تجميد حسابات السودانيين يقلق عملاء البنوك

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
مصرف في الخرطوم، 21 يناير 2020 (Getty)

قرّر بنك السودان المركزي تطبيق ضوابط جديدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار الأسلحة، من ضمنها تجميد حسابات عملاء ومتابعة حركة الأموال والتحقق من سلامة العمليات المصرفية لكلّ السودانيين الذين يمتلكون حسابات في المصارف السودانية. وأصدر بنك السودان المركزي توجيهات جديدة للمصارف تقضي بإيقاف وتجميد حسابات العملاء الذين لا يستكملون تحديث بياناتهم خلال فترة أقصاها شهران.

وقال مصدر مطلع بإدارة الرقابة المصرفية لـ"العربي الجديد" إن الإجراءات الجديدة تندرج ضمن جهود تعزيز الشفافية والامتثال للمعايير المصرفية الدولية، فضلاً عن تقليص المخاطر المرتبطة بالجرائم المالية ورفع كفاءة أنظمة الرقابة داخل المصارف، بما يدعم سلامة القطاع المصرفي ويحسن قدرته على رصد المخاطر المالية.

وبموجب تعميم رسمي، طالب البنك المركزي المصارف بتوفير وتشغيل أنظمة تقنية متخصّصة تتيح المراقبة المستمرة للمعاملات المالية وتحليل العمليات ورصد الأنماط غير المعتادة، بما يعزز قدرة المؤسّسات المصرفية على اكتشاف الأنشطة التي قد ترتبط بمخاطر مالية أو عمليات مشبوهة. وشهدت المصارف السودانية تدافعاً من الجمهور في عدد من الولايات والعاصمة الخرطوم.

ورصدت "العربي الجديد" تزايد أعداد الراغبين في تحديث بياناتهم عبر التطبيقات المصرفية، إذ اشترطت توجيهات البنك المركزي أن يكون التحديث حضورياً، ولا تُقبل التحديثات عبر الروابط الإلكترونية. وأثار تحديد موعد أقصاه شهران حالة من القلق بين عملاء البنوك، ما دفع أعداداً كبيرة منهم إلى التوجه نحو الفروع لإكمال الإجراءات المطلوبة، فيما تزايد القلق لدى المقيمين خارج البلاد أو العالقين في مناطق يصعب فيها الوصول إلى فروع المصارف.

وتستهدف إجراءات تحديث البيانات بصورة أساسية العملاء ذوي الحسابات المفتوحة قبل العام 2025، خاصة في ظل المتغيّرات التي شهدتها القطاعات المصرفية وتزايد النشاط المصرفي عقب تغيير العملة السودانية، وتغيّرات أوضاع العملاء مثل تغيير النشاط التجاري أو محلّ الإقامة والعنوان.

ويقول مراقبون إنّ ظروف الحرب دفعت بعض أصحاب الأنشطة التجارية إلى التوقف عن ممارسة التجارة أو تغيير طبيعة أعمالهم، وهو ما يجعل تحديث البيانات أمراً ضرورياً بالنسبة إلى الفئات المعنية. في وقت يرى آخرون أن عمليات التحديث ستؤثر على الكثيرين بصورة سالبة، خاصة وأن الكثير من الأسر ظلت تعتمد على تحويلات مصرفية وهم في مناطق سيطرة الدعم السريع.

وأوضح البنك أن تحديث البيانات يشمل مراجعة المعلومات الشخصية والمالية، من بينها العنوان ووسائل الاتصال والبريد الإلكتروني وبيانات الدخل، بما يضمن بقاء سجلات العملاء محدثة ودقيقة. ويقول إنّ هنالك ترتيبات خاصة جرى إعدادها لاستيعاب عملاء خارج السودان لم يجرِ تحديدها بعد، إلى جانب مواصلة نشر مواقع ومراكز جديدة للتحديث عبر القنوات الرسمية للبنك.

ويقول الخبير المصرفي وليد دليل لـ"العربي الجديد" إنّ القرار من حيث المبدأ له مبرّر تنظيمي واضح، فتحديث البيانات وربطها بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب التزام دولي تخضع له كل المصارف المرتبطة بالنظام المالي العالمي، والسودان بالذات في وضع حساس بسبب العقوبات والتصنيفات الدولية، فأيّ تراخٍ في هذا الملف يهدّد بقطع المراسلة المصرفية بالكامل.

لكن، وفق دليل، اشتراط الحضور الشخصي تحديداً هو ما يحول قراراً رقابياً سليماً من حيث الهدف إلى إجراء غير قابل للتطبيق عملياً على قطاع واسع من العملاء، خاصة مع وجود عملاء داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، هؤلاء ببساطة لا يستطيعون الوصول لفروع مصرفية، إما لانعدامها أصلاً في مناطقهم، أو لخطورة التنقل، أو لأنّ الفرع القريب منهم مغلق أو خارج الخدمة منذ بداية الحرب، فتطبيق الشرط حرفياً يعني عملياً تجميد حسابات مواطنين لا ذنب لهم سوى أنهم عالقون في منطقة نزاع، وهذا يضعهم أمام خيارَين كلاهما سيّئ: إما محاولة مخاطرة بالتنقل لفرع بعيد، أو فقدان الوصول لمدخراتهم ومعاملاتهم المصرفية بالكامل.

ومن الناحية الاقتصادية، هذا يدفعهم أكثر نحو الاقتصاد النقدي غير الرسمي وقنوات التحويل غير المصرفية، أي عكس الهدف الذي يُفترض أن يخدمه تحديث البيانات أصلاً. أما في ما يتعلق بالسودانيين في الخارج، هنا المفارقة أوضح، لأنّ هذه الشريحة تحديداً هي مصدر مهم للتحويلات الخارجية التي يحتاجها الاقتصاد بشدة في ظل شحّ النقد الأجنبي. إلزامهم بالحضور الشخصي داخل السودان لتحديث بياناتهم أمر غير واقعي لمعظمهم، خصوصاً من لا يخطط لزيارة قريبة أو من يقيم في دول بعيدة جغرافياً.

والنتيجة المتوقعة أنّ جزءاً منهم سيوقف التعامل مع القنوات المصرفية الرسمية ويحول تعاملاته إلى شبكات تحويل غير رسمية أو محافظ إلكترونية خارج الرقابة، وهو بالضبط ما تحاول الضوابط منعه من حيث المبدأ.

ويرى أن المعالجة المنطقية كانت تقتضي التمييز بين فئات العملاء بدل معاملتهم ككتلة واحدة، وتوفير قنوات تحديث بديلة عبر تطبيقات الهاتف المصرفي، أو توكيل رسمي، أو نقاط خدمة متنقلة في الولايات الآمنة، أو تنسيق مع السفارات والقنصليات لمن هم في الخارج، مع فترة سماح أطول وتدرج زمني يراعي تفاوت الظروف الأمنية بين ولاية وأخرى، بدل تعميم موحّد للشرط والمهلة على بلد بأكمله يعيش واقعاً غير موحد أصلاً.