تراجع الثقة الحكومية في أوكرانيا بسبب فضيحة فساد قطاع الطاقة

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:24 (توقيت القدس)
انقطاع الكهرباء في أوكرانيا، سلافوتيتش في 1 أكتوبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- دعا الرئيس الأوكراني زيلينسكي وزيري العدل والطاقة للاستقالة بسبب فضيحة فساد في قطاع الطاقة، حيث تم تعليق مهام وزير العدل غالوشينكو وبدء التحقيقات معه ومع شخصيات أخرى بتهم فساد واختلاس.
- كشفت التحقيقات عن شبكة مصالح معقدة وعقود مشبوهة، حيث تلقى غالوشينكو منافع شخصية لتسهيل السيطرة على تدفقات الأموال، ونفذت السلطات الأوكرانية مداهمات واعتقالات ضمن حملة "ميداس".
- تأتي الفضيحة وسط أزمة طاقة خانقة بسبب الغارات الروسية، مما يضاعف التحديات أمام أوكرانيا في مكافحة الفساد وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين.

دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

، اليوم الأربعاء، وزيري العدل والطاقة إلى الاستقالة، على خلفية فضيحة فساد واسعة هزّت قطاع الطاقة الذي يعاني أصلاً من آثار الحرب الروسية. وأكد زيلينسكي، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن الوزيرين "لا يمكن أن يبقيا في منصبيهما"، معتبراً أن استمرار بعض مخططات الفساد في وقت يواجه فيه الأوكرانيون انقطاعات يومية للكهرباء "أمر غير مقبول إطلاقاً".

تعليق مهام وزير العدل والتحقيق مع شخصيات نافذة

في السياق، أعلنت رئيسة الوزراء الأوكرانية، يوليا سفيريدينكو، تعليق مهام وزير العدل جيرمان غالوشينكو، الذي كان يشغل سابقاً منصب وزير الطاقة لأربع سنوات، وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بفضيحة فساد كبرى في قطاع الطاقة. وقالت سفيريدينكو، عبر حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي، إن القرار اتُّخذ بعد اتهام النيابة العامة الأوكرانية للوزير غالوشينكو بالحصول على "منافع شخصية" من رجل الأعمال تيمور مينديتش، أحد أبرز المقربين من الرئيس زيلينسكي، والمتهم بتدبير مخطط أدى إلى اختلاس نحو 100 مليون دولار من أموال قطاع الطاقة، بحسب ما نقلت وكالة فرانس برس. وأضافت أن وزيرة التكامل الأوروبي ليودميلا سوجاك ستتولى مهام وزارة الطاقة مؤقتاً، بانتظار استكمال التحقيقات.

منافع شخصية مقابل السيطرة على التدفقات المالية

من جانبه، أعلن مكتب المدعي العام المتخصص في مكافحة الفساد (سابو) أن الوزير غالوشينكو تلقّى منافع شخصية من مينديتش مقابل تسهيل السيطرة على تدفقات الأموال في قطاع الطاقة. وأكد المكتب أن التحقيقات كشفت عن شبكة معقدة من المصالح والعقود المشبوهة، في فضيحة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ القطاع.

وكان غالوشينكو قد شغل سابقاً مناصب عدة، منها في مكتب النائب العام ووزارة الخارجية والإدارة الرئاسية، كما تولّى في عامي 2013 و2014 منصب المدير التنفيذي للدعم القانوني في شركة الطاقة الأوكرانية، ثم أصبح نائباً لرئيسها بين 2020 و2021، قبل أن يُعيَّن وزيراً للطاقة في إبريل/ نيسان 2021، ومن ثم وزيراً للعدل في يوليو/ تموز 2025 عقب استقالة رئيس الوزراء السابق دينيس شميغال وتشكيل حكومة سفيريدينكو.

وبحسب وسائل إعلام أوكرانية، نفّذت السلطات أكثر من 70 مداهمة ضمن حملة أطلقت عليها اسم "ميداس"، شملت منزل الوزير المقال، ومكاتب شركة "إنرغوآتوم" للطاقة النووية، وعدداً من المقربين من الرئيس زيلينسكي، بينهم تيمور مينديتش الذي يُعتقد أنه غادر البلاد قبيل بدء المداهمات.

وأوضح المكتب الوطني لمكافحة الفساد أنه يمتلك نحو ألف ساعة من التسجيلات الصوتية المرتبطة بالقضية، وقد بدأ بنشر بعض المقاطع التي توثّق محادثات بين مينديتش ومسؤولين سابقين في قطاع الطاقة حول صفقات مشبوهة. وأعلنت السلطات الأوكرانية، الثلاثاء، اعتقال خمسة أشخاص على صلة مباشرة بملف الفساد المتعلق بالكهرباء، مؤكدة أنها تعمل على توسيع التحقيقات وإحالة نتائجها إلى القضاء.

فضائح متكررة تضرب مؤسسات الدولة

لم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ شهدت أوكرانيا في أغسطس/ آب الماضي فضيحة جديدة تتعلق برشاوى في عقود تصنيع المسيرات، أُبرمت بأسعار مرتفعة أضرت بالميزانية العامة. وجرى توقيف أربعة أشخاص حينها، بينهم نائب برلماني من حزب "خادم الشعب" الذي يتزعمه زيلينسكي. وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلن جهاز الأمن الأوكراني عن كشف عملية فساد أخرى تتعلق بشراء الجيش أسلحة بقيمة تقارب 40 مليون دولار. كذلك يجري المكتب الوطني لمكافحة الفساد تحقيقات موازية بشأن رشى داخل شركة الطاقة الوطنية.

تأتي هذه التحقيقات في ظل أزمة طاقة خانقة تعصف بالبلاد نتيجة الغارات الروسية المستمرة على البنية التحتية، ما أدى إلى انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي في مختلف المناطق الأوكرانية مع اقتراب فصل الشتاء. وأثارت هذه التطورات استياءً واسعاً في الشارع الأوكراني، الذي يواجه نقصاً حاداً في الكهرباء والوقود في وقت يتزايد فيه الضغط العسكري الروسي. وفي أول تعليق له بعد القرار، قال غالوشينكو إنه يتفهّم الدوافع السياسية وراء الإقال"، مؤكداً أنه سيواصل الدفاع عن نفسه أمام القضاء لإثبات براءته، وواصفاً ما يجري بأنه قرار سياسي يتطلب لاحقاً توضيح الجوانب القانونية.

يُذكر أن مكافحة الفساد تمثل إحدى أبرز القضايا التي تواجه أوكرانيا، في الوقت الذي تسعى فيه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكان زيلينسكي قد تعهّد مراراً بمحاربة الفساد على جميع المستويات، بعد سلسلة من الفضائح التي طالت مؤسسات الدولة والجيش وقطاعات اقتصادية حساسة. ويأتي التحقيق الجديد في وقت تتعرض فيه البنية التحتية الأوكرانية لضربات روسية متواصلة تلحق بها أضراراً جسيمة، ما يضاعف من حجم التحديات أمام الحكومة في حربها على الفساد وسعيها لتعزيز ثقة الشركاء الأوروبيين والدوليين.

تُعد هذه التطورات إشارة واضحة إلى أنّ ملف مكافحة الفساد في أوكرانيا لم يعد مقتصراً على الحديث الرسمي، بل أصبح مدخلاً حاسماً لقياس مصداقية الحكومة أمام شعبها وشركائها الدوليين. في وقت تواجه فيه البلاد تهديدات عسكرية كبيرة وانقطاعاً متكرّراً للكهرباء، يبدو أن المسائل المتعلقة بالشفافية والنزاهة باتت أكثر حساسية من أي وقت مضى. وإذا ما نجحت كييف فعلاً في مواجهة هذه الأزمة الداخلية، قد تسهم هذه الخطوات في استعادة ثقة المواطنين وتعزيز فرصها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ أما في حال فشلت، فستتعمّق الصورة لدى الداخل والخارج بأنّ الحرب لا تُواجه فقط عدداً من القذائف، بل أيضاً عدداً من الملفات السوداء داخل الدولة.

(فرانس برس، العربي الجديد)