تحويل المال الفاسد إلى رأسمال منتج في الجزائر

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:48 (توقيت القدس)
خطة جزائرية للاستفادة اقتصاديا من عودة الأموال المنهوبة (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استرجاع الجزائر للأموال المنهوبة، المقدرة بـ30 مليار دولار، يعكس فعالية مكافحة الفساد ويوفر فرصة لتمويل الاقتصاد الوطني دون اللجوء للدين الخارجي، مما يعزز الاستثمار في الصناعة والزراعة والطاقات المتجددة.

- توجيه الأموال المسترجعة عبر آلية شفافة، سواء من خلال صندوق وطني أو شراكات بين القطاعين العام والخاص، يمكن أن يدعم تنويع الاقتصاد ويمول المشاريع الابتكارية، مما يعزز الثقة ويخلق فرص عمل جديدة.

- استثمار الأصول المسترجعة في تأهيل الأصول العقارية يساهم في خلق قيمة مضافة محلياً، ويحول رموز الفساد إلى رموز للتجديد الاقتصادي، مما يرسخ الثقة في مؤسسات الدولة.

يطرح استرجاع الجزائر للأموال المنهوبة مما يصطلح على تسميته بـ"العصابة" من المسؤولين السابقين في الدولة الذين حوكم معظمهم أمام القضاء، جملة من الأسئلة عن إمكانية إعادة ضخ هذه الكتل النقدية الكبيرة في الدورة الاقتصادية وطريقة التعامل معها، خاصة أنّ العملية التي بدأت بعد الحراك الشعبي سنة 2019 ستستمر في الداخل وفي خارج البلاد بالتعاون مع دول أوروبية خاصة.

وبعدما كشف الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، في تصريح له عن استعادة ما يعادل 30 مليار دولار من الأموال المهربة والمنهوبة، يجد التساؤل المنطقي طريقاً له حول السبل العملية لإعادة استعمالها في النشاط الاقتصادي وتمويل المشاريع المقررة من الدولة، باعتباره النهج الذي اتبعته البلاد بشأن تأميم المصانع والشركات المصادرة، عبر إعادة بعث نشاطها والحفاظ على مناصب العمل ووتيرة الإنتاج.

توظيف الأصول ضرورة

ضمن هذا المنظور، يرى الخبير في الشأن الاقتصادي، عبد الرحمن هادف، أنّ "استرجاع الأصول المالية والعقارية التي كانت مجمدة داخل البلاد وخارجها يمثل تحولاً نوعياً في مسار الإصلاح الاقتصادي الذي تشهده الجزائر. فالنجاح في استرجاع ما يقارب 30 مليار دولار من الأموال المنهوبة إلى جانب عقارات وأصول أخرى، لا يعكس فعالية مؤسسات الدولة في مكافحة الفساد وتطهير بيئة الأعمال فقط، بل يؤشر أيضاً على نقطة انطلاق جديدة لتوظيف هذه الموارد في مسار تنموي منتج ومستدام".

من الناحية الاقتصادية، تمثل هذه الكتلة النقدية الهائلة، حسب ما يعتقده الخبير الاقتصادي الجزائري في تصريحه لـ"العربي الجديد"، "فرصة نادرة لإعادة تمويل الاقتصاد الوطني من الداخل دون اللجوء إلى الدين الخارجي، كونها تشكل احتياطياً إضافياً يمكن أن يوجّه لدعم الاستثمار العمومي المنتج، خصوصاً في القطاعات ذات الأثر المضاعف العالي مثل الصناعة التحويلية، الزراعة العصرية، الطاقات المتجددة، والبنية التحتية".
وأضاف: "إعادة ضخ هذه الأموال في مشاريع إنتاجية ستُسهم في تحريك الدورة الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة، وتعزز الثقة في الاقتصاد الوطني بصفته مجال استثمار آمناً ومستقراً".
ومع هذا، قال هادف إنّ "القيمة المضافة الحقيقية لا تكمن في حجم الأموال المسترجعة فقط، بل في الطريقة التي سيعاد توظيفها. وبالتالي، فإنّ توجيه هذه الموارد ضمن آلية شفافة ومهيكلة، سواء عبر صندوق وطني خاص لتثمين الأصول المسترجعة أو من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص، سيُسهم في تحقيق أثر اقتصادي طويل الأمد".
وتابع: "بدل أن تبقى هذه الموارد في شكل سيولة مالية جامدة، يمكن تحويلها إلى رأسمال استثماري منتج يدعم تنويع الاقتصاد، ويغذي الصناديق الموجهة لتمويل المؤسسات الناشئة والمشاريع ذات البعد الابتكاري".

إعادة تأهيل الأصول المسترجعة

إلى جانب ذلك، أشار الخبير الاقتصادي إلى إمكانية استثمار جزء من هذه الأصول في إعادة تأهيل الأصول العقارية المسترجعة على غرار المصانع، الفنادق، العقارات الإدارية، وتحويلها إلى مراكز إنتاج أو خدمات تساهم في خلق القيمة المضافة محلياً. هذه المقاربة تسمح ـ كما قال ـ بتحويل ما كان رمزاً للفساد إلى رمز للتجديد الاقتصادي، وتؤكد أن العدالة يمكن أن تكون أيضاً رافعة للتنمية.

كما أن إعادة توظيف هذه الأموال في تمويل المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل استكمال مشاريع التعدين، وتوسيع الطاقات المتجددة، أو تعزيز الأمن الغذائي، ستمنح دفعة قوية للاقتصاد الوطني في مرحلة يسعى فيها إلى التحرر من التبعية للمحروقات، حسب هادف.
واستنتج الخبير الاقتصادي في محصلة حديثه، أنّ استرجاع الأصول المنهوبة يمثل مكسباً مزدوجاً: فهو يرسخ الثقة في مؤسسات الدولة وعدالة النظام الاقتصادي، ويتيح في الوقت ذاته موارد مالية حقيقية يمكن تحويلها إلى محركات للنمو والتشغيل. غير أن الرهان الأكبر يبقى على الشفافية وحسن التسيير، حتى تُترجم هذه الموارد فعلياً إلى مشاريع ملموسة تمس حياة المواطن وتُسهم في بناء اقتصاد أكثر توازناً وعدالة واستدامة.

المساهمون