتصاد، وأن استمرار ارتفاع الأسعار قد ينعكس سلبا على مستويات الاستهلاك والاستثمار خلال العام المقبل. ويشير البيان الرسمي إلى أن هذا الاتجاه قد يعد مؤشرا مبكرا على حالة تباطؤ اقتصادي أوسع إذا لم تتمكن الإدارة من إعادة الاستقرار لأسعار السلع الأساسية والخدمات.

وعن تقييم الناخبين لآثار السياسات الجمركية؛ قال 56% من المشاركين في الاستطلاع إن الرسوم المفروضة على الواردات تضر الاقتصاد وترفع الأسعار بدل دعم الصناعة المحلية. وأشار البيان الرسمي إلى أن هذا التصور أصبح مشتركا بين شرائح من الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين، ما يعكس أن أثر الرسوم انتقل من مستوى النقاش السياسي إلى مستوى التجربة اليومية للمستهلك. ولفت البيان إلى أن التكلفة الحقيقية للرسوم ظهرت في ارتفاع أسعار السلع الأساسية، الأمر الذي جعل شريحة واسعة من الأميركيين تعتبر أن السياسات التجارية الحالية تسهم في تعميق الضغط التضخمي بدل التخفيف منه.

وأظهر تحليل نشرته بلومبيرغ في 30 نوفمبر الماضي، مستندا إلى تقييمات "مورغان ستانلي" لسلاسل الإمداد الصناعية، أن الرسوم المفروضة على الواردات القادمة من الصين ودول جنوب شرق آسيا أحدثت قفزة حادة في تكلفة المدخلات الصناعية تراوحت بين 8 و13% خلال الربع الأخير فقط، وهي وتيرة ارتفاع غير معتادة في مكونات يفترض أن تتحرك ببطء بحكم ارتباطها بعقود واستثمارات طويلة الأجل. وقال كبير الاقتصاديين في يو بي إس، بول دونوفان، وفق رويترز في تقرير نشرته في 1 ديسمبر الجاري، إن الرسوم الجمركية ليست مجرد سياسة تجارية، بل إنها ضريبة مفروضة على المستهلك، وكلما اتسع نطاقها تعمق التضخم الهيكلي. وهو ما يوضح أن التضخم المرتبط بالرسوم لا يستجيب بسرعة للسياسات النقدية، وأن أثره يمتد أفقيا عبر سلسلة الأسعار.

3 عوامل تغذي التضخم

وأظهرت المذكرة الأسبوعية لبنك "غولدمان ساكس" الصادرة في 29 نوفمبر الماضي أن احتمالات عودة التضخم إلى مستوى 2% خلال عام 2026 تراجعت إلى أقل من 20%، في خفض يعكس قناعة متزايدة لدى المؤسسات المالية بأن موجة الأسعار الحالية أصبحت أكثر رسوخا مما تعترف به الإدارة. وأرجعت المذكرة هذا التراجع إلى ثلاثة عوامل رئيسية: استمرار الضغوط السعرية في قطاع السلع نتيجة اضطراب مسارات الاستيراد وارتفاع تكلفة المدخلات، وارتفاع التكاليف التشغيلية لدى الشركات في ظل ضغوط الأجور والطاقة والخدمات، وعدم قدرة العرض المحلي على سد فجوة الواردات الخاضعة للرسوم الجمركية بالسرعة التي تتطلبها ديناميات السوق. 

وتشير هذه القراءة إلى أن مسار الهبوط السريع الذي تتحدث عنه الإدارة لا يجد سندا في توقعات المؤسسات الاستثمارية الكبرى، إذ تتوقع غولدمان ساكس بقاء التضخم عند مستويات أعلى لفترة أطول، بما يحد من قدرة السياسة النقدية على تحقيق التوازن بين النمو والسيطرة على الأسعار خلال العامين المقبلين. وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة بنسلفانيا، جاستن وولفرز، خلال مقابلة نشرتها بلومبرغ في 1 ديسمبر الجاري، إن البيانات لا تدعم رواية أن التضخم خارجي بالكامل. والجزء الأكبر منه أصبح أميركي الصنع؛ نتيجة قرارات سياسية محددة. وهو ما يعني أن موجة التضخم الراهنة لا ترتبط فقط باضطراب سلاسل التوريد أو تكاليف الشحن العالمية، بل يتغذى على قرارات داخلية تشمل الرسوم الجمركية، وسياسات العرض، وخيارات تمويلية وتنظيمية رسخت ارتفاع التكاليف عبر قطاعات حيوية.