ترامب "رجل الرسوم الجمركية" وصاحب السجل الطويل في الحروب التجارية
استمع إلى الملخص
- السياسات الجمركية وتأثيرها الاقتصادي: استخدم ترامب الرسوم كسلاح اقتصادي ضد الصين والمكسيك وكندا، ويخطط لفرض رسوم إضافية على السيارات، مما قد يرفع الأسعار ويزيد تكاليف الإنتاج، وسط تحذيرات من تأثيرها السلبي.
- ردود الفعل الدولية والتحديات المستقبلية: تترقب الدول قرارات ترامب الجمركية، مع دراسة خيارات الرد، بينما تسعى لتعزيز التعاون الاستراتيجي لمواجهة التحديات التجارية الأمريكية، مما يعكس التوترات المتزايدة عالميًا.
يجاهر دونالد ترامب بشكل متكرّر بتأييده فرض رسوم جمركية مدفوعاً بحنين إلى الماضي وميول شخصية للمواجهات الدبلوماسية، وبعض الحسابات الاقتصادية أيضاً. وخلال الحملة الانتخابية في العام 2024، كشف ترامب أن "التعرفة الجمركية هي أجمل كلمة في القاموس بنظري". وأكّد بعد أدائه اليمين الدستورية أن هذا المصطلح العربي الأصل ما زال كلمته المفضّلة.
وهو يرى فيه ترياقاً يحلّ كلّ مشاكل الولايات المتحدة. فالرسوم الجمركية ستسمح في رأيه باجتذاب الشركات إلى الولايات المتحدة ودرّ الإيرادات على الخزينة العامة واحتواء العجز التجاري. وعندما سئل عن خطر ارتفاع الأسعار إذ إن التعرفات الجمركية على الواردات تنعكس عادة في زيادة التكاليف على الأُسر، دعا ترامب الأميركيين إلى التحمّل قليلاً على المدى القصير واعداً إيّاهم بـ"عصر ذهبي" على المدى الطويل.
وقد لجأ الرئيس الأميركي خلال ولايته الرئاسية الأولى أيضاً إلى سلاح الرسوم الجمركية. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني، قام ترامب بالفعل بزيادة الرسوم الجمركية على بعض المنتجات الواردة إلى الولايات المتحدة. واستهدف الصادرات الصينية وبعض السلع من المكسيك وكندا المجاورتين، بالإضافة إلى الصلب والألمنيوم، بغض النظر عن مصدرهما.
والرسوم الجمركية المتبادلة ليست الإجراءات الأخيرة المتوقعة هذا الأسبوع، فاعتباراً من الثالث من نيسان/إبريل في الساعة 4:01 بتوقيت غرينتش، تعتزم الولايات المتحدة فرض رسوم إضافية بنسبة 25% على السيارات المصنوعة خارج البلاد وعلى قطع الغيار المستخدمة في المركبات التي يتم تجميعها في الولايات المتحدة.
ويشكل استيراد الولايات المتحدة أكثر مما تصدر هاجساً بالنسبة لترامب. وهذا يدل، حسب قوله، على أن دولاً تستغل إمكانية الوصول إلى السوق الأميركية، دون أن تظهر نفس الانفتاح عليها. وتعتمد واشنطن على عائدات الرسوم الجمركية لتقليص عجز موازنتها الضخم.
مشروع 2025
ولا عجب في أن يكون هذا المروّج العقاري السابق، الذي ينظر إلى المفاوضات الدبلوماسية من منظور الصفقات التجارية متمسّكاً بهذا السلاح الذي يقيم موازين قوى ويعزّز الطروحات القومية. وتبدو المقاربة أكثر متانة هذه المرّة، حتّى إن لم يكن مستبعداً أن يبدّل الرئيس الأميركي موقفه، مع العلم أنه لا يقرن دوماً الأقوال بالأفعال.
وبغية سبر أغوار هذه المنهجية، لا بدّ من العودة إلى "مشروع 2025" وهو برنامج حكومي جدّ محافظ ومفصّل يستلهم منه ترامب الكثير من قرارات ولايته الثانية، وقد أعدّه بيتر نافارو الذي عيّن مستشاراً للرئيس في شؤون التجارة. وجاء في فقرة تحمل عنوان "من أجل تجارة منصفة" أن "أميركا تتعرّض للنهب كلّ يوم" ودعا فيها نافارو إلى عكس "عقيدة" التجارة الحرّة المتشرّبة "بفكر العولمة" والتي وضعت في "برج عاجي جامعي".
ويوصي نافارو الذي استعاد البيت الأبيض الكثير من طروحاته، خصوصاً بالردّ على الحواجز "غير التعريفية" من خلال فرض وابل من الرسوم على البلدان التي تحمي أسواقها بلوائح تنظيمية. ومن اللافت أن تحليله المستفيض في "مشروع 2025" مستتبع ببيان حجج مضادة من توقيع كينت لاسمان المعروف بتأييده التجارة الحرّة المضبوطة.
ويدعو لاسمان الذي من الجلّي أنه لم يعتدّ برأيه إلى التحلّي "بالتواضع" في السياسة التجارية، كاتباً أن الرسوم "ليست ترياقاً".
ملك الرسوم الجمركية
ويسترشد ترامب في نهجه الحمائي بالحقبة المعروفة بالعصر الذهبي التي تخلّلها نموّ ديموغرافي كبير وابتكارات تكنولوجية لامعة وإنتاج صناعي متسارع الوتيرة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومن أوّل القرارات التي أخذها الملياردير الجمهوري بعد عودته إلى البيت الأبيض تكريم ذكرى "ملك الرسوم الجمركية" في نظره، الرئيس وليام ماكينلي (1897-1901) الذي عرُف باعتناقه نهجاً حمائياً.
وقرّر ترامب أن يعيد إلى دينالي، وهي أعلى قمّة في أميركا الشمالية تقع في ألاسكا، اسمها السابق "جبل ماكينلي" بعد تغييره نزولاً عند رغبة السكان الأصليين. وكرّر الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة أن الولايات المتحدة لم تبلغ "يوماً مستوى ثرائها بين 1870 و1913"، مسوّغاً هذا المجد الغابر بالرسوم الجمركية المرتفعة وقتذاك. ويشير المؤرّخون من جهتهم إلى أن "العصر الذهبي" وإن كان قد سمح بإثراء بعض أصحاب المصارف وشركات الصناعة ثراء فاحشاً، فقد عانى خلاله الملايين الفقر الشديد. واشتقّ اسم الحقبة من رواية لمارك تواين وتشارلز دادلي وورنر حول مضاربين يتملّكهم الجشع وسياسيين ينخرهم الفساد.
الآراء المؤيدة لرسوم ترامب
يرى ترامب أن فرض رسوم جمركية على الواردات الرئيسية سيدفع الشركات إلى نقل المزيد من عمليات التصنيع إلى الولايات المتحدة أو شراء منتجات أميركية الصنع، لتجنب الرسوم الإضافية. ومن الأمثلة الشائعة على ذلك "الضريبة على الدجاج" في ستينيات القرن الماضي عندما عارض الرئيس ليندون جونسون الرسوم الجمركية الأوروبية على الدواجن الأميركية وفرض في المقابل ضريبة على الشاحنات المستوردة.
وحالياً لا تزال رسوم جمركية أميركية بنسبة 25% مطبقة على الشاحنات الخفيفة، أحد الأسباب الرئيسية لكون معظم شاحنات البيك أب المباعة محلياً تُصنع في أميركا الشمالية. ويقول البيت الأبيض إن الرسوم الجمركية الجديدة قد تُدرّ أيضاً أكثر من ستة تريليونات دولار على الخزائن الفيدرالية على مدى العقد المقبل، أي نحو 600 مليار دولار سنوياً، علماً أنه لم يُفصح عن خططه بالكامل بعد.
وفيما تسدد الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، الرسوم الجمركية عادة، قال مسؤولو البيت الأبيض إن البائعين الأجانب سيتحملون الزيادة بخفض أسعارهم وسط سعيهم للتعامل مع أكبر اقتصاد في العالم. ويقول مؤيدو سياسات ترامب التجارية أيضاً إن الرسوم الجمركية لم تُسبب تضخماً واسع النطاق خلال ولايته الأولى في البيت الأبيض.
الآراء المعارضة
غير أن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن زيارة الرسوم الجمركية قد تلحق أذى اقتصادياً بالقطاعات المتضررة، فيما تسبب نهج ترامب غير المتسق في إعلان الرسوم بتراجع الأسواق المالية. وإذا عجزت الشركات عن تحمل الرسوم الإضافية ورفض البائعون الأجانب خفض أسعارهم، فقد ينتقل عبء الرسوم إلى شركات أخرى أو إلى المستهلكين. وقال محللون لدى مؤسسة ويدبوش للخدمات المالية إن رسوم ترامب الجمركية البالغة 25% على السيارات وقطع غيارها قد تتسبب بارتفاع سعر السيارة العادية بين 5000 و10000 دولار.
وأضافوا أن شركات صناعة السيارات الأميركية التي تُنتج مركبات في البلاد تستهلك ما يصل إلى 50% من قطع الغيار الأجنبية. ورأوا أن "نقل 10% من سلسلة توريد السيارات إلى الولايات المتحدة سيستغرق ثلاث سنوات، وسيُكلف مئات المليارات مع الكثير من التعقيد والتعطيل". وتقدر كبيرة الاقتصاديين في مؤسسة نيشن وايد للتأمين والخدمات المالية كاثي بوستجانسيك أن تتسبب الرسوم الجمركية الأخيرة على السلع الصينية إلى جانب واردات الصلب والألمنيوم، بارتفاع أسعار مواد البناء بنسبة تصل إلى 9%.
وقالت إن أسعار الأجهزة المنزلية قد ترتفع أيضاً بما يصل إلى 15%.
وتُثير رسوم ترامب الجمركية ردات فعل انتقامية أيضاً، وقد تسببت تدابير مضادة بين منتصف 2018 وأواخر 2019 بخسائر في الصادرات الزراعية الأميركية تجاوزت 27 مليار دولار. وقالت مؤسسة الأبحاث تاكس فاوندشين المعنية بالسياسات الضريبية والتحاليل الاقتصادية: "بناء على بيانات تحصيل الإيرادات الفعلية أدت رسوم الحرب التجارية بشكل مباشر إلى زيادة تحصيل الضرائب بمقدار 200 إلى 300 دولار سنوياً لكل أسرة أميركية في المعدل".
وأضافت أن هذه التقديرات لا تأخذ في الاعتبار "انخفاض الدخل نتيجة انكماش الإنتاج بسبب الرسوم الجمركية، ولا تراجع خيارات المستهلكين" مع بحث المشترين عن بدائل معفاة من الرسوم.
العالم يترقب
وتدرس جميع الدول خياراتها في انتظار معرفة ما سيقرره بالضبط الرئيس الأميركي الذي حافظ على نهجه المتقلب وغير المستقر. وقال وزير الاقتصاد التايواني كيو جيه هوي "لقد تم تقييم وتحليل تدابيرنا المضادة، على سبيل المثال، كيف سنرد على رسوم جمركية بنسبة 10% أو كيف سنتعامل مع نسبة 25%". وأضاف "تمت دراسة وتقييم كل السيناريوهات لتحديد الردود المناسبة ووضع أفضل السبل لمساعدة الصناعات الوطنية".
من جانبها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين "إننا منفتحون على التفاوض... لكن لدينا خطة قوية إذا اقتضى الأمر". واعتبر وزير التجارة الخارجية الفرنسي لوران سان مارتان أنه "ينبغي على أوروبا الرد للمحافظة على موازين القوى، للدلالة على القوة التي تمثلها والتي يجب أن تكون عليها".
لجأ البعض الآخر إلى التهدئة. فقد خفضت فيتنام رسومها الجمركية على مجموعة من السلع في محاولة لاسترضاء واشنطن. وأعلنت اليابان، من جانبها، تشكيل نحو ألف "مكتب استشاري" لمساعدة الشركات، بالتوازي مع بذلها جهوداً للحصول على استثناء من واشنطن. وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الثلاثاء، إن لندن تعمل أيضاً "بجد على التوصل إلى اتفاق اقتصادي، أحرزنا فيه تقدماً سريعاً لكن من المرجح أن تتأثر (بريطانيا) بالرسوم الجمركية".
وطلب وزير الخارجية المكسيكي خوان رامون دي لا فوينتي من نظيره الأميركي ماركو روبيو خلال محادثة هاتفية الحفاظ على اتفاقية التبادل التجاري الحر في أميركا الشمالية التي تربط البلدين مع كندا. وتحاول هذه البلدان مواجهة الغموض الذي يحيط بموقف ترامب، لا سيما بتوقيت الإعلان الذي قد يصدر مساء الثلاثاء. وبانتظار معرفة الرد الدقيق للدول المختلفة، فإن هجمات واشنطن على أسس التجارة الحرة تدفع الدول أيضاً إلى إجراء تقاربات استراتيجية من أجل التصدي إلى القوة الرائدة في العالم.
وبحسب استطلاع للرأي أجري في سبع دول أوروبية، بينها المملكة المتحدة، بين 6 و24 مارس/آذار، يؤيد أغلبية المشاركين فرض رسوم جمركية مضادة على المنتجات الأميركية. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعلنت بكين وطوكيو وسيول أنها تريد "تسريع" مفاوضاتها بشأن اتفاقية التجارة الحرة.
(فرانس برس، العربي الجديد)