ترامب يتوعّد كندا برسوم على مرور دخان الحرائق في أجواء بلاده
- تعود أسباب حرائق الغابات في كندا إلى عوامل طبيعية مثل الصواعق الجافة والطقس الدافئ والجاف، بالإضافة إلى النشاط البشري، وتواجه كندا تحديات كبيرة في مكافحة هذه الحرائق بسبب الطبيعة الجغرافية للبلاد.
- تأتي تهديدات ترامب الجديدة في سياق سلسلة من الرسوم الجمركية المتبادلة بين الولايات المتحدة وكندا، حيث تُستخدم كأداة ضغط في قضايا تتجاوز التجارة التقليدية.
لم تعد الرسوم الجمركية في سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتبطة بالمصانع أو العجز التجاري وحدهما. فقد لوّح هذه المرّة بتحميل السلع الكندية تكلفة الدخان الذي عبر الحدود، نتيجة مئات حرائق الغابات المشتعلة في كندا، وغطّى مناطق واسعة من الغرب الأوسط والشمال الشرقي للولايات المتحدة.
وكتب ترامب أمس الجمعة، في منشور على منصة تروث سوشال، أن الولايات المتحدة ستضيف ما وصفه بالتكلفة التي لا يمكن حسابها للتلوث إلى الرسوم المفروضة على الواردات الكندية، متهماً كندا بعدم صيانة غاباتها بصورة مناسبة، وواصفاً انتقال الدخان إلى الأراضي الأميركية بأنه وضع غير مقبول وإهمال متعمّد يتكرر سنوياً ويكلف بلاده مليارات الدولارات. وحمّل المسؤولية للحكومة الكندية، وقال إنه سيتصل برئيس الوزراء لمعرفة الإجراءات التي ستتخذها كندا حيال هذا الأمر.
ولم يعلن الرئيس الأميركي نسبةً محددةً للرسم الجديد، كما لم يوضح الطريقة التي يمكن بها حساب الخسائر الصحية والاقتصادية الناتجة عن الدخان أو توزيعها على السلع المستوردة.
من أين جاء الدخان؟
الدخان الذي غطّى أجزاء واسعة من الولايات المتحدة لم ينشأ داخل المدن الكندية، وإنما حملته الرياح من حرائق ضخمة تتركز خصوصاً في المناطق الشمالية والنائية من مقاطعة أونتاريو ومناطق أخرى من كندا.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية انتقال أعمدة الدخان من أونتاريو وكيبيك نحو الغرب الأوسط والشمال الشرقي الأميركيين. وغطت السحب الدخانية مناطق واسعة، ما دفع السلطات إلى إصدار تنبيهات صحية ودعوة السكان، خصوصاً الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض التنفس، إلى تقليل النشاط في الهواء الطلق.
ما الذي أشعل حرائق كندا؟
لا يوجد سبب واحد لجميع الحرائق. فبعضها يبدأ بفعل الصواعق، خاصة الصواعق الجافة المصحوبة بقليل من الأمطار، بينما ترتبط حرائق أخرى بالنشاط البشري، سواء نتيجة الإهمال أو الحوادث. بينما أوضحت الحكومة الكندية أن موجات الحرارة ترتبط بزيادة احتمالات الصواعق. كذلك أكّدت تقارير كندية أن الطقس الدافئ والجاف يمكن أن يسبق موجات من الحرائق التي تشعلها الصواعق.
وتزيد طبيعة الأراضي الكندية من صعوبة المواجهة، إذ تقع حرائق كثيرة في غابات شاسعة ونائية قليلة السكان، لا توجد فيها طرق برية كافية، ما يجعل الطائرات الوسيلة الأساسية لنقل فرق الإطفاء والمعدات وإجلاء السكان.
الحرائق ليست كندية فقط
اتهام كندا بأنها المصدر الوحيد لأزمة الدخان يتجاهل أن الولايات المتحدة نفسها تواجه موسماً يفوق معدّله المعدّلات المعتادة. فقد بلغت المساحات المحترقة داخل الولايات المتحدة نحو 3.7 ملايين فدان، مقابل متوسط لعشر سنوات يبلغ 2.7 مليون فدان في الفترة نفسها.
أما في أونتاريو الكندية، فقد احترق فيها نحو 650 ألف فدان، ما يعادل قرابة 2630 كيلومتراً مربعاً، مقارنة بنحو 600 ألف فدان في الفترة نفسها من العام السابق، واضطرت السلطات إلى إجلاء آلاف الأشخاص من المجتمعات المهددة.
كندا تدافع عن إدارة غاباتها
رفضت الحكومة الكندية اتهامات ترامب، وأكدت أنها استثمرت منذ عام 2020 نحو 12 مليار دولار كندي في استدامة الغابات والوقاية من الحرائق والاستجابة للكوارث.
وقالت وزيرة إدارة الطوارئ الكندية إلينور أولشفسكي، أول أمس الخميس، إن "الأولوية تتمثل في حماية الكنديين والحفاظ على سلامة المجتمعات المحلية". كذلك ذكّرت بتاريخ طويل من التعاون بين البلدين في مكافحة الحرائق، إذ يتبادل الطرفان الطائرات وفرق الإطفاء والمعدات عندما تتدهور الأوضاع على أحد جانبي الحدود.
رسوم سبقت أزمة الدخان
تهديد ترامب الجديد لا يبدأ من صفحة بيضاء، لأن التجارة بين الولايات المتحدة وكندا خضعت منذ عودته إلى البيت الأبيض لسلسلة من الرسوم والرسوم المضادة.
في فبراير/ شباط 2025، أعلن ترامب رسوماً إضافية بنسبة 25% على الواردات الكندية، مع نسبة أقل بلغت 10% على الطاقة الكندية. وبرّر القرار حينها بالضغط على كندا لاتخاذ إجراءات أكبر في ملفات الهجرة وتهريب المخدرات عبر الحدود.
وفي مارس/ آذار 2025، عُدِّل التطبيق بحيث أصبحت السلع الكندية المطابقة لاتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك معفاة، بينما خضعت السلع غير المطابقة لقواعد الاتفاقية لرسم بنسبة 25%، والطاقة والبوتاس غير المطابقين لرسم بنسبة 10%. ثم رفع ترامب في أغسطس/ آب الماضي الرسم على السلع الكندية غير المطابقة للاتفاقية من 25 إلى 35%.
وتشير بيانات الحكومة الكندية إلى أن 97.5% من الصادرات التي كان يمكن أن تشملها تلك الرسوم دخلت الولايات المتحدة دون رسوم، لأنها استوفت قواعد الاتفاقية التجارية.
وفرضت واشنطن أيضاً رسوماً منفصلةً على قطاعات محددة، شملت السيارات وقطع الغيار والصلب والألمنيوم. وبدأت رسوم السيارات بنسبة 25% في إبريل/ نيسان 2025، بينما رُفعت رسوم الصلب والألمنيوم من 25 إلى 50% في يونيو/ حزيران من العام نفسه.
وردّت كندا برسوم مضادة بنسبة 25% على عشرات المليارات من الدولارات من السلع الأميركية، ثم ألغت تلك الرسوم بمعظمها في سبتمبر/ أيلول الماضي، مع إبقائها على الصلب والألمنيوم والسيارات، لأن الرسوم الأميركية على هذه القطاعات ظلّت قائمة.
أغرب مبررات ترامب للرسوم
اعتاد ترامب استخدام الرسوم أداة ضغط تتجاوز الخلافات التجارية التقليدية. فقد فرضها أو هدد بها بسبب الهجرة غير النظامية، وتهريب المخدرات، والعجز التجاري، والضرائب التي تفرضها دول أخرى، وشراء النفط من دول معينة، والسياسات الرقمية، وعدم زيادة الإنفاق الدفاعي.
لكن ربط الرسوم بدخان حرائق الغابات يمثل توسعاً جديداً في هذا الاستخدام. فالرئيس الأميركي لا يتحدث هذه المرة عن دعم تقدّمه دولة إلى صادراتها أو عن إغلاق سوقها أمام المنتجات الأميركية، وإنما عن تلوث عابر للحدود نتج عن حرائق ساهمت فيها عوامل طبيعية ومناخية.