- تعاني روسيا من ضغوط اقتصادية بسبب العقوبات الغربية وتكاليف الحرب، مما أدى إلى ارتفاع التضخم وأسعار السلع الأساسية، وتأثر مستوى المعيشة، مع تحول الاقتصاد نحو "اقتصاد الحرب".
- يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً مهماً في دعم أوكرانيا، لكن الانقسامات السياسية تعرقل خطط الدعم المالي، مما يثير تساؤلات حول قدرة الاتحاد على تقديم دعم مستدام لإعادة بناء الاقتصاد الأوكراني.
بعد أربع سنوات على الغزو الروسي لأوكرانيا، يواجه الاقتصاد الأوكراني ضغوطاً حادة وغير مسبوقة تهدّد استقرار الدولة وقدرتها على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها. لم تعد الأزمة مجرد تراجع اقتصادي جزئي، بل تحولت إلى صراع وجودي يمسّ كل مفاصل الحياة اليومية، من الوظائف والخدمات الصحية والتعليمية إلى شبكات الإنتاج الوطني. فالمصانع توقفت عن العمل، وخطوط الإنتاج تعثرت، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بصورة كبيرة، في حين تقلصت الإيرادات الضريبية التي كانت تموّل ميزانية الدولة قبل الحرب وتدعم استمرار الخدمات العامة.
إضافة إلى ذلك، ما زالت قضايا الفساد تهز الاقتصاد الأوكراني الذي يئن تحت وطأة الحرب، إذ تستمر الاتهامات الموجهة للنخبة الأوليغارشية في تقويض ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء. ولا يكاد يمر شهر دون أن تتعرض مرافق حيوية مثل المستشفيات والمدارس للقصف، ما يجعل استمرار تقديم الخدمات الاجتماعية تحدياً يومياً للحكومة. وقد وصل الأمر إلى حد باتت فيه رواتب المعلمين والأطباء والمعاشات التقاعدية تعتمد بصورة شبه كليّة على الدعم الخارجي، خاصة من دول الاتحاد الأوروبي، ما يحوّل الاستدامة المالية إلى اختبار شامل لصمود الدولة أمام الضغوط الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد.
يواجه الاقتصاد الأوكراني خطر الانهيار في غياب الدعم الخارجي، ولا سيّما من الاتحاد الأوروبي، بعد أن اعتمدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفاً معاكساً لسلفه جو بايدن في ما يخصّ الإنقاذ المالي لأوكرانيا. في الأسابيع الأخيرة، أثار موقف المجر وسلوفاكيا جدلاً واسعاً داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تهددان باستخدام حق النقض لعرقلة تنفيذ قرض بقيمة 90 مليار يورو مخصص لدعم أوكرانيا للعامين المقبلَين. ويشمل التأثير المحتمل لتأخير التمويل تعطيل حزمة عقوبات جديدة ضد روسيا، ما يقلل الضغط الاقتصادي على موسكو ويؤخر إضعاف قدراتها الإنتاجية العسكرية.
ويحذر اقتصاديون أوروبيون من أن أي توقف في التمويل سيزيد البطالة والفقر، ويجعل أوكرانيا تعتمد بشكل أكبر على الاقتراض الخارجي، مما يثقل ميزانيتها على المدى الطويل ويضعف ثقة المستثمرين بمستقبل الاقتصاد. وخلال سنوات الحرب، تكبد الاقتصاد الأوكراني خسائر فادحة على مستويات عدة: انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 30–35% منذ 2022، تضرر البنية التحتية بما في ذلك محطات الكهرباء والموانئ والطرق والجسور، ارتفاع البطالة وتراجع الدخل الحقيقي للموظفين الحكوميين، واعتماد معاشات ورواتب القطاع العام بالكامل على التمويل الأوروبي والدولي.
على الجانب الآخر، تعاني روسيا من آثار اقتصادية حادة نتيجة الحرب المستمرة في أوكرانيا. العقوبات الغربية المتلاحقة، وتقييد الوصول إلى الأسواق المالية الدولية والتكنولوجيا المتقدمة، أضعفت القدرة الإنتاجية لقطاعات رئيسية مثل الطاقة والتصنيع، كما أن تكلفة الحرب الضخمة على الخزينة الروسية أثرت سلباً على الميزانية العامة، ما أدى إلى تقليص الإنفاق على الخدمات العامة.
انعكست هذه الضغوط مباشرة على مستوى المعيشة، فقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية والوقود، وازداد التضخم إلى مستويات لم يشهدها الاقتصاد الروسي منذ سنوات. وعلى الرغم من قدرة الدولة على التحكم في بعض الأسواق المحلية، فإنّ المواطنين يواجهون تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكلفة المعيشة على نحوٍ ملموس، خاصة للطبقات الوسطى والفقيرة.
الوضع الاقتصادي الحالي يعكس تأثير الحرب الثنائيّ: من جهة، يعاني الاقتصاد الأوكراني من هشاشة شديدة تتطلب دعماً مالياً دولياً مستمراً، ومن جهة أخرى يكابد الاقتصاد الروسي ضغوطاً خارجية أضعفته في جوانب عديدة بسبب العقوبات وتكلفة الحرب
كما أدت الحرب إلى تحول جزء كبير من الاقتصاد نحو ما يمكن تسميته "اقتصاد الحرب"، إذ توجّه الموارد البشرية والمادية لدعم الجهد العسكري، على حساب الاستثمار المدني والبنية التحتية الاقتصادية. وفي ظل استمرار النزاع، يبدو أن الضغوط الاقتصادية ستستمر في التأثير على الاقتصاد الروسي لفترة طويلة، مع تداعيات على القدرة التنافسية والرفاه الاجتماعي.
تواصل دول الاتحاد الأوروبي لعب دور محوري في دعم الاقتصاد الأوكراني، من خلال برامج مالية ضخمة تهدف إلى ضمان استقرار الدولة واستمرارية الخدمات العامة والدفاع المدني على مدى سنتين. وتشمل هذه البرامج تمويل معاشات التقاعد ورواتب العاملين في القطاع العام، بالإضافة إلى دعم البنية التحتية المتضرّرة من الحرب.
إلّا أن المواقف السياسية لبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أوقفت أو عرقلت تنفيذ هذه الخطط. فقد اعترض رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ونظيره السلوفاكي روبرت فيكو على استمرار القروض الأوروبية، مستندين إلى مصالح اقتصادية مرتبطة بالطاقة الروسية وروابطهما التجارية مع موسكو، ما أثار تساؤلات حول قدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز حق الفيتو وضمان توافق سياسي ومالي في مواجهة الصدمات الاقتصادية المحتملة.
على الصعيد الأميركي، يظل تمويل أوكرانيا مرتبطاً بالجدل الداخلي، بعد أن أوقف الرئيس دونالد ترامب جزءاً من المساعدات، مسبباً ضغطاً إضافياً على استقرار المالية الأوكرانية، وسط محاولات للبحث عن تسوية سلمية مع روسيا.
يبقى التحدي الأكبر لأوكرانيا هو هيكلة اقتصاد مقاوم للحرب والعمل على إعادة بناء ما دمرته سنوات من النزاع دون التفريط في الاستقرار المالي أو زيادة الاعتماد على القروض الخارجية. هذه المعادلة تتطلب تنسيقاً فعالاً بين الشركاء الدوليين، وقدرة على إدارة الموارد المالية على نحوٍ فعّال، وضمان جذب الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي قلب هذا النقاش، يبقى السؤال عن قدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز الانقسامات السياسية، بما في ذلك الاعتراضات الإقليمية، لضمان دعم مالي مستدام وقابل للتنبؤ، من شأنه أن يعيد التوازن إلى الاقتصاد الأوكراني ويمنحه فرصاً حقيقية للنمو بعد الحرب.
في المحصلة، إن الوضع الاقتصادي الحالي يعكس تأثير الحرب الثنائي: من جهة، يعاني الاقتصاد الأوكراني من هشاشة شديدة تتطلب دعماً مالياً دولياً مستمراً، ومن جهة أخرى يكابد الاقتصاد الروسي ضغوطاً خارجية أضعفته في جوانب عديدة بسبب العقوبات وتكلفة الحرب. وبين هذين الطرفَين، يقف الاتحاد الأوروبي أمام اختبار سياسي واقتصادي حقيقي لمدى قدرته على تنسيق السياسات المالية والتضامن الاقتصادي بين أعضائه، في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية تحولات كبيرة قد تعيد رسم أطر الدعم المالي والسياسي في أوروبا والعالم.