استمع إلى الملخص
- أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية على منتجات من 185 دولة بهدف إعادة المصانع والوظائف، لكن الأسعار ارتفعت ولم تحقق السياسات النتائج المرجوة.
- رغم تصريحات ترامب المتفائلة، يواجه الاقتصاد الأميركي تهديدات بأزمات مالية جديدة وارتفاع التضخم، مما دفعه لإلقاء اللوم على سلفه جو بايدن.
في الأشهر الأولى من ولايته الثانية ملأ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الدنيا صراخاً وضجيجاً بتصريحات نارية ووردية حول ما أسماه بنجاحاته الاقتصادية غير المسبوقة، والخفض الكبير في أسعار السلع الرئيسية، والضغط على الدول النفطية لخفض أسعار النفط إلى 50 دولاراً للبرميل، وهو ما يلعب دوراً في خفض سعر الوقود داخل الولايات المتحدة، والضغط كذلك على الشركات الكبرى المنتجة للأدوية والسلع الرئيسية والغذائية لخفض أسعارها بشكل حاد. وزعم أكثر من مرة أن الأسعار تتراجع بشكل هائل بالنسبة للأميركيين، وأن أسواق المال وحركة الأسهم شهدت انتعاشة كبيرة في عهده.
ولم تخلُ تصريحات ترامب المتكررة من مبالغات كبيرة في الأرقام ووعود متلاحقة للمواطن والأسواق، فقد زعم أن زياراته إلى السعودية وقطر والإمارات منتصف مايو/أيار الماضي أسفرت عن إبرام اتفاقيات مع دول الخليج لاستثمار ما بين 12 و13 تريليون دولار في الاقتصاد الأميركي، مع بناء تحالف اقتصادي غير مسبوق، وقال وقتها: "لم يحدث بتاتاً في السابق شيء كهذا مع الولايات المتحدة. تريليونات من الاستثمارات. اتفقنا على نحو 12-13 تريليون دولار. وصلنا إلى هذا المستوى بفضل مشاريع معروفة، وسنعلن عن بعضها قريباً".
وفي وقت لاحق خفّض ترامب الرقم إلى 6.1 تريليونات ثم إلى 5.1 تريليونات، ثم اكتشفنا أن تلك التريليونات ما هي إلا عبارة عن حصيلة اتفاقات نوايا ومذكرات تفاهم قد لا يرى معظمها النور، وأن القيمة الإجمالية لم تزد عن 700 مليار دولار، معظمها طلبيات شراء كبيرة لطائرات بوينغ، وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية، واتفاقيات تتعلق بالبيانات والتكنولوجيا وعقود أخرى. لكن المبالغة في حجم الصفقات ليست بالأمر الغريب على السمسار ورجل الأعمال ترامب الذي لطالما تباهى بأنه خبير في إبرام الصفقات.
لم تخلُ تصريحات ترامب من مبالغات كبيرة في الأرقام ووعود متلاحقة للمواطن والأسواق، فقد زعم أن زياراته إلى الخليج أسفرت عن صفقات بقيمة 13 تريليون دولار
وفي 2 إبريل/نيسان الماضي، أربك ترامب التجارة العالمية حينما أعلن عن فرض رسوم جمركية على منتجات من 185 دولة، فيما يُعرف بـ"يوم التحرير"، وتعهد بعودة المصانع والوظائف إلى الداخل الأميركي، وخفض الأسعار بشدة عبر فتح الأسواق الخارجية، وبتخفيض أسعار أدوية بنسبة 1500%.
كما وعد بأن عوائد الرسوم الجمركية ستسدد الدين العام البالغ 38.45 تريليون دولار، لكن الأمور لم تسر على هذا النحو الذي رسمه، ما اضطره إلى التحرك لمعالجة الأضرار الاقتصادية الناتجة عن سياساته، ومنها زيادة الأسعار داخل الأسواق الأميركية وغلاء المعيشة بالنسبة للمواطن.
وبداية الشهر الماضي خرج علينا ترامب زاعماً أن الاقتصاد الأميركي يجني تريليونات الدولارات من الرسوم الجمركية، ووصف من يعارض فرضها بأنهم "حمقى"، لكن نظرة إلى الأرقام على الأرض نجد أنها لا تتماشى مع هذه تلك التصريحات؛ فقد بلغ دخل الرسوم 250 مليار دولار فقط هذه السنة مقابل 2.66 تريليون من ضرائب الدخل الفيدرالية.
بل إن تلك الرسوم مهددة الآن بالإلغاء من قبل المحكمة الأميركية العليا، وهو ما دفع ترامب إلى الخروج محذّراً من أن إلغاء الرسوم التي فرضها سابقاً يهدد البلاد بخسائر تزيد عن ثلاثة تريليونات دولار. بل قد تجد الحكومة الأميركية نفسها مضطرة لردّ مبالغ تصل إلى 168 مليار دولار للشركات، إذا قضت المحكمة العليا بأن إدارة ترامب استخدمت بشكل غير قانوني قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية IEEPA لفرض رسوم جمركية مرتفعة على عشرات الدول.
المبالغة في حجم الصفقات ليست بالأمر الغريب على السمسار ورجل الأعمال ترامب الذي لطالما تباهى بأنه خبير في إبرام الصفقات
وتكررت مبالغات ترامب في ملفات أخرى، منها ما يتعلق بحجم الاستثمارات الأجنبية التي تدفقت على بلاده منذ دخوله البيت الأبيض، أو حجم الوفر من وقف المساعدات الخارجية للولايات المتحدة، أو عوائد فرض قيود على الهجرة، وعوائد تحويل نيويورك إلى عاصمة العالم للعملات الرقمية، كما بالغ في الحديث عن مساهمة سياساته الاقتصادية في خفض معدل التضخم وزيادة النمو وتوفير فرص عمل لملايين المواطنين.
بل وخرج علينا الشهر الماضي زاعماً: "نحن الآن أغنى دولة وأكثرها احتراماً في العالم، مع انعدام التضخم تقريباً، وسعر قياسي لسوق الأسهم. نجني تريليونات الدولارات، وسنبدأ قريباً في سداد ديوننا الهائلة، البالغة 38 تريليون دولار. استثمارات قياسية في الولايات المتحدة، المصانع والشركات تزدهر في كل مكان. سيتم دفع أرباح لا تقل عن ألف دولار للشخص الواحد (باستثناء أصحاب الدخل المرتفع) للجميع".
لكن الواقع يقول شيئاً آخر، فالأسواق الأميركية مهددة بأزمة مالية جديدة، ونشوب فقاعات عدة سواء داخل أسواق المال في "وول ستريت"، أو داخل قطاع الذكاء الاصطناعي، أو فقاعة الدين العام الذي يكلف الدولة أعباء تفوق تريليون دولار سنوياً، وهناك أزمة التضخم، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، والضغوط المتنامية على الأسر، وهو ما جعل البنك الفيدرالي يتحفظ في خفض سعر الفائدة بشكل حاد بسبب بقاء التضخم عند مستويات عالية.
وهناك مخاوف الركود، والتباطؤ الملحوظ في النمو وسوق التوظيف، وتراجع ثقة المستهلك، ومخاطر الإغلاق الحكومي مجدداً، وقيود الصين وغيرها على المعادن النادرة الضرورية لصناعة التكنولوجيا والسيارات الأميركية.
ويبدو أن ترامب أدرك أخيراً أنه في أزمة، وفشل في معالجة قضية ارتفاع تكاليف المعيشة، ولذا خرج علينا أمس السبت قائلاً: "لست متأكداً من ظهور أثر السياسات الاقتصادية قبل الانتخابات النصفية"، وتعهّد بأن سياساته الاقتصادية ستعود بالنفع على الأميركيين العام المقبل.
قد تجد الحكومة الأميركية نفسها مضطرة لردّ مبالغ تصل إلى 168 مليار دولار للشركات، إذا قضت المحكمة العليا بأن إدارة ترامب استخدمت بشكل غير قانوني قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية
وبعد أن كان يتفاخر بكبح التضخم يحاول إقناع الناخبين بأن موجة الغلاء الحالية سببها سلفه الديمقراطي جو بايدن، وبأنه غير قادر على إصلاحه وحيداً، بل أعرب عن عدم يقينه بشأن ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بالسيطرة على مجلس النواب في انتخابات منتصف العام المقبل، لأن بعض سياساته الاقتصادية لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بعد.
بل إن ترامب خسر معركة الرسوم الجمركية ضد الصين حتى الآن، بعد أن تجاوز فائض الميزان التجاري الصيني حاجز التريليون دولار للمرة الأولى خلال الأحد عشر شهراً الأولى من 2025، مع اتجاه الشركات والمصنّعين لزيادة الشحنات إلى الأسواق غير الأميركية لتجنب رسوم ترامب المرتفعة.