تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة أكثر وضوحاً من حيث استهداف مقومات الاقتصاد وشريان الحبوب، بعدما تحولت الموانئ والمصافي والمنشآت الصناعية وشبكات النقل إلى أهداف رئيسية في الضربات المتبادلة، في محاولة من كل طرف لإضعاف قدرة الآخر على تمويل الحرب أو الحفاظ على تدفق السلع والطاقة. وخلال الأيام الأخيرة، برز قطاعا الوقود والحبوب باعتبارهما الأكثر تعرضاً للاضطراب، فيما امتدت التداعيات إلى النقل البحري وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة العالمية.
وتبدو مصافي النفط الروسية في مقدمة القطاعات التي تدفع كلفة مباشرة للهجمات الأوكرانية. فقد توقفت مصفاة أورسك في منطقة أورينبورغ بالكامل بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية الخميس الفائت، حسب وكالة رويترز، فيما قدر حاكم المنطقة يفغيني سولنتسيف أن إصلاح الأضرار قد يستغرق ما يصل إلى ستة أشهر، بسبب تضرر بنية تحتية حيوية واعتماد المعدات اللازمة للإصلاح على واردات تتأثر بالعقوبات، علماً أن الطاقة التكريرية للمصفاة تناهز ستة ملايين طن من الخام سنوياً، وتنتج البنزين والديزل ووقود الطائرات وزيت الوقود والبيتومين.
ولم يكن أثر الضربة محصوراً في منشأة واحدة. فقد أوردت وكالة الأنباء الألمانية الجمعة، أن مناطق روسية عدّة بدأت فرض قيود على مبيعات الوقود، من بينها كالوغا وأستراخان وأورينبورغ، بعد استئناف الهجمات الأوكرانية على المصافي. وشملت الإجراءات تحديد كميات البنزين والديزل التي يمكن بيعها لكل مركبة، وربط البيع في بعض المناطق بلوحات السيارات، بينما فرضت مناطق أخرى قيوداً على عمل محطات الوقود.
وتكشف هذه التطورات أنّ استهداف المصافي لم يعد مجرد عملية عسكرية بعيدة الأثر، بل بدأ ينتقل إلى السوق المحلية الروسية. وكانت وكالة فرانس برس قد أشارت الأربعاء الفائت، إلى تجدّد المخاوف في موسكو من نقص الوقود، بعدما شهدت مناطق روسية خلال الصيف اضطرابات في الإمدادات وقيوداً على الكميات المباعة. ورغم تخفيف القيود في سبع مناطق على الأقل بنهاية يوليو/ تموز، عادت المخاوف مع تصاعد الهجمات على المنشآت النفطية.
وتحاول كييف من خلال هذه الضربات إرباك إحدى أهم حلقات الاقتصاد الروسي المرتبطة بالحرب والمتمثلة بتحويل النفط الخام إلى منتجات مكرّرة يمكن استخدامها في الاقتصاد المدني والعسكري على حد سواء. في المقابل، فإنّ تعطيل المصافي لا يعني بالضرورة فقدان الخام، لكنه يضغط على قدرة روسيا على تحويله إلى وقود، ويجبرها على إعادة توزيع الإمدادات بين المناطق أو الاعتماد على مخزونات ومصادر أخرى، بما يرفع كلفة النقل والتأمين والتوزيع.
وتظهر خطورة هذا المسار في أنّ الضربة التي تطاول مصفاة كبيرة يمكن أن تحتاج إلى أشهر لاستعادة طاقتها، خصوصاً عندما تكون المعدات المتضرّرة خاضعة لسلاسل توريد معقدة بسبب العقوبات. وهنا تتحول العقوبات من عامل مالي وتجاري إلى عنصر يزيد زمن التعافي من الأضرار المادية التي تلحق بالمنشآت.
في المقابل، تواجه أوكرانيا ضغطاً اقتصادياً متزايداً في قطاع الحبوب بعدما أصبحت موانئ البحر الأسود هدفاً متكرراً للضربات الروسية. فقد أوردت "رويترز" يوم الأربعاء الماضي، أن عدد السفن التي دخلت ميناء أوديسا في يوليو/تموز بلغ 159 سفينة، مقابل 400 سفينة في الفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر واضح إلى تقلص النشاط التجاري في أحد أهم منافذ الصادرات الأوكرانية.
ويوم الجمعة، نقلت وكالة أسوشييتد برس عن وزير الزراعة الأوكراني تاراس فيسوتسكي أنّ أياً من السفن لم يدخل موانئ أوديسا منذ بداية أغسطس/آب، ما دفع بلاده إلى استخدام طرق بديلة لتصدير منتجاتها الزراعية. وانخفضت صادرات الحبوب إلى 590 ألف طن فقط حتى ذلك الوقت، وهو ما يمثل نحو 30% من الكميات التي كان يفترض شحنها. وتصل المخاطر إلى مستوى أكبر، إذ تشير التقديرات الأوكرانية إلى أن استمرار تعطّل الموانئ قد يخفض قدرة البلاد على تصدير السلع الزراعية إلى نحو 30 مليون طن، ما يعني أن نحو 30 مليون طن أخرى قد لا تصل إلى الأسواق العالمية. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنّ روسيا وأوكرانيا معاً تمثلان أكثر من ربع صادرات القمح العالمية.
وتحاول كييف تعويض جزء من خسائر الموانئ البحرية عبر تحويل التجارة إلى نهر الدانوب والطرق البرية والسكك الحديدية باتجاه بولندا والمجر وسلوفاكيا ورومانيا. وبحسب وكالة الأنباء القطرية (قنا) يوم الخميس، ارتفعت شحنات الحبوب المتجهة إلى موانئ الدانوب منذ بداية الشهر إلى 91.1 ألف طن، فيما بلغت الشحنات المتجهة إلى دول شرق أوروبا 126 ألف طن، بزيادة 81%، لكن هذه البدائل تظل أكثر كلفة وأقل قدرة استيعابية من الموانئ البحرية.
ولا تقتصر الحرب على تعطيل الصادرات الأوكرانية، إذ امتدت الضربات إلى الموانئ الروسية نفسها، إذ أوردت رويترز الأربعاء المنصرم، أن هجمات أوكرانية على ميناء نوفوروسيسك الروسي أدت إلى تعليق عمل محطات رئيسية لتصدير الحبوب، بينما اتهمت موسكو كييف بالتسبّب في اضطراب أسواق الغذاء العالمية، كما أعلنت روسيا أن الهجمات طاولت البنية التحتية الزراعية والحبوب، في وقت تُعد فيه روسيا أكبر مصدر للقمح عالمياً.
وهكذا أصبح البحر الأسود نقطة اختناق مزدوجة، إذ إنّ الهجمات الروسية تضغط على صادرات أوكرانيا، بينما تهدّد الضربات الأوكرانية منشآت التصدير الروسية. والنتيجة أنّ الخطر لا يقتصر على خسارة طرف لإيرادات التصدير، بل يمتد إلى الأسواق العالمية التي تعتمد على تدفق الحبوب والأسمدة والطاقة عبر هذه المنطقة.
وقد انعكس ذلك فعلاً على الأسواق، إذ أشارت رويترز إلى ارتفاع العقود الآجلة للحبوب الأربعاء، عقب الضربات الأوكرانية على نوفوروسيسك. وفي الوقت نفسه، فإنّ أي تراجع طويل الأمد في صادرات الحبوب من روسيا أو أوكرانيا قد يرفع تكاليف الغذاء والشحن والتأمين، خصوصاً للدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
أما قطاع الطاقة، فقد اكتسب بُعداً دولياً أكثر حساسية بعدما امتدت الهجمات إلى البنية التحتية المرتبطة بنقل النفط غير الروسي. ونسبت "رويترز" الأربعاء، إلى صحيفة فايننشال تايمز، أنّ أوكرانيا أوقفت مؤقتاً هجماتها على ناقلات النفط التي تستخدم ميناء نوفوروسيسك استجابة لطلب من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، بعدما أثارت واشنطن مخاوف من اضطراب أسواق النفط والإضرار بشركات أميركية.
وتبرز هنا أهمية خط أنابيب بحر قزوين الذي ينقل النفط من كازاخستان إلى الأسواق العالمية عبر الأراضي الروسية وصولاً إلى نوفوروسيسك. ووفق ما نقلته "رويترز" عن مصادر، أدت هجمات الطائرات المسيّرة في البحر الأسود إلى تعطيل ما يصل إلى خُمس عمليات التحميل التابعة لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين في يوليو/تموز، فيما تراجع إنتاج النفط الكازاخستاني 14% في الشهر نفسه مقارنة مع يونيو/حزيران.
ويكشف هذا التطور أن نطاق الحرب الاقتصادية لم يعُد محصوراً بروسيا وأوكرانيا، فكلما اقتربت الضربات من منشآت تصدير النفط وخطوط الأنابيب والسفن التجارية، ارتفعت احتمالات انتقال أثر الحرب إلى منتجين وشركات وأسواق لا تشارك مباشرة في النزاع. وهذا ما يفسر تدخل واشنطن للضغط من أجل عدم استهداف السفن غير الروسية والبنية التحتية التابعة لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين.
وفي الوقت ذاته، تتوسع قائمة المنشآت الروسية التي تستهدفها أوكرانيا. فقد أعلنت كييف، وفق "رويترز" السبت، استهداف قاعدة جوية ومركز بروغريس للصواريخ والفضاء في سامارا، وهي منشأة مرتبطة بإنتاج صواريخ تستخدم في إطلاق أقمار اصطناعية لشبكة روسية للإنترنت عبر الأقمار الصناعية، كما أعلنت كييف أمس الأحد، استهداف منشأة في روستوف تنتج وقوداً صلباً للصواريخ وأنظمة صاروخية.
وفي الجانب الآخر، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، بحسب كل من وكالتَي رويترز وسبوتنيك (الروسية)، استهداف مرافق لوجستية ومنشآت للوقود والطاقة والنقل في أوكرانيا، كما قالت روسيا إنها ضربت محطة سكة حديد مرتبطة بميناء إسماعيل تستخدم لتخزين ونقل الوقود والشحنات العسكرية، واستهدفت منشآت تخزين الوقود والبنية التحتية في ميناء تشيرنومورسك.
ويعني ذلك أن الضربات المتبادلة باتت تستهدف سلسلة القيمة الاقتصادية نفسها، من الإنتاج والتكرير والتخزين إلى النقل والتصدير. وهذه الاستراتيجية تجعل الضرر الاقتصادي تراكمياً، إذ لا يكفي أن يعمل المصنع أو الميناء مجدداً إذا بقيت شبكة النقل أو التخزين أو الإمداد معرضة للهجمات.