تحول استثماري في الخليج نحو الأحجار الكريمة

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
أحد الزوار في معرض كتارا الدولي للكهرمان، الدوحة، 15 يناير 2026 (نوشاد ثيكاييل/ Getty)

تشهد الأسواق الخليجية تحولاً استثمارياً بارزاً نحو اقتناء الأصول العينية الملموسة، حيث عادت الأحجار الكريمة الملونة لتتصدر خيارات التحوط لدى المستثمرين وكبار جامعي المقتنيات في المنطقة، ما يعكس رغبة في تنويع المحافظ الاستثمارية وتأمين الثروات عبر أصول نادرة تتميز بجاذبية جمالية وقيمة سوقية مستقرة على المدى الطويل، لكن لهذا الصعود علاقة بهبوط الذهب؟ وهل يمكن التعويل على الأحجار الكريمة بوصفها ملاذاً آمناً في ظل تجدد التوتر العسكري في الخليج خلال الفترة الماضية؟

تبدو الإجابة مرتبطة بتركز سوق الأحجار الكريمة بحالة الأسواق الكبرى، ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يلاحظ الخبراء تغير سلوك المشترين والتركيز على معايير النقاء والمنشأ التاريخي الموثق للأحجار لضمان سهولة تداولها وإعادة بيعها لاحقاً. تأكيداً لهذا التوجه، وفي دبي وأبوظبي تحديداً هناك طلب متزايد على الأحجار النادرة والمشبعة بشكل زاه، ولا سيما الياقوت والصفير، والتي تظهر كثافة لونية استثنائية، بحسب تقرير نشرته منصة أمايرا جيويلري، المتخصصة في قطاع المجوهرات الفاخرة والأحجار الكريمة.

ويرتبط هذا الصعود المتنامي للأحجار الكريمة ارتباطا وثيقا بالتراجع الحاد والمستمر الذي يعاني منه الذهب عالميا، حيث أدت السياسات النقدية المتشددة للبنوك المركزية وارتفاع عوائد السندات الحقيقية إلى تقليص جاذبية المعدن الأصفر الذي لا يدر عائدا دوريا، وقد تسبب هذا الضغط المالي في تسارع عمليات التسييل ونزوح هائل لرؤوس الأموال من الصناديق الاستثمارية الكبرى لتتجه نحو قنوات بديلة كالأحجار الكريمة النادرة التي توفر، بتقدير أصحابها، ملاذا أكثر استقرارا بعيدا عن تقلبات البورصات السريعة. 

ويوضح التراجع الأخير مدى عمق الأزمة التي تضرب سوق المعادن التقليدية، إذ "سحب المستثمرون 8.9 مليارات دولار من صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب في يونيو الماضي، مع تسجيل كل منطقة لتدفقات خارجة"، حسبما أورد تقرير نشرته منصة بي إن كريبتو، المتخصصة في أخبار الأصول المالية والأسواق الرقمية، في 9 يوليو الجاري.   

ومع تصاعد التوتر العسكري الحاد في مياه الخليج خلال الساعات الماضية، يبحث المستثمرون عن أدوات تحوط تتجاوز الأنظمة المصرفية واللوجستية المعرضة للاستهداف المباشر، ما يطرح الأحجار الكريمة كخيار ملاذ آمن قوي نظرا لصغر حجمها وسهولة نقلها واحتفاظها بقيمتها المركزة في الأوقات العصيبة، خاصة في ظل ترجيحات خبراء باستمرار انهيار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ومعه انتهاء أي احتمال لاستعادة حركة المرور الطبيعية عبر مضيق هرمز، بحسب تقدير نشره مجلس العلاقات الخارجية في 8 يوليو الجاري.   

وعلى الرغم من بعض تحديات السيولة المرتبطة بقطاع الأحجار الملونة بالمقارنة مع الذهب، فإن التطورات التقنية في الفحص وتوسيع معايير توثيق المنشأ ساهما في تعزيز الشفافية والثقة المتبادلة بين المستثمرين والتجار في الأسواق الخليجية والعالمية، ويوفر ذلك سوقا متميزا للنمو مع تزايد مرونة المشترين من الأجيال الشابة التي باتت تفضل التصميمات المبتكرة والفريدة، ما يعيد رسم ملامح ربحية القطاع ويزيد حصته السوقية بشكل لافت، بحسب إفادة خبيرين لـ "العربي الجديد". 

فروق جوهرية  

وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، منير راشد، لـ "العربي الجديد"، إلى عدم وجود علاقة مباشرة بين أسعار الذهب وأسعار الأحجار الكريمة، ويعزو ذلك إلى الفروق الجوهرية في طبيعة كل منهما من حيث التركيب والمضمون والخصائص السوقية، فالذهب يتمتع بسعر موحد ومعلن في البورصات العالمية يعتمد على الوزن والعيار القياسي، بينما تختلف أسعار الأحجار الكريمة بشكل كبير حتى ضمن النوع الواحد مثل الياقوت والألماس، منوها إلى أن تسعير الأحجار يعتمد على عوامل متعددة مثل المصدر والصفاء واللون.

ويضيف راشد أن الأحجار الكريمة تباع عادة في المزادات العلنية أو عبر قنوات متخصصة، حيث تحدد قيمة كل قطعة بناء على صفاتها الفردية الفريدة، ما يجعل عملية بيعها وشراءها أكثر تعقيدا مقارنة بالذهب الذي يتميز بسيولة عالية وسهولة في التداول، إذ يمكن تحويله إلى نقد بسرعة وبخسائر محدودة، بينما تتطلب الأحجار الكريمة خبرة تقنية وتقييما دقيقا لكل حجر على حدة.

كما تدخل كل من الأحجار الكريمة والذهب في الصناعات الحديثة وخاصة الإلكترونيات، لكن بخصائص مختلفة تماما، فالياقوت مثلا يتحمل حرارة تصل إلى 2050 درجة مئوية، بينما ينصهر الذهب عند نصف هذه الحرارة تقريبا، ما يعكس التنوع في المكونات والاستخدامات الصناعية، إذ لا تتكون الأحجار الكريمة من عنصر واحد بل من مركبات متعددة تمنحها صلابة وخصائص فيزيائية مميزة، بحسب راشد.

وفي الأوضاع الأمنية الصعبة والأزمات الجيوسياسية، تشهد أسعار الذهب والأحجار الكريمة ارتفاعاً متزامنا، كون المستثمرين يلجؤون إليها كملاذ آمن لتنويع محافظهم الاستثمارية وتأمين قيمتها ضد تقلبات الأسواق التقليدية، وقد يتجه الطلب نحو تشكيل الاستثمار لصالح الأحجار الكريمة في بعض المراحل كجزء من استراتيجية تنويع المخاطر، وفق رؤية راشد لسلوك المستثمرين في أوقات عدم اليقين.

وينبع الطلب على الأحجار الكريمة جزئيا من الرغبة في تقليص التعرض للذهب أو تنويع الأصول، وهذه التبادلات تمثل، بحسب راشد، سمة عامة للاستثمار الذكي والهروب من الأزمات عبر اللجوء إلى بدائل تحافظ على القيمة، وتساهم خصائص الأحجار الكريمة في زيادة جاذبيتها كمخزن للثروة، إذ تتميز بصغر حجمها النسبي مقارنة بقيمتها الكبيرة، مما يسهل نقلها والحفاظ عليها في المنازل بأمان.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن العلاقة بين سعر الذهب وأسعار الأحجار الكريمة هي علاقة عكسية بالمعنى الدقيق، بل قد تتحركان في اتجاهات متشابهة أثناء الأزمات كملاذات آمنة، رغم اختلاف آليات التسعير وطبيعة السيولة بينهما، بحسب راشد، الذي يخلص إلى أن الذهب يبقى المرجع العالمي للسيولة والأمان النقدي، بينما تمثل الأحجار الكريمة استثمارا طويل الأمد يعتمد على الندرة والجمال والمتانة.

معايير مختلفة 

ويشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، لـ "العربي الجديد"، إلى أن سوق الأحجار الكريمة يختلف تماما عن سوق الذهب، إذ تمثل هذه الأحجار صيغة استثمارية متنوعة تعتمد على مجوهرات أو أحجار ذات مواصفات ومعايير محددة، وقد توجه السيولة المرتفعة جزءا من أموالها نحو هذا القطاع لأغراض الزينة أو التخزين وإعادة البيع لاحقا، لكن هذا التوجه يحمل عدة محاذير تتطلب الحذر الشديد.

ويوضح درويش أن قيمة الأحجار الكريمة تعتمد بشكل كبير على وجود شهادات معتمدة تثبت نوعيتها ومنشأها، وتختلف أسعارها باختلاف البلدان وعدم وجود سعر موحد كما هو الحال في الذهب، ما يجعل عملية تسهيل بيعها أمرا صعبا وبطيئا خاصة في بعض الأسواق، بينما يتميز الذهب بسعر شبه موحد عالميا وسيولة عالية تمكن المستثمر من تحويله إلى نقد بسرعة وسهولة في أي بلد، ما يعني أن ميزة السيولة تمنح الذهب أفضلية واضحة.

ويواجه مستثمرو الأحجار الكريمة مخاطر تتعلق بتفاوت الأسعار الكبير، حيث قد تكون قيمتها عند إعادة البيع ضئيلة وغير ذات جدوى مقارنة بسعر الشراء إذا لم يتم تحديد نوع الحجر بدقة والحصول على شهادة المنشأ، ما قد يضطر البائع لقبول خصومات كبيرة عند التصرف فيها، بعكس الذهب الذي يحافظ على استقرار سعره ويقلل من مخاطر الخسارة المفاجئة، وفقا لتقييم درويش.

كما يتطلب الاستثمار في الأحجار الكريمة الاعتماد على مصدر موثوق للشراء والتأكد من إمكانية إعادة بيعها بالسعر المطلوب دون خسائر فادحة، وهو ما يستلزم الاستعانة بخبراء أو أشخاص ذوي خبرة متخصصة في هذا المجال لتقييم الأحجار وتحديد قيمتها الحقيقية، بينما لا يحتاج الذهب إلى مثل هذه التعقيدات التقنية في التقييم والتداول اليومي، بحسب درويش.

وبجمع كل هذه العوامل، يخلص درويش إلى أن الذهب يبقى الخيار الأفضل للاستثمار الآمن والسائل، بينما تحتفظ الأحجار الكريمة بخصوصيتها التي ترتبط بنوعية الحجر وشهادات المصادقة عليه وآليات إعادة البيع والمكان المناسب لذلك، نظرا للتفاوت الكبير في الأسعار والمخاطر المرتبطة بها، لذا يجب على المستثمر الحذر من هذه التفاصيل الدقيقة قبل دخول هكذا سوق.