ترامب يتمسك بالرسوم وسط أزمات الاقتصاد الأميركي

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:45 (توقيت القدس)
ترامب خلال جلسة نقاشية في البيت الأبيض، 8 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فرض الرئيس ترامب رسومًا جمركية على الواردات لتعزيز الاقتصاد الأميركي، لكنه اضطر لتقديم حزمة إنقاذ بقيمة 12 مليار دولار لدعم المزارعين المتضررين، مع استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد القلق الشعبي بشأن تكاليف المعيشة.
- أظهرت الصين قدرتها على التكيف مع السياسات الجمركية الأميركية، محققة فائضًا تجاريًا قياسيًا، بينما لم تشهد الولايات المتحدة عودة كبيرة للوظائف الصناعية، مما أدى إلى انتقادات لسياسات ترامب الاقتصادية.
- قدم ترامب حزم دعم للمزارعين، لكنه واجه انتقادات من الاقتصاديين بسبب تعقيد بيئة الأعمال الأميركية وارتباك الأسواق، مما صعّب تحقيق الاستقرار الاقتصادي الموعود.

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إبريل/نيسان الماضي عن الرسوم الجمركية التي قلبت التجارة العالمية رأسًا على عقب، ووعد بأن الوظائف والمصانع ستعود إلى الولايات المتحدة بقوة. وأكد أن فرض الضرائب على الواردات "سيفتح الأسواق الأجنبية ويكسر الحواجز التجارية"، مما سيؤدي إلى خفض الأسعار للأميركيين. إلا أن الواقع لم يسر وفق الوعود، إذ اضطر ترامب إلى التحرك لاحتواء الأضرار الاقتصادية والسياسية الناتجة عن هذه السياسات.

في البيت الأبيض، أعلن ترامب عن حزمة إنقاذ بقيمة 12 مليار دولار لدعم المزارعين الأميركيين الذين تضرروا بشكل كبير من جراء سياساته التجارية. وتواصل الرسوم الجمركية فرض ضغط تصاعدي على الأسعار، ما وضع إدارته في موقف دفاعي أمام القلق الشعبي المتزايد بشأن تكاليف المعيشة. ومن المقرر أن يتوجه الرئيس إلى ولاية بنسلفانيا لإلقاء أول خطاب ضمن سلسلة من الخطب التي تصفها الإدارة بأنها مخصصة لمعالجة مشكلة القدرة على تحمّل التكاليف، وهي المشكلة التي وصفها ترامب الأسبوع الماضي بأنها أكبر عملية خداع ابتكرها الديمقراطيون، وفق ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز.

الصين تتأقلم... والوظائف لا تعود

في المقابل، نشرت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم والمنافس الرئيسي للولايات المتحدة، بيانات تظهر أنها لا تزال تحقق فائضًا تجاريًا قياسيًا مع بقية دول العالم، رغم تقلص تجارتها مع واشنطن. وتشير هذه الأرقام إلى أن بكين تتكيف بسرعة مع عالم أصبحت فيه الولايات المتحدة مكانًا أكثر صعوبة لممارسة الأعمال. ورغم وعود ترامب، لا توجد حتى الآن مؤشرات على عودة واسعة النطاق للوظائف الصناعية التي فقدتها المدن والبلدات الأميركية خلال عقود من الأتمتة والعولمة. ومع اقتراب الذكرى الأولى لتوليه منصبه، يواصل ترامب التأكيد أن قراره بفرض أعلى رسوم جمركية منذ عام 1930 سيؤتي ثماره قريبًا، فيما يحمّل سلفه جو بايدن مسؤولية كل أزمة اقتصادية وهي حجة تضعف تدريجيًا بمرور الوقت.

تضخم مرتفع وتراجع في الوظائف الصناعية

يجد ترامب نفسه اليوم في وضع مشابه لما كان عليه بايدن في مطلع عام 2024: يخبر الأميركيين أن اقتصادهم بخير، في حين لا يشعر كثيرون بذلك. وقد قلل الرئيس من شأن ارتفاع الأسعار في متاجر البقالة، مؤكدًا أنها تنخفض، رغم أن بيانات سبتمبر/أيلول أظهرت ارتفاع التضخم السنوي إلى نحو 3% تقريبًا نفس المستوى الذي كان عليه عند مغادرة بايدن للبيت الأبيض. كما استمرت الوظائف الصناعية في التراجع تدريجيًا هذا العام، بخسارة نحو 50 ألف وظيفة منذ يناير/كانون الثاني، وهو ما ساهم في إقالة رئيس مكتب إحصاءات العمل في يوليو/تموز الماضي، بعد اتهام ترامب إياه بتزوير الأرقام الرسمية.

المعادلات السحرية: وعود مالية لا تتطابق مع الواقع

سعى ترامب إلى تصوير حزمة الـ12 مليار دولار للمزارعين دليلاً على نجاح سياسته الجمركية، وذهب أبعد من ذلك بوعده صرف شيكات بقيمة 2000 دولار لكل دافع ضرائب باستثناء ذوي الدخل المرتفع، كما أعلن عبر منصة "تروث سوشال" في نوفمبر/تشرين الثاني. وخلال اجتماع لمجلس الوزراء، وعد أيضًا بأنه "في المستقبل القريب لن تكون هناك حاجة لدفع ضريبة الدخل".

غير أن الأرقام الرسمية لا تدعم هذه الوعود، فقد جمعت الحكومة نحو 250 مليار دولار من عائدات الرسوم هذا العام، وهو مبلغ بعيد جدًا عن 2.66 تريليون دولار التي حققتها ضرائب الدخل الفردية في السنة المالية 2025. كما تعهد ترامب باستخدام هذه العائدات لسداد الدين الوطني البالغ 38.45 تريليون دولار. وفي الصيف الماضي، قال للمشرعين إن بعض الصفقات التي يعقدها، مقابل خفض الرسوم، كما ستخفض أسعار الأدوية بنسبة 1500%، وهو ادعاء أثار دهشة الحضور.

دعم المزارعين من "إيرادات الجسور"

أكد ترامب أنه يستخدم بعض عائدات الرسوم لتقديم دفعات جسرية للمزارعين الأميركيين إلى أن تُستأنف المشتريات الصينية، مشيرًا إلى أنه حصل على هذا الالتزام من الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال لقائهما في أكتوبر/تشرين الأول. واستخدم الرئيس وكبار مستشاريه الاقتصاديين مصطلح جسر للتأكيد أن الأميركيين بحاجة فقط إلى الصبر حتى تتحقق نتائج خطته الجمركية.

وقال ترامب خلال لقائه مجموعة من المزارعين في البيت الأبيض إن "هذا المال لم يكن ليكون ممكنًا بدون الرسوم الجمركية. نحن ندر مئات المليارات من الدولارات، ونعطي جزءًا منها للمزارعين لأنهم تعرضوا للظلم من دول أخرى". غير أنه تجاهل أن الرسوم المفروضة على الصين أدت إلى مقاطعة المنتجات الزراعية الأميركية، ما ألحق الضرر بقاعدته الريفية، التي يحاول الآن تعويضها عبر هذه الحزمة. (يُذكر أن معظم التمويل يأتي من برنامج "المساعدات الجسرية للمزارعين" التابع لوزارة الزراعة وليس من الإيرادات الجمركية مباشرة).

انتقادات اقتصادية واسعة

قال ترامب عن إدارة بايدن: "لقد كرهوا المزارعين، أما أنا فأحبهم"، مؤكدًا أن مشتريات فول الصويا تأتي في مقدمة حديثه مع الرئيس الصيني. لكن اقتصاديين يرون أن المشكلة التي يحاول ترامب حلها هي جزء من آثار الرسوم نفسها على الاقتصاد. ويوضح سكوت لينسِكوم، مدير الاقتصاد العام في معهد "كاتو" الليبرتاري لـ"نيويورك تايمز"، أن "مشاكل المزارعين ليست كلها بسبب الحكومة، لكنها مرتبطة بشكل كبير بالسياسة التجارية. والأسعار منخفضة بسبب المقاطعة الصينية، بينما تكاليف الأسمدة والآلات، الخاضعة للرسوم لا تزال مرتفعة. وقد سمعنا شكاوى من كاتربيلار وجون دير، وهما من أكبر مصنّعي المعدات الزراعية".

وأضاف ترامب أنه سيُلغي المتطلبات البيئية المفروضة على هذه المعدات لأنها معقدة جدًا بحيث لا يمكن إصلاحها، شرط أن تُخفّض الشركات أسعارها. ووفق لينسِكوم، أدت الرسوم الجمركية إلى مستوى غير مسبوق من التعقيد المرهق والمجنون في بيئة الأعمال الأميركية. وقد ازداد الأمر ارتباكًا مع تخفيض ترامب بعض الرسوم، مثل تلك المفروضة على القهوة، في محاولة لخفض أسعار السلع الغذائية. وقال لينسِكوم: "الأميركيون يكرهون الفوضى، ولا أحد يريد هذا الاضطراب المستمر".

سياسة تقوم على الاضطراب

الفوضى، أو التقلّب المستمر، لطالما كانت حالة مفضّلة لدى ترامب، إذ تُبقي خصومه في حالة ارتباك وتجبر مؤيديه على التماشي مع قراراته المتقلبة. لكن هذا النهج أدى إلى سلسلة من التحركات المربكة، ففي أسبوع واحد دعا إلى قروض عقارية لمدة 50 عامًا، وفي الأسبوع التالي ألغى الرسوم على واردات القهوة، ثم أعلن أن الولايات المتحدة ستتجاهل مخاوف الأمن القومي بشأن صادرات الرقائق إلى الصين مقابل حصة 25% من العائدات. واختتم نائبه، جي دي فانس، في اجتماع لمجلس الوزراء قائلاً: سيستغرق الأمر وقتًا، سيكون من السخيف أن نتوقع حل جميع المشاكل التي تراكمت خلال السنوات الأربع الماضية في عشرة أشهر فقط".

المساهمون