تجديد الأثاث القديم ملاذ المصريين في مواجهة الغلاء

23 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:45 (توقيت القدس)
ورشة نجارة في الإسكندرية شمال القاهرة (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الأسر المصرية تحديات مالية كبيرة بسبب الأزمة الاقتصادية، مما دفعها لتجديد الأثاث القديم بدلاً من شراء جديد، في ظل ارتفاع الأسعار، كوسيلة للتكيف مع الظروف الصعبة والحفاظ على الموارد المالية.

- ازدهرت خدمات تجديد الأثاث في مصر، حيث يقدم الحرفيون مثل حمدي الفولي ومحمد محسن هذه الخدمات بأسعار معقولة، مما جعلها شائعة بين المواطنين، وبدأت الورش الصغيرة تركز على التجديد مستفيدة من التكنولوجيا الحديثة.

- التكيف مع الواقع الاقتصادي الجديد أصبح ضرورة، حيث يُعتبر تجديد الأثاث حلاً مناسباً للطبقة الوسطى، ويمثل جزءاً من الاقتصاد الدائري، مما يساهم في تقليل الضغط على الموارد وخلق فرص عمل جديدة.

في شقة متواضعة بمنطقة سيدي جابر في محافظة الإسكندرية شمالي مصر، تضبط أم سهى بأناملها فرش مقعدها الخشبي العتيق بعناية، في محاولة لإخفاء عيوب بعض أثاث غرفتها القديم استعداداً لاستقبال أحفادها الصغار.
هذا المقعد لم يكن مجرد قطعة أثاث مهترئة، بل قطعة من الذاكرة، استمر استخدامه لعقود لم تستطع خلال تلك الفترة تغييره، بعد أن ألقت الأزمة الاقتصادية بظلالها على أسرة أم سهى، كغيرها من المصريين، وصار شراء بديل جديد أمرا خارج الحسابات.
ولم تعد زيارة معارض الأثاث جزءا من طقوس تجهيز المنزل أو استبدال غرفة تالفة، بعد أن قفزت أسعار الموبيليا خلف واجهات العرض إلى أضعاف، بل تحوّل الأمر إلى عبء ثقيل يدفع الأسر للبحث عن حلول أقل كلفة، وحساب ألف حساب قبل الاستغناء عن أي قطعة أثاث.

خيار جماعي

لذا لجأت أم سهى إلى ما بات فعليا خيارا جماعيا لآلاف المصريين، وهو تجديد الأثاث القديم بدلا من شراء جديد داخل إحدى ورش تجديد الموبيليا في أحد الأحياء الشعبية بوسط المدينة الساحلية.
وهي الظاهرة التي تسارعت في السنوات الثلاث الأخيرة، مدفوعة بموجات متتالية من التضخم وارتفاع أسعار السلع، في مقابل تراجع واضح في القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة وما دونها. كما ازدهر نشاط إعادة تدوير الأثاث القديم على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، للإعلان عن متخصصين في تحويل القطع القديمة والمستعملة إلى أخرى مبتكرة وحديثة، وهو ما يجذب اهتمام المستهلكين.

في ورشة صغيرة بمنطقة القباري غرب الإسكندرية للنجارة، يجلس حمدي الفولي وهو يرمم جزءا من مقعد تكسّرت إحدى أرجله، منهمكا في إعادة تركيبه لزبون جاء به من حي سموحة الراقي.
الفولي، الرجل الخمسيني الذي يعمل في المهنة منذ عقود، وذاع صيته في إصلاح وتجديد الأثاث القديم وبأسعار لا تُقارن إطلاقا بثمن الأثاث الجديد، يؤكد أن "أيام شراء أو تصنيع الأثاث الجديد راحت، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي يشتكي منها الجميع، وتمثل تحديًا ماليًا كبيرًا للكثير من الأسر المصرية، فغالبية الزبائن حاليًا يحاولون تدوير عفش المنزل القديم وجعله جديدًا بمبالغ بسيطة".
ويشرح الفولي في حديثه لـ"العربي الجديد" أن تكلفة تجديد صالون قديم من خمس قطع تتراوح بين 5000 و8000 جنيه حسب نوع القماش والخشب، بينما شراء صالون جديد في معرض شعبي لا يقل عن 30 ألف جنيه، وفي الأماكن الراقية قد يتجاوز 50 ألف جنيه (الدولار = نحو 47.4 جنيهاً)، لافتا إلى أن فرق السعر يجعل الزبون "يفكر مرتين"، كما يقول.
ويضيف أن هذا الواقع الجديد دفع كثيرًا من الحرفيين إلى تعديل نمط عملهم ليناسب السوق، فبعض الورش الصغيرة أصبحت تميل إلى تقديم خدمات التجديد أكثر من التصنيع، بسبب تراجع الطلب على الجديد، كما يستخدم البعض تطبيقات الهواتف الذكية والمنصات الإلكترونية في الترويج للمنتجات والخدمات التي يقدمونها.

تدوير الأثاث

ويتداخل في الحديث الحرفي محمد محسن، وشهرته تيتو، قائلًا إنه منذ وقت ليس بالقصير يعمل في مجال إعادة تدوير الأثاث، والذي يلقى رواجًا كبيرًا من المواطنين، بسبب الأسعار المناسبة للجميع، في ظل ارتفاع أسعار الأخشاب والموبيليا وجميع المواد الخام المستخدمة في التصنيع.
ويؤكد أنه في الظروف الحالية لن يستطيع إقناع زبون ورشة صغيرة بدفع 40 ألف جنيه في غرفة نوم، لكن يمكن تجديدها بـ6 أو 7 آلاف جنيه، بمهارات فنية اكتسبها ذاتيًا أو من خلال العمل في ورش قديمة، لافتًا إلى أن المهنة تواجه حاليًا تحديات عدة، مثل نقص العمالة الماهرة وارتفاع أسعار المواد الخام وقلة توافرها، ما يتطلب اهتمام الجهات المعنية وتقديم الدعم.
ويضيف: "كنت أتعاقد من خلال ورشتي الصغيرة بمنطقة الورديان غرب الإسكندرية على تصنيع غرف كاملة وكراسي وطاولات جديدة كل أسبوع، وحاليًا غالبية الزبائن يرغبون في تجديد قطع الأثاث القديم للهروب من شراء الجديد غالي الثمن، بعد الزيادة الجنونية في أسعار الخامات، حيث وصل سعر خشب الزان إلى أكثر من 35 ألف جنيه للمتر، وأصبح لوح الأبلاكاش بـ225 جنيها، في زيادة بلغت أربعة أضعاف السعر منذ خمس سنوات".

وعن أسلوب العمل في قطع الأثاث القديمة، يتم إحياؤها وإعادتها إلى سابق عهدها بإصلاح الأجزاء المتضررة، وإضافة بعض الإكسسوارات المناسبة التي تتوافق مع أذواق الزبائن وميزانياتهم، وفي بعض الأحيان تقديم اقتراحات بتصاميم عصرية تتبع أحدث خطوط الموضة، كما يمكن إدخال خامات متناغمة مع تغيير الألوان والنقوش أو الأقمشة بأخرى ذات جودة أعلى، للحفاظ عليها، خاصة أن بعضها مصنوع من خامات نادرة ولها قيمة خاصة لدى أصحابها لا يمكن التفريط بها، حسب الحرفيين.
وفي حي العامرية غرب الإسكندرية، لا يختلف الوضع كثيرا، كما يؤكد أحمد عبد الصمد، صاحب ورشة لتجديد الموبيليا، أن بعض الزبائن الذين لا تسمح حالتهم بشراء أو تصنيع أثاث جديد أصبحوا يطلبون تجديد الأثاث بخامات جيدة، ورغم ذلك تكون الأسعار أقل من المعروض في المحال التجارية.
ويشير عبد الصمد إلى أن فكرة إعادة تدوير الأثاث القديم أو المستخدم ليست جديدة، لكنها تزايدت في الفترة الأخيرة، وبعض هذه القطع القديمة تكون أعلى جودة من الجديد، خاصة في الأخشاب، ما يجعل فكرة تجديدها لا توفر المال فقط، بل تحافظ على متانة الأثاث أيضًا.
ويقدّر أحمد أن أكثر من 60% من زبائنه حاليًا يأتون لتجديد غرف نوم أو صالونات قديمة بدلًا من الشراء، وهو ما لم يكن يحدث بهذه الكثافة قبل عام 2021، لذلك أصبح المكسب الأكبر لأعماله من تجديد القديم أكثر من الجديد.
ويؤكد أن الأزمة طالت الجميع، فالمشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع أسعار الأثاث النهائي، بل تبدأ من جذور الصناعة نفسها، وتحديدًا أسعار المواد الخام.
وحسب تقارير رسمية، ارتفع سعر خشب الزان الروماني في دمياط بأكثر من 5000 جنيه للمتر، ليصل إلى نحو 35 ألف جنيه، بينما ارتفعت أسعار خشب البياض والسويد بنحو 3600 جنيه للمتر.
أما خشب الأبلاكاش، وهو الأكثر استخدامًا في الورش، فقفز من 99 جنيهًا إلى 225 جنيهًا للوح الشعبي، و400 جنيه للأصناف الممتازة، في زيادة وصفها أصحاب المصانع بـ"الصادمة". وكانت النتيجة ارتفاعًا جماعيًا في أسعار غرف النوم والصالونات بنسبة تراوحت بين 35% و60% خلال العامين الماضيين، وفق بيانات غرفة صناعة الأخشاب.
الموظف محمود الحسيني، فيؤكد أنه اتخذ قرارا بإعادة تأهيل بعض قطع أثاث منزله المستعملة منذ زواجه، بدلًا من التخلص منها، وبأسعار تتوافق مع دخله المحدود، وهو ما وفر له أكثر من نصف تكلفة الجديد.

التكيف مع الواقع

من جانبها، تقول الباحثة الاجتماعية نجلاء عبد المنعم لـ"العربي الجديد" إن التكيف مع المتاح أو البحث عن بدائل أقل تكلفة أصبح الملاذ الوحيد لكثير من المصريين لسد احتياجاتهم الأساسية، ومواجهة التغيرات الاقتصادية وانخفاض القوة الشرائية لغالبية المواطنين، بفعل التضخم وتراجع الدخل أمام الغلاء الذي طاول معظم السلع الأساسية والضرورية، ما يضطرهم إلى تقليل الاستهلاك أو إيجاد حلول أقل جودة في بعض الأحيان.

وتؤكد أن بعض هذه الحلول وتغيير نمط حياة بعض الأسر المصرية بفعل الظروف المعيشية الصعبة قد تكون الأنسب لشرائح من الطبقة الوسطى، بدلًا من الهبوط إلى طبقات أدنى، وهو ما يتم غالبًا تحت بند ترتيب الأولويات داخل كل منزل.
وتشير عبد المنعم إلى لجوء العديد من المستهلكين إلى بدائل أرخص أو شراء المنتجات نفسها بكميات أقل لتقليل الإنفاق، نتيجة تصاعد موجات التضخم، وهو ما قد تكون له آثار جانبية على المجتمع، خاصة إذا تعلق الأمر بالغذاء والتعليم.

 

ويقول رئيس جمعية "مواطنون ضد الغلاء"، محمود العسقلاني، إن التحايل على الغلاء أصبح من سمات المصريين، نتيجة استمرار الظروف الاقتصادية الحالية التي اضطرت بعض الأسر إلى الاستغناء عن عادات الشراء والاستهلاك المعتادة، مقابل توفير الأساسيات فقط، لافتاً إلى أن البعض اتجه إلى استخدام السلعة نفسها بإعادة تدويرها، مثل الأثاث القديم، أو اللجوء إلى بدائل أقل سعراً لمواجهة ارتفاع الأسعار في ظل تباطؤ نمو الدخل.

ويرى العسقلاني في حديثه لـ"العربي الجديد" أن ظاهرة إصلاح أو تجديد السلع تعدّ مثالاً على الاقتصاد الدائري، حيث يتحوّل الاستهلاك إلى منظومة إعادة تدوير بدل الاستهلاك الفوري، ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد المصري، خاصة أنها لم تعد قاصرة على الفقراء أو محدودي الدخل.

ويوضح أن تجديد الأثاث القديم يقلّل الضغط على الموارد، ويخلق فرص عمل، ويحافظ على القيمة الاجتماعية للمنتج، خاصة إذا كان ذا طابع عائلي، مشدداً على أهمية دور الدولة في بذل مزيد من الجهود لمواجهة الغلاء عبر دعم الإنتاج ومثل هذه المشروعات.

وعلى الرغم من أن الجهات الرسمية لم تُعلن برامج دعم مباشرة لهذا النوع من النشاط، إلا أن غرفة صناعة الأثاث في اتحاد الصناعات تسعى، بحسب مسؤولين، إلى إدماج الورش الصغيرة في منظومة المعارض والتمويل.