مع بدء موسم التخفيضات الصيفية رسمياً، اعتباراً من يوم 3 أغسطس/ آب الجاري، دخلت الأسواق المصرية واحداً من أكثر مواسم التخفيضات "الأوكازيون" صعوبة خلال السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التعثر في ظل استمرار موجات ارتفاع الأسعار، وبدء تطبيق الزيادات الجديدة في أسعار الكهرباء، فضلاً عن استمرار نشاط القطاع الخاص غير النفطي داخل منطقة الانكماش، وهو ما يضع التجار والمستهلكين أمام معادلة شديدة التعقيد؛ إذ يدفع الركود التجار إلى البحث عن تنشيط المبيعات، بينما يبحث المواطنون عن أقل سعر ممكن بعد تراجع قدراتهم الشرائية وارتفاع تكلفة المعيشة.
وفي الوقت الذي يأمل فيه المستهلكون الحصول على احتياجاتهم من الملابس ومستلزمات المنازل بالتزامن مع بدء الاستعداد للعودة إلى المدارس ومناسبات الصيف، تعوّل الحكومة على "الأوكازيون" لتحريك الأسواق. وفي هذا السياق، أكد وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، أن الأوكازيون الصيفي يستهدف تنشيط حركة التجارة الداخلية، ومنح المستهلك فرصة الحصول على السلع بأسعار مناسبة، مشدداً على ضرورة الالتزام بإعلان الأسعار الحقيقية ونسب التخفيض الفعلية ومنع أي ممارسات مضللة.
من جانبه، أوضح معاون وزير التموين والمتحدث الرسمي للوزارة، أحمد كمال، في تصريحات صحافية، أن الأجهزة الرقابية ومديريات التموين بالمحافظات ستتابع تنفيذ التخفيضات، والتأكد من التزام المحال بالإجراءات المنظمة، مع منحها حرية اختيار نسب التخفيضات وفقاً لطبيعة كل نشاط، بما يحقق المنافسة ويخدم المستهلك.
ورغم أن المتحدث الرسمي لم يحدد عدد المحلات القادرة على المشاركة في الموسم، كشفت مصادر في الغرف التجارية لـ"العربي الجديد" عن تراجع أعداد المحال المشاركة خلال العامين الأخيرين؛ وعزت ذلك إلى ارتفاع تكاليف الرسوم المقررة من قِبل الوزارة والأجهزة المحلية، وتفضيل أغلب المتاجر تقديم تنزيلات على مدار العام في نوعيات محددة من المنتجات بما يتناسب مع حجم الطلب وتفادياً للركود.
ترقب وتراجع في الإقبال
تصطدم الرسائل الحكومية المتفائلة بواقع اقتصادي أكثر تعقيداً؛ إذ يأتي "الأوكازيون" بعد أسابيع قليلة من زيادة أسعار الكهرباء، وفي وقت لا تزال فيه قطاعات الإنتاج غير النفطية تعاني ضعف الطلب، وفق المؤشرات الاقتصادية الأخيرة والتقارير الشهرية للمركز المصري للدراسات الاقتصادية ومؤشر مديري المشتريات التابع لـ"ستاندرد آند بورز"، بينما يواجه المستهلكون ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الخدمات والطاقة والغذاء.
وفي هذا الصدد، يرى رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين في الاتحاد العام للغرف التجارية، متى بشاي، أن نجاح موسم التخفيضات لن يعتمد على حجم التخفيضات وحدها، وإنما على قدرة الأسواق على استعادة القوة الشرائية للمواطنين. وأكد بشاي لـ"العربي الجديد" أن استقرار الأسواق يبدأ بزيادة المعروض وليس فقط بتشديد الرقابة، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على تعزيز المخزون الاستراتيجي وضمان توافر السلع الأساسية قبل موسم المدارس، وهو ما يساعد على الحد من القفزات السعرية، لكنه لا يلغي تأثير ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة على الأسعار النهائية.
وأضاف بشاي أن المنافسة بين التجار خلال "الأوكازيون" قد تدفع بعض المحال إلى تقديم عروض حقيقية لتصريف المخزون، خاصة في قطاعات الملابس، الأجهزة المنزلية، وبعض السلع المعمرة، إلا أن استمرار ارتفاع تكلفة التشغيل يقلص قدرة عدد كبير من التجار على تقديم تخفيضات كبيرة كما كان يحدث في السنوات الماضية.
وتتفق الغرف التجارية مع هذا التقييم، إذ ترى أن الأسواق تمر بحالة من الترقب بعدما أصبح المستهلك أكثر حذراً في قرارات الشراء، لتنتقل الأولوية إلى السلع الأساسية على حساب السلع غير الضرورية التي تراجعت مبيعاتها بصورة ملحوظة. وقال مسؤولون في الغرف التجارية لـ"العربي الجديد" إن التخفيضات تمثل فرصة لتدوير رأس المال وخفض المخزون، لكنها لن تكون كافية وحدها لاستعادة مستويات الطلب السابقة في ظل الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة.
مخاوف الركود التضخمي في مصر
في رصد ميداني أجرته "العربي الجديد"، إلى جانب شكاوى نشرتها صحف محلية، عبّر مواطنون عن صعوبة الاستفادة من التخفيضات الحالية بسبب تراجع الدخول وتآكل ميزانيات الأسر تحت وطأة ارتفاع أسعار الكهرباء والخدمات.
وقال موظف في هيئة التأمينات بالجيزة، محمود الجعفري (54 عاماً)، إن التخفيضات التي تقدمها المحلات لم تعد تمثل حافزاً كافياً للشراء، لأن الأسعار الأساسية ارتفعت بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية، فيما أشار مواطنون آخرون إلى أنهم باتوا يؤجلون شراء الملابس والأجهزة المنزلية ليقتصر إنفاقهم على الاحتياجات المعيشية الضرورية.
ويرى خبراء اقتصاد أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي بالأسواق إلى حالة من "الركود التضخمي"، حيث تتزامن معدلات التضخم المرتفعة مع ضعف النشاط الاقتصادي، مما يحد من قدرة الأسواق على التعافي السريع.
في المقابل، تراهن الحكومة على أن توافر السلع واستقرار الإمدادات وزيادة المعروض سيحدان من الضغوط السعرية تدريجياً، ولا سيما مع الاستعداد لموسم العودة إلى المدارس الذي يرفع عادة من معدلات الإنفاق الأسري.