تدخل تاريخي يفشل في رفع قيمة الين الياباني... لماذا يواصل الهبوط؟

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:33 (توقيت القدس)
لوحة تعرض ارتفاع الين بعد التدخّل الأميركي، طوكيو، 3 أغسطس 2026 (Getty)

عاد الين الياباني إلى الاقتراب من مستوى 160 يناً مقابل الدولار، رغم التدخل المشترك بين طوكيو وواشنطن، وسط مؤشرات على أن شراء العملة في السوق لن يوقف تراجعها ما لم يسرع بنك اليابان رفع أسعار الفائدة وتعالج الحكومة المخاوف المرتبطة بالدين وضعف النمو والإنفاق العام. وكتب الخبير الاقتصادي ديفيد سميث، في مقال نشرته صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، أول أمس السبت، أن الين فقد نحو 35% من قيمته أمام الدولار خلال ستّ سنوات، بعدما ارتفعت العملة الأميركية أمامه بنسبة 55% مقارنة بمستويات فترة جائحة كوفيد-19، كما انخفض الين بنحو 37% أمام الجنيه الإسترليني خلال الفترة نفسها. وعزا سميث ضعف العملة إلى استمرار "تجارة العائد"، التي يقترض فيها المستثمرون بالين منخفض التكلفة ثم يحولون الأموال إلى الدولار أو الجنيه الإسترليني أو أصول توفر عوائد أعلى. ويؤدي بيع الين لتمويل هذه الاستثمارات إلى زيادة الضغوط على سعره، خصوصاً مع توقع بقاء الفائدة اليابانية أقل من مثيلاتها في الاقتصادات الكبرى.

وفي مؤشر على تغير موقف الشركات اليابانية من العملة، قال الرئيس التنفيذي لشركة "ماروبيني" ماسايوكي أوموتو، في مقابلة نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، الجمعة الماضية، إنّ شركته تريد أن يكون الين "قوياً للغاية"؛ لأنه يمنحها قدرة أكبر على الاستثمار وتنفيذ الاستحواذات الخارجية. ويخالف موقف أوموتو النظرة التقليدية التي تعتبر ضعف الين مفيداً للشركات اليابانية، لأنه يجعل صادراتها أقل سعراً، ويرفع قيمة الأرباح المحققة في الخارج عند تحويلها إلى العملة المحلية، لكن نقل شركات يابانية كثيرة عملياتها الإنتاجية إلى الخارج قلص هذه المكاسب، بينما أصبح انخفاض الين يرفع تكلفة شراء الأصول الأجنبية واستيراد الطاقة والمواد الخام.

الين يفقد مكاسب التدخل

وصل الين في أواخر يوليو/تموز إلى 163.99 مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى له منذ 40 عاماً، قبل أن تنفذ اليابان والولايات المتحدة تدخلاً مشتركاً لشراء العملة وبيع الدولار. ودفع التدخل الين إلى نحو 155.20 مقابل الدولار، لكنه عاد إلى مستوى يقارب 159.50 بحلول 14 أغسطس/آب، فاقداً أكثر من نصف مكاسبه، بحسب تقرير نشرته وكالة رويترز. وأظهرت بيانات بنك اليابان الصادرة في 14 أغسطس/آب 2026 استمرار تداول الدولار قرب 159 يناً، بينما سجل سعر الصرف 159.304 يناً في نهاية جلسة 14 أغسطس/آب، وفقاً لبيانات السوق التي حدثتها منصة "تريدينغ إيكونوميكس" أمس الأحد.

إنفاق اليابان على شراء الين مقابل الدولار (بالتريليون ين)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وكانت وزارة المالية اليابانية قد أكدت، في بيان نشرته في 3 أغسطس/آب 2026، شراءَ الين بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية في 31 يوليو/تموز، لمواجهة ما وصفته بـ"التقلبات المفرطة والتحركات غير المنظمة" في سوق الصرف. ومثل التحرك أول تدخل أميركي ــ ياباني منسق لشراء الين منذ 1998، بحسب وكالة رويترز وأظهر التدخل استعداد واشنطن للمشاركة في دعم العملة، بعدما أصبح ضعف الين يثير مخاوف من تداعيات تمتد إلى التجارة وأسواق السندات الأميركية.

وسط مدينة أوساكا في اليابان، 1 إبريل 2026 (أرتور ويداك/ الأناضول)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

74 مليار دولار لا تغير المسار

سبق التدخل المشترك ثلاث عمليات نفذتها اليابان منفردة بين 30 إبريل/نيسان و6 مايو/أيار. وكشفت بيانات نشرتها وزارة المالية اليابانية في 7 أغسطس/آب 2026 إنفاق 11.735 تريليون ين، بما يعادل نحو 74 مليار دولار وفقاً لأسعار الصرف الحالية، على شراء العملة. وأنفقت الوزارة 6.279 تريليون ين في 30 إبريل، ثم 780.2 مليار ين في 4 مايو/أيار، و4.676 تريليون ين في 6 مايو. وشملت العمليات الثلاث بيع الدولار وشراء الين مباشرة من السوق. لكن قيمة العملة عادت إلى الانخفاض بعد كل تدخل، ما أظهر محدودية تأثير العمليات عندما لا يصاحبها تغيّر في أسعار الفائدة أو السياسة المالية.

وقال ميتسوهيرو فوروساوا، المسؤول السابق عن سياسة العملات في وزارة المالية اليابانية، لـ"رويترز" إن طوكيو قد تتدخل مجدداً إذا تعرض الين لهبوط حاد، لكنه أكد أن التدخل وحده غير كاف، ودعا بنك اليابان إلى إظهار استعداده لرفع الفائدة بوتيرة أسرع. ويتفق هذا التقدير مع رأي ديفيد سميث، الذي اعتبر في مقاله بصحيفة "صنداي تايمز" أن التدخل قد يجبر الأسواق على الانتباه، لكنه لن يعكس اتجاه العملة إذا لم تتغيّر العوامل الأساسية، وفي مقدمتها انخفاض أسعار الفائدة اليابانية.

فجوة الفائدة تغذي تجارة العائد

رفع بنك اليابان سعر الفائدة القصيرة إلى نحو 1%، وفقا لقرار السياسة النقدية الصادر في 16 يونيو 2026، مواصلاً الخروج التدريجي من سنوات طويلة من الفائدة شديدة الانخفاض. لكن الفجوة مع الأسواق الكبرى ما زالت واسعة. وأوضح ديفيد سميث أن الفائدة اليابانية البالغة 1% تقارن بنطاق بين 3.5 و3.75% للأموال الفيدرالية الأميركية، وبفائدة أساسية تبلغ 3.75% في بريطانيا. وتتكرر الفجوة في سوق السندات، فقد بلغت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات نحو 2.85%، مقابل 4.67% للسندات الأميركية و4.96% للسندات البريطانية، وفقاً للأرقام التي أوردها سميث في مقاله المنشور في 15 أغسطس. وأكدت "رويترز" في تقرير نشرته الجمعة الماضية، استمرار الفارق، إذ اقترب عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات من 4.7%، مقابل أقل من 2.9% للسندات اليابانية المماثلة.

وتُبقي هذه الفجوة تجارة العائد مربحة، إذ يستطيع المستثمر اقتراض الين بفائدة منخفضة ثم توجيه الأموال إلى سندات أميركية أو بريطانية ذات عائد أعلى. ويظل هذا الفارق قائماً حتّى بعد احتساب تكلفة تنفيذ المعاملة، ما يشجع المستثمرين على بيع الين. ورفعت الأسواق احتمال زيادة الفائدة اليابانية في سبتمبر/أيلول إلى 76% بحلول 13 أغسطس، مقارنة بـ24% في 30 يوليو، وفقاً لـ"رويترز". ويعني تسعير هذه الزيادة أن أي تأجيل جديد من جانب بنك اليابان قد يؤدي إلى تجدد بيع العملة. ونقلت الوكالة عن رينتو ماروياما، كبير استراتيجيي العملات والفائدة لدى شركة "إس إم بي سي نيكو سيكيوريتيز"، قوله إنّ التأجيل قد يدفع المستثمرين إلى فقدان الثقة في قدرة البنك المركزي على مواصلة رفع الفائدة.

الدين يقيّد بنك اليابان

تواجه اليابان عقبة أخرى تتمثل في ضخامة الدين الحكومي. ويتوقع صندوق النقد الدولي، في قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي الصادرة في إبريل 2026، وصول إجمالي الدين العام إلى 204.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي. ويجعل ارتفاع الدين الاقتصاد أكثر حساسية لزيادة أسعار الفائدة؛ لأنّ صعود عوائد السندات يرفع تدريجياً تكلفة خدمة الالتزامات الحكومية. وحذر صندوق النقد، في نتائج مشاورات المادة الرابعة المنشورة في 3 إبريل 2026، من اتساع العجز المالي خلال 2026، بالتزامن مع ارتفاع نفقات الفائدة والرعاية الصحية ورعاية كبار السن. ودعا الحكومة إلى تبنّي خطة تضع الدين على مسار هبوطي ثابت.

ويتعارض رفع الفائدة لدعم الين مع مخاوف الحكومة من ارتفاع كلفة الاقتراض. وذكرت "رويترز" في 10 أغسطس 2026 أنّ عائد السندات اليابانية لأجل عشر سنوات وصل إلى 2.805%، مقترباً من حاجز 3% الذي قد يؤدي تجاوزه إلى موجة بيع جديدة. ويواجه بنك اليابان بذلك خياراً صعباً: إما رفع الفائدة بصورة أسرع لحماية الين وكبح التضخم المستورد، أو التحرك بحذر لتجنّب زيادة أعباء الدين وإعادة اقتصاد بطيء النمو إلى حالة من الضعف.